الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إلى نوح القضاة .. سلام على روحك

د. مهند مبيضين

الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011.
عدد المقالات: 1036
إلى نوح القضاة .. سلام على روحك * د. مهند مبيضين

 

كأنك هناك لم تبرح المكان، فلا الديار غادرتك ولا أنت غاردتها، لكن بلادك يا شيخنا تغير حب الناس فيها، بيد أنها لا تتغير على ابنائها، ولكنك تظل في الذكرى والبوح شيخا جليلا مهابا، معتقا تشبه سنديان عجلون وبلوطها، فلا حاجة إذن للتذكر، فالبقاء لك غائبا وحاضرا تحل في الوجدان كلما يممنا وجهنا للشمال.

حلت الذكرى الأولى لرحيلك، وكأن الروح تأبى الحضور في زمن ضيق، ويضيق علينا كل يوم اكثر، ألا بعدا لذاك الزمن، الذي كنت ترى يا سماحة الشيخ أن فيه ثمة من يلعب بمقدرات الوطن، فتمنعت في الفتوى كي لا تستعجلها.

كنت وستظل فقيه الناس، ولست فقيه السلطان، مفتيا تحملك الأرض هونا، فظللت الفقيه والمفتي والشيخ المعمم، والمعلم القنوع بأن الدنيا في عين الزاهد أضيق من قبضة اليد لمن يفهم كنه الوجود، وعلى من سعى فيها عجلا أن ينتظر المنايا التي لا تطيش سهامها.

وكان لك وداع يليق بك، ذات عصر قبل عام، حين نهض الأردنيون إلى «عين جنة» يودعون شيخهم وفقيههم، الذي خرج من رحم قرية لطالما أهدت لأرض الشام فقهاء وأهل صلاح.

كنت شيخا يحمل الناس على مقتضى الشرع، ولا يحمل الشرع إلى مقتضى الرغائب، كما نشهد اليوم في فقهاء بعضهم يدعون الفقه من أهل الدين من جماعة المؤمنين وفقهاء الضرورة. هؤلاء وأولئك ليس لك فيهم رحم، لأنهم أضحوا يعملون بالفقه كما يعمل الفراء في صوف الخراف.

كنت أيها الشيخ الجليل داعية حق، فلك منا حق المودة، وحق التذكر وحق المحبة، فعلمك باقٍ فينا صدقة جارية، ولنا فيك القدوة الحسنة والسمت الكبير والنموذج المحبب كفقيه أردني من نبت هذه الأرض. لذا، فسلام عليك اليوم وانت في دار البقاء، وسلام عليك يوم يبعثون.

نوح القضاة، كان جليلا في العلم، لم يخلط علمه بعمله، ولم يقدم الدنيا ثمنا لبقائه في هذا الموقع أو ذاك، بل ظل ملتزما بالطاعات والعلم ونفع الناس ومساعدة الفقراء كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، فكان له يوم توفي وداع يليق بالكبار والصالحين، إذ جاء الناس آنذاك ليس لجاه تركه ولا لمال ولا لمنافع يتنافس الناس عليها، بل حضروا إليه في الغياب ليؤكدوا حضاريتهم وحبهم واحترامهم لمن يليق به كل ذلك الود.

نوح القضاة.. المكارم لا تستدعى، لكنها كانت تليق بك حين تأتي منك، فكنت الكريم والطيب والشجاع والفقيه المستقل، وكنت نموذجا لمن جاء بعدك، فظللت تشكل عبء المثل الخيّر، وفي حياتك وعطائك الكثير من المودات والوصل والطيب، مما يضيق حصره في هذا المقام، فسلام عليك مجددا، سلام على قلمك العدل الذي تمنع، أن يكون تابعا، وسلام على حضورك المشع في الغياب.



[email protected]

التاريخ : 27-12-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش