الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأزمة الاقتصادية.. مواجهة الوهم ومقاطعة الجشع

محمد حسن التل

الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008.
عدد المقالات: 371
الأزمة الاقتصادية.. مواجهة الوهم ومقاطعة الجشع محمد حسن التل

 

 
من المؤكد ان موعد استحقاق رفع اسعار المشتقات النفطية في المملكة ، بات يقترب اكثر فأكثر ، ولم يبق عليه سوى ايام قد لا تتعدى اواخر الشهر الحالي. ومعروف انه لا توجد حكومة على وجه الارض ، تميل الى اتخاذ قرارات غير شعبية ، خصوصا فيما يخص معيشة الناس اليومية ، الا تحت ضغوط لا تقوى على مجابهتها. واسعار النفط في العالم ، كسرت اعلى الحواجز غير المتوقعة منذ عقود ، والاردن بالذات بعد كارثة العراق وغياب الرئيس الشهيد صدام حسين - والذي بغيابه غاب جزء كبير من الكرامة العربية - يعاني من ازمة نفطية لا يمكن تجاوزها ، وبالتالي فان تحرير اسعار المشتقات النفطية ، قدر لا مفر منه ، وهو بالاحرى الرفع وانهاء الدعم الحكومي ، وهذا يعني رفعا شاملا لاسعار كافة السلع المعيشية.

واصبح علينا في الاردن ، ان نواجه حقائق لا بد من التعامل معها ، بشكل يضمن مواجهة مضاعفات المرحلة الاقتصادية الجديدة بأقل الخسائر ، اولى هذه الحقائق ، علينا الاعتراف اننا منذ عقود طويلة ، نمارس نمطا استهلاكيا مشوها يفوق قدرتنا الاقتصادية بمئات المرات ، حيث صبغت حياتنا بكل مظاهر الصرف العشوائي ، وبالطبع ليس على المستوى الفردي ، بل حتى على مستوى الحكومات ايضا. ولم نصح او رفضنا ان نصحو ، الا والحقيقة المرة تقرع الابواب بقوة لا يمكن تجاهلها.

نحن نعيش في بلد تكاد تكون موارده الطبيعية منعدمة ، فلا ماء ولا نفط ولا معادن ، ونعيش على المعونات العربية وغير العربية ، ومع هذا نتبارز في مظاهر الترف على المستوى الفردي والعام ، بشكل مرَضيّ استهلاكي مبالغ فيه،

من يصدق ان البناء الذي يجتاح معظم مدننا وقرانا ، لا يوجد مثله في كبرى دول الخليج او الدول الاوروبية والامريكية. وهل يعقل ان افخر انواع السيارات واحدثها ، تنزل الى السوق الاردنية قبل الاسواق الخليجية؟، وعرّج على فاتورة الهاتف الخلوي على مستوى المملكة ، التي تتجاوز المليار دينار سنويا. والوزير لدينا تقف على باب بيته اكثر من خمس سيارات فارهة ، وحدّث ولا حرج عن المديرين ومعظم موظفي القطاع العام،

لقد اشار مئات المعلقين والمراقبين ، الى ضخامة فاتورة المحروقات على المستوى الحكومي ، ولم نرَ اي مواجهة لهذا الموضوع ، الا محاولات صغيرة وخجولة ، سرعان ما باءت بالفشل ، لانها لم تتسلح بالقرار الحقيقي ، لمواجهة هذا النوع من الصرف غير المبرر.

لماذا يتحمل الناس عبء آلاف السيارات الحكومية بمختلف الانواع ، والتي تجوب مدن وقرى المملكة على مدار الساعة دون مبرر؟ ولماذا يتبارز معظم المسؤولين في فخامة مكاتبهم ودوائرهم ، وعلى الدولة والمواطن ان يتحملا عبء هذا الترف غير الشرعي؟،

عندما كان بعض المسؤولين او المختصين في الثمانينات ، ينبهون ان الوضع في الاردن غير طبيعي ، لان الصرف يفوق الطاقة ، لا احد كان يسمع او يريد ان يسمع ، وها هو المرحوم باذن الله تعالى ، الشريف عبدالحميد شرف رئيس الوزراء الاسبق ، عندما اطلق صرخته التاريخية في بداية الثمانينات ، تحت عنوان "الترشيد الاستهلاكي" لم يلقَ آذاناً صاغية ، حيث نبّه رحمه الله الى خطورة الوضع الناشىء في الاردن ، وان هذه الطفرة ستغرق البلد في ازمات اقتصادية ، لا يعلم بها سوى الله جلّ جلاله. وغير المرحوم شرف ، نبه الكثيرون - ولكن كما قلت في البداية - لم نكن نريد ان نسمع حتى وقع المحذور ، وها نحن مع الازمات الكبرى وجها لوجه.

الان علينا ان نواجه الامور بواقعية مطلقة ، وان ننزل من الابراج التي كنا نظن انها عاجية ، وللاسف لم تكن هناك ابراج في الاصل ، بل كنا في مهب الريح ، دون ان نشعر، واولى الخطوات العملية التي يجب ان نتخذها في هذه المواجهة ، الاعتراف المطلق في الحقيقة ، فلا مجال للاتهامات والخطابات التي تلهث وراء الشعبية وتسجيل المواقف.

جميعنا الان يتحمل المسؤولية الاولى في مواجهة التحديات الجديدة ، وذلك بتخليه عن عنجهيات الصرف غير المبرر على المستوى الشخصي والعام اولا ، ثم بتطبيق نظرية المقاطعة للسلع التي يرفع اسعارها بعض التجار دون مبرر ، الا من اجل الغناء الحرام.

حدثني احد الاصدقاء ، ان احد المستثمرين الكبار على مستوى العالم ، ولديه فروع لمصانع السلع التي ينتجها في اكثر من عاصمة - ومنها عمان - انه اذا بادر برفع هذه السلعة في اي دولة المتواجد نشاطه فيها ، يخفّ الطلب على هذه السلعة ، الا في الاردن ، اذا ارتفع السعر زاد الطلب، وهنا يكمن الخلل الخطير في المعادلة الاقتصادية لدينا.

نحن شعب مسرف بلا شك ومرعوب دائما ، اذا جاءت النشرة الجوية بأخبار الامطار والثلوج ، اختلقنا ازمة خبز ومحروقات ، واذا كانت الاخبار تشير الى موجة حرّ في الصيف ، اختلقنا ازمة مراوح ومكيفات ، وغير هذه الامثلة كثير ، ولا نبالي باستغلال التجار في اي مجال ، فكلما ارتفع سعر السلعة ، ارتفعت قيمتها في نظرنا وزاد الطلب عليها ، ثم ندبّ الصوت ان الاسعار لا تطاق. جاء المسلمون في احد الاعوام الى الخليفة عمر بن الخطاب ، وشَكوا له ارتفاع سعر اللحم ، حيث قالوا: غلا اللحم علينا يا امير المؤمنين ، فقال لهم: انقصوه. فقالوا: كيف ننقصه يا امير المؤمنين؟ قال: اتركوه لهم - اي التجار - . وبالفعل نفذ الناس هذا التوجيه ، فكان لهم ما ارادوا ، وكانت هذه اول دعوة في التاريخ لمعاقبة التجار الجشعين "وفهمكم كفاية".

هذا على المستوى الفردي والشخصي ، اما على المستوى العام ، فمطلوب من الحكومة اتخاذ خطوات فورية وجادة للتوفير في نفقاتها المتشعبة ، حتى نشعر في هذا البلد اننا كالجسد الواحد ، ولا يشعر طرف بانه يصرف على الطرف الاخر ، دون وجه حق ، وعلينا جميعا - مسؤولين ومواطنين - ان نعترف ان سنوات الطفرة انتهت ، ونحن نعيش الان في الواقع الحقيقي والجديد ، ويجب التكيف معه ، بكل حزم وجديّة والا لن نخرج من عنق الازمة سالمين .

Date : 07-01-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش