الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الآن هنا»...»الآن هناك»

عريب الرنتاوي

السبت 13 آب / أغسطس 2011.
عدد المقالات: 3126
«الآن هنا»...»الآن هناك» * عريب الرنتاوي

 

ظننتها «مزحة» في البدء، لكنني عندما أتممت قراءة الأسماء والتوقيعات، تيقنت أن شخصيات أردنية، قد أصدرت بالفعل بياناً يدين الاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين في بعض ضواحي لندن، ويعطون للمسألة أبعاداً عنصرية وكولونيالية عميقة الجذور، ويسقطون عليها من وحي «ربيع العرب» وسلوك الأنظمة الفاشية خلاله، ما قد تحتمله وما لا تحتمله من مقارنات ومقاربات...ودائما بهدف الوصول إلى خلاصة واحدة مفادها: «ما حدا أحسن من حدا»، في ربط مفرط في اعتسافه وتهافته بين ما يجري في سوريا بشكل خاص، وما يجري في بريطانيا، سيما وأن غالبية واضحة من موقعي البيان، كانوا في عداد «الوفد الشعبي» إياه، أو هم من الذين يرتبطون بهم بـ»صلات قرابة» سياسية وفكرية.

لكن ما بدا أنه «مزحة سخيفة»، محلية الأثر والطراز، اتضح بعد ساعات، أن «نمط تفكير» عند بعض العرب وجوارهم الإقليمي...فإيران تُصدر على لسان المتحدث باسم خارجيتها، بياناً لم تطلب فيه إلى السلطات البريطانية توخي الحذر في اللجوء إلى الاستخدام المفرط للقوة (انظروا من يتحدث)...بل ويدعوها لفتح حوار مع المحتجين للتعرف على مطالبهم وصولا إلى اعتماد حل سياسي لمشكلاتهم.

أما صاحب التهديد الأشهر بنقل شرارة الثورة إلى كل المدن الأوروبية: مجنون ليبيا، فذهب أبعد من ذلك بكثير، عندما أعلن ومن على «قاعدة التعامل بالمثل»، بأن ديفيد كاميرون فقد شرعيته، وطالبه بالتنحي فوراً ومن دون إبطاء، أما تعليقات مؤيدي هذا «المعسكر» في مواقعهم ومدوّناتهم الإلكترونية، فقد حفلت بكل ما يمثل أسوأ إساءة للعقل والذوق البشريين في قراءة الأحداث وإجراء المقارنات والإسقاطات.

لقد استمعت لديفيد كاميرون مباشرة عبر الراديو، وهو يكشف بعض تفاصيل خطته أو بالأحرى «قبضته الحديدية» في التعامل مع أحداث الشغب والاحتجاج...وساءني أنه عزل ما يجري عن السياسة والاقتصاد...وحصره في الناحية الجنائية – الجنائية، وتصويره الأحداث كـ»جريمة سرقة جماعية»...وهذا على أية حال، موضع جدل ساخن في بريطانيا...أما ما استوقفني مطولاً في حديثه، فهي تلك «الصلاحيات الواسعة» التي منحها لرجال الشرطة في التعامل مع المحتجين، قبل أن يُضطر للاستعانة بالجيش...لقد منحهم السلطة التقديرية ميدانياً في استخدام الهراوات وخراطيم المياه الساخنة والملونة، بل ومنحهم الحق في إطلاق الأعيرة المطاطية إن لزم الأمر ؟!.

وبدا لي من حديث كاميرون، أن الرجل بحاجة لقرار يصدر عن حكومته مجتمعة، يتخطى سلطاته الفردية كرئيس منتخب للوزراء، يمكّن الشرطة من «طلب نزع الأقنعة عن الوجوه» في بعض المناطق المحددة جغرافياً، وتوسع في القرار والصلاحيات، عندما ترك السلطة التقديرية للشرطة في هذا المجال...لقد تصرف الرجل كما لو كان على وشك ارتكاب انتهاك جسيم لحقوق الإنسان، يصل حد الطلب إلى بعض المواطنين في بعض المناطق وبعض الأوقات، وعند الاشتباه والضرورة، نزع الأقنعة التي يضعونها على وجوههم.

أنظروا بالله عليكم وقارنوا، بين هذه الإجراءات والصلاحيات و»الاستخدام المفرط» للقوة في ضواحي لندن...وما جرى قبل عامين في شوارع طهران وغيرها من المدن الإيرانية زمن انتفاضة الإصلاحيين ضد تزوير الانتخابات الرئاسية الأخيرة...انظروا بين هذه الخطوات وحرب «الزنقة زنقة...بيت بيت...دار دار» التي شنّها العقيد القذافي وانجاله وأركان حكمه ومرتزقته ضد شعب ليبيا...قارنوا بين «حق الشرطي البريطاني في نزع الأقنعة عن الوجوه»..وما تقوم به أسلحة المدرعات والمدفعية والمشاة ورجال الأمن والمخابرات والشبيحة من عمليات دهم وحصار وتمشيط واجتياح وعقوبات جماعية واعتقالات وانتهاكات في مختلف المدن والبلدات السورية...قارنوا بين صواريخ علي عبد الله صالح التي انهمرت كالمطر على رؤوس المتظاهرين والمعتصمين في شوارع صنعاء وتعز وعدن، وشلالات المياه الساخنة التي تتدفق من خراطيم الشرطة البريطانية في ضواحي العاصمة....قارنوا بين «واقعة الجمل» في ميدان التحرير، ومطاردات الشرطة للصوص والزعران في بعض الأحياء اللندنية.

لم نكن نظن أن أحداً سيقارن «عن جد» بين ما يجري «الآن هنا» في شرق المتوسط وجنوبه، وما يجري «الآن هناك» شمال المتوسط، وشمال شمال المتوسط...لكن يبدو أن الإفلاس والخواء يقودان أصحابهما إلى طرق مسدودة وغير نافذة، ويحيلان الخطاب السياسي لبعض القوى، إلى حالة من التهريج المُسِفّ والكوميديا الهابطة، ويرفع «النكتة السمجة» إلى سياسة عليا، كما اتضح في التصريحات الليبية والإيرانية.

لكن دعوني أصدقكم القول، أنني ضحكت حتى وقعت على ظهري، عند قراءة بعض التعليقات والمقارنات الذكية واللطيفة...منها على سبيل المثال لا الحصر، تصريح منسوب للملكة أليزابيت، تتهدد في البريطانيين «الجرذان» بملاحقتهم من زنقة إلى زنقة، ومن دار إلى دار ومن بيت إلى بيت، فيبلغ انفعالها ذورته وهي تقول لهم: من أنتم، سنزحف عليكم بالملايين...لم أكن أتوقع أن تخرج المقارنات بين ما حصل على ضفتي المتوسط عن هذه الحدود الكوميدية، لولا أن بعض الساسة والحكومات في المنطقة، يصرون على أن يجلعوا من أنفسهم أضحوكة.

التاريخ : 13-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش