الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

زمن فاتح طرابلس تلميذ عبد الله عزام!

حلمي الأسمر

الخميس 8 أيلول / سبتمبر 2011.
عدد المقالات: 2514
زمن فاتح طرابلس تلميذ عبد الله عزام! * حلمي الأسمر

 

البعض يعتقد أن الإسلاميين يختطفون الربيع العربي، وآخرون يعتقدون أن ثمة أياد خفية «تلعب» بالمشهد الثوري الشعبي، وبين هذا وذاك تبرز حقائق لا يماري فيها إلا «دقر» أومناكد، وهي أن الثورات تحركت نتيجة لاختمار الظلم والقهر والعسف، إضافة إلى تهالك المنظومات الأمنية العربية وتهتكها وهروب شعور الخوف من قلوب المقهورين، حيث تساوت في صدروهم الحياة تحت الذل والخروج إلى الشارع متحدين الرصاص الحي، ولسان حالهم ما قاله الشاعر: أنت إن سكت مت، وإن نطقت مت، قلها ومت!.

في قول لافت للشيخ القرضاوي، يختصر كثيرا من الكلام، حين يقول الشيخ الثمانيني: لكل زمان دولة ورجال.. والليبراليون والعلمانيون أخذوا زمانهم وهذا هو زماننا وزمان الإسلاميين لا يكون بالفهلوة والكذب إنما يكون بالعمل والعلم والتعب والكد، ويختم: علينا أن نعلم العالم كيف تكون قياده الدنيا من جديد!.

سيرة عبد الحكيم بلحاج، القائد العسكري لمدينة طرابلس الآن، تختصر المشهد برمته، بلحاج، أمير الجماعة السلفية المقاتلة سابقا، قاد أروع هجوم وأصعبه لإنهاء حكم القذافي بعد أربعين سنة من التفرد بالقرار والتنكيل بالمعارضين، وقد كانت تصريحات الرجل الهادئ عن عزم الثوار إقامة صلاة العيد بطرابلس مستفزة للعقيد وأعوانه، وغريبة لدى الكثير من الإعلاميين في أنحاء العالم..فمن هوعبد الحكيم بلحاج؟.

عبد الحكيم بلحاج هوأحد مواليد 1966 بالعاصمة الليبية طرابلس، خريج مدرسة هندسية وأحد أبرز شبان الجهاد الأفغاني ممن غادروا الجماهيرية سنة 1988، عرف عبد الحكيم بلحاج بأنه رحالة مجاهد بعد تجربة قادته لحوالي 20 دولة من أبرزها باكستان وأفغانستان وتركيا والسودان رافق فيها شيخه عبد الله عزام وآخرين من «أمراء الجهاد» اسس بنفسه الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة التي تزعمت معارضة حكم القذافي وآلت على نفسها أن تكون سببا في إسقاطه، في العام 1993 استقر عبد الحكيم بلحاج في مدينة بنغازي شرق ليبيا وشرع في تجنيد عدد من شباب المنطقة لمشروعه السياسي الرامي الي قلب نظم الحكم في ليبيا، وأوعز الي فتيانه بدخول اللجان الثورية للحصول على التدريب والأسلحة للقيام بانتفاضة مسلحة للقضاء على نظام العقيد الممسك بزمام الأمور، وبعد سنتين من العمل السري اكتشفت السلطات الليبية مكانا للمقاتلين بالشرق الليبي كان معدا للتدريب بقيادة الضابط الليبي المنشق صالح الشهيبي، وقد تمكن نظام القذافي من قتل أبرز قادة الجماعة بعد عبد الحكيم بلحاج وهوالشيخ صلاح فتحي سليمان، فر العديد من مقاتلي الجماعة الإسلامية الي العاصمة البريطانية لندن التي استقبلتهم اثر خلافها مع العقيد القذافي وحاولت استغلالهم كورقة سياسية للمساومة وابتزاز العقيد، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر صعدت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة اللهجة ضد الإسلاميين عموما والعائدين من أفغانستان خصوصا، وشاءت الأقدار أن يسقط الرجل الثائر بأيدي المخابرات الأمريكية فبراير سنة 2004 بينما كان ينوي مغادرة ماليزيا باتجاه السودان، بعد تحقيق سريع سلم عبد الحكيم بلحاج الي نظام العقيد القذافي الذي يعتبره من أبرز معارضيه وأحد الزنادقة المطلوبين لحكمه كما يطلق عادة علي المعارضين الليبيين وخصوصا من أنصار التيار الإسلامي بشقيه السلفي والأخواني. رمت به قوات القذافي خلف القضبان لسنوات طويلة في سجن أبوسليم الشهير، غير أن جهود الداعية الليبي والقيادي المعارض للقذافي الشيخ علي الصلابي حملت للرجل قدرا آخر رغم المشقة وطول الطريق، استغل الصلابي مستوى الانفتاح النسبي الذي عاشته ليبيا خلال السنوات الأخيرة من حكم العقيد لتمرير مشروع المصالحة بدعم من نجل العقيد سيف الإسلام القذافي وبعض رفاقه من الليبراليين والإسلاميين القاطنين بالعاصمة البريطانية لندن تحديدا، وساعدت المراجعات الجريئة لعبد الحكيم بلحاج الصلابي وعدد من رفاقه في إقناع العقيد بسلامة توجه المجموعة وضرورة طى صفحة الماضي والإفراج عن الإسلاميين المحتجزين لديه، كان عبد الحكيم بلحاج من أكثر عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة توازنا. سمح للسجين عبد الحكيم بلحاج بلقاء رفاقه داخل معتقلات القذافي لقيادة حوار شامل حول الأسس الفكرية للجماعة ومراجعة الكثير من المفاهيم، وكان سنده ورفيقه في الحوار الشيخ الصلابي القيادي بجماعة الأخوان المسلمين وأحد رموز المعارضة الليبية حاليا. وقد انتهت المشاورات بتشكيل لجنة للحوار عهد إليها بمناقشة مجمل القضايا، وضمت ممثلين عن الأجهزة الأمنية ومؤسسة سيف الإسلام القذافي والدكتور الصلابي وممثلين عن الجماعة المقاتلة. بعد سنوات من النقاش والمراجعة خرجت نسخة الكتاب الأولى لعبد الحكيم بلحاج « دراسات تصحيحية « والذي أسس لمنهج إسلامي معتدل، نال تزكية كبار العلماء مثل الشيخ القرضاوي وآخرين.. وقد ووجه عبد الحكيم بلحاج بانتقادات لاذعة من قبل بعض السلفيين وأقارب مقاتلي الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة واتهم بالتخلي عن الثأر لرفاقه الذين سقطوا في مواجهة نظام العقيد الليبي بعد التغرير بهم، غير أن القدر أنصفه وحمل له ما أراد في مواجهة كانت أبرز ملامحها دخول مخبأ العقيد الليبي معمر القذافي في باب العزيزية بعد أن قاد بنفسه معركة تحرير طرابلس.

في آذار مارس 2010 أفرج عن القيادي عبد الحكيم بلحاج مع 214 من سجناء سجن أبوسليم ضمن حادثة هي الأولي في تاريخ ليبيا، وسط تغطية إعلامية عربية وعالمية للحدث الذي غير مسار التاريخ الليبي المعاصر وأسس لمراجعات فكرية في أكثر من دولة عربية بعد ذلك. ومع بداية التحول التاريخي في مسيرة الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة صعدت أوساط التيار السلفي الجهادي ضد عبد الحكيم بلحاج الذي اتهموه بخيانة المنهج والانحراف عن المسار بل الزندقة.

في سنة 2007 أعلن أيمن الظواهري رسميا انضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال الي القاعدة ليقطع الطريق أمام عبد الحكيم بلحاج الذي دخل في مسار المراجعات الفكرية، وليخفف من وطأة الفراغ السياسي الذي عانته منه مجموعات شبابية محسوبة على الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة تري أن بلحاج بات أقرب الي نهج جماعة الأخوان المسلمين من تنظيمه الذي أسس قبل دخوله المعتقل، وأن الإفراج عنه يعني ضربة موجوعة للفكر السلفي المتشدد بليبيا وجهود المواجهة القائمة مع العقيد القذافي. وقد واصل القيادي الليبي المعارض جهوده مع آخرين لترتيب الساحة الإسلامية وإعادة الأمل لضحايا السنوات السود والإفراج عن بقية المعتقلين إلي أن دقت ساعة الصفر بحلول ربيع الثورات العربية ليخرج بلحاج مع رفاقه من الإسلاميين والليبراليين مطالبا بالحرية ودولة القانون والمساواة. وقد ووجهت المظاهرات السلمية التي شاركوا فيها بعنف شديد وسقط العشرات في مدينة بنغازي معقل الثورة لتتحول المدينة الهادئة الي شرارة مرعبة للعقيد وأعوانه لكن كانت 2011 مختلفة تماما عن 1995.

حمل عبد الحكيم بلحاج ورفاقه السلاح ضمن ثوار 17 فبراير، ليكلف لاحقا من قبل المجلس الانتقالي الليبي بقيادة أبرز معارك الحسم في مواجهة العقيد، إنها معركة العاصمة الليبية طرابلس. برز الرجل للأضواء من جديد، وحافظ على توازنه السابق وقرر بنفسه التوجه الي العاصمة الليبية طرابلس متسللا عبر البحر مع آخرين من رفاق السلاح متحدين جبروت الطاغية وكاسرين هدوء ليل المدينة الرتيب ومفجرين أعظم انتفاضة في وجه طاغية تعيشها دولة عربية في العصر الراهن. كانت صيحات التكبير تسمع بقوة بأحياء تاجوراء وسوق الجمعة وشارع النصر، وكان بلحاج ورفاقه يواجهون بأسلحتهم الخفيفة عتاد الكتائب لكن العزيمة مختلفة والإيمان بالله وعدالة القضية أبرز عوامل الحسم في معركة عروس البحر التي أنهت فعليا نظام العقيد القذافي.

وبعد يومين من المواجهة العنيفة أطل الرجل الوقور الهادئ عبد الحكيم بلحاج ثانية ولكن هذه المرة من ساحة باب العزيزية وسط العاصمة الليبية طرابلس معلنا نهاية العقيد وأبنائه ومبرهنا على صدق الوعد الذي قطعه مع آخرين قبل أسبوعين بصلاة العيد بطرابلس وهم في الزنتان والرجبان يواجهون بطش الكتائب ويدفعون بصدورهم شر أنصار الطاغية ويحمون آلاف المدنيين!.



[email protected]

التاريخ : 08-09-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش