الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التيئيس من ثورة الربيع العربي مؤامرة عليها!

حلمي الأسمر

الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2011.
عدد المقالات: 2514
التيئيس من ثورة الربيع العربي مؤامرة عليها! * حلمي الأسمر

 

بعد تعسر اكتمال ميلاد ثورة اليمن، وسوريا فيما بعد، والمشكلات التي رافقت ميلاد ثورات تونس ومصر وليبيا، بدأنا نقرأ ونسمع محاولات للتيئيس من جدوى ثورة الربيع العربي، باعتبار ان ثمنها مكلف جدا، مع احتمالية دخولها في دهاليز تبعد عنها نهايتها الطبيعية، بل وربما تفشلها بالكامل، والهدف كما يبدو صرف الناس عن السير في هذا الطريق، أو احباط من بدأوا حركتهم للتو، وثني كل من يحاول البدء!.

الحقيقة التي لا مراء فيها أن الثورة بدأت ولن تنتهي قبل أن تصل إلى مبتغاها، وثمة بضعة معالم واستخلاصات كتبناها هنا منذ أشهر وثبت أنها حقائق ثابتة، وقد كانت من قبل توقعات، ومنها على سبيل الاختصار.

أولا: لا يوجد أي بلد عربي في منأى من التغيير، ولكن الفرق هنا أن على قيادات هذا البلد أو ذاك أن تختار طريقة التغيير، وفق ظروفها وما أنجزت أصلا قبل موسم الربيع، أما أن تضرب صفحا عن هذا الملف باعتباره غير موجود، فهذا لم يعد ممكنا، ومن الأفضل لها أن تبدأ شق طريق التغيير بعقل بارد، بدلا من العمل على وقع هدير الجماهير، حين تبدأ لعبة التنازلات في الوقت الضائع، وحيث لا يستمع إليها أحد، حتى ولو استمرت عملية الستربتيز السياسي إلى مرحلة الزلْط أو الملْط الكامل!.

ثانيا: لعبة التآمر والمندسين والتدخل الخارجي، والعصابات المسلحة والسلفيين، والتخويف من الإسلاميين المتطرفين، لم تعد لعبة مسلية، بل بدت باهتة ومثيرة للسخرية وباعثة على الرغبة في التقيؤ، لأنها من السخافة بحيث غدت مهترئة حد الغثيان والإفلاس الكامل، فلتبحث مختبرات الكذب عن مسوغات أخرى للقمع والقتل والتدمير!.

ثالثا: النظام الذي يقتل شعبه، يوقع على شهادة وفاته فورا، مع تسجيل اسم أول شهيد، لأن الصلحة ممكنة في حال القتل الخطأ، أو حتى العمد بين فردين، أو أسرتين أو عشيرتين، ولكن حينما يعمد ولي الأمر إلى إصدار أوامر القتل لأحد أفراد رعيته، فلا مكان للصلح أو التفاهم، فما بالك إذا أهدر دم مدينة أو شعب كامل؟ مع من سيتصالح؟ مع عصابته الحاكمة، أم زبانيته؟ كيف سيحكم -من بعد- شعبا يتَّم أطفاله، ورمَّل نساءه؟. كان يمكن هذا في الماضي، قبل ثورة اليوتيوب والفيسبوك والتويتر، وكاميرات الأجهزة المحمولة، أما الآن، فكل ما يفعله الناس هو برسم البث المباشر، والـ(share). والغريب هنا أن بعض المسؤولين العرب من الأنالوج لم تصل لهم مستجدات الحياة الديجيتال ولم يزالوا يكتبون بقلم كوبيا، في حين أن الأقلام كلها تحولت إلى متحف التاريخ الفلكلوري، لصالح هيمنة الكي بورد وتقنية اللمس!.

رابعا: الاحتماء بالشبيحة والبلطجية والزعران وأصحاب السوابق والمرتزقة، ومن لف لفهم، واستعمالهم قفازات لقمع الشرفاء وعموم الشعب، ثبت بالدليل القطعي أنه أسلوب فاشل في استئصال الثورات، بل إن هؤلاء بغبائهم وخشونتهم وقسوتهم، كانوا كالبنزين الذي يُصب على النار لإطفائها، فكلما أسرف هؤلاء في بشاعاتهم، وفروا مادة فيلمية مثيرة لمزيد من الثورة، إنهم ملح يرشه المسؤولون المذعورون على جراح الجماهير، فيزيد هياجها، وتيقن أنها لا بد أن يكون طريقها باتجاه واحد فقط: الشعب يريد إسقاط النظام!.

خامسا: الشعب يصنع ثورته بسلمية حركته، وهو الطريق الأسلم والأسرع للتغيير، أما حينما يضطر إلى الثورة المسلحة، فقد تاهت البوصلة، وتعاظم الثمن، ولهذا، تحرص بعض الأنظمة إلى جر المحتجين للرد على العنف بالعنف، وهنا مقتل التغيير وتأجيله، ورفع هائل لثمنه، وحسنا تفعل الشعوب حينما تصر على مواجهة الرصاص بالصدور العارية، لأنها أقوى بكثير في التأثير والتغيير!.

سادسا: في مسألة التأثيرات الخارجية، وصناعة الحدث من الخارج، كثر الحديث بشكل لافت عن صناعة الثورة بالريموت كونترول، من أمريكا أو أوروبا أو حتى إسرائيل، باعتبار أننا شعوب لا نتحرك ذاتيا، بل نحتاج لآباء يوجهوننا كيفما يشاؤون، والحقيقة أن هذا التفسير متورط به عدد كبير من النخب العربية الذين يشعرون بغربة ما عن حراك الشباب، كأني بهم يستكثرون على جيل يافع أن يسبقهم بسنوات ضوئية، ويحقق في أسابيع أو اشهر ما عجزوا عن تحقيقه في عقود وربما قرون، فتراهم يحاولون تفسير الظاهرة تارة بعقلية المؤامرة، وأخرى بعقلية تشاؤمية مغرقة بالسواد، باعتبار أن كل ما يجري حراك هش يأخذ البلاد إلى المجهول، إن مثل هذه النظرة التشاؤمية، تحاول أن تهرب إلى رؤى غائمة غامضة، أسفا على وضع كان قائما ربما كان يحقق مصالح معينة لهم فقد اعتادوا على رؤية الباشوات الجدد يرتعون في خير البلاد والعباد، ويتصدقون على طبقة منتفعة من النخب، حتى إذا زال كل شيء شعر هؤلاء باليتم، فطفقوا يبحثون عن مخذلات للثورة، ويفسرونها بتفسيرات ملتبسة إن لم نقل سوداء حاقدة، لأن الشباب أخذوا منهم دورهم الذي باعونا إياه طيلة عقود طويلة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لاحظنا أن كثيرا ممن يفكون الحرف من إعلاميين ومثقفين، بدأوا يبحثون في بطون الكتب والتصريحات عما يثبت أن كل شيء مخطط له، وقد استمعت إلى الإعلامية السورية لونا الشبل وهي تنحو هذا المنحى، باعتبار أن كل ما يجري مجرد تآمر على الأنظمة العربية لاستبدالها، وهذا ما يقوله بعضهم، حينما اشار أحدهم إلى ما صرح به احد المسؤولين الأمريكيين -وما أكثرهم!- من أن امريكا والغرب يسعى لتغيير العالم العربي، ويعمل على بناء شرق أوسط جديد وشرق أوسط كبير وغيرها من المصطلحات، تدل على تدخل بالمنطقة الغاية منه تحقيق مصالحهم واستبدال القيادات بأخرى يقبل بها الشعب وتحقق المصالح الغربية، وهم في ذلك يستعينون بإعلاميين وأجهزة إعلام لا ذمة ولا ضمير ولا أخلاق دينية أو مهنية لها، فيزيفون الحقائق ويوصلون الناس الى حالة من عمى الألوان فتصبح الألوان فقط أسود أو أبيض. والرد على هذا كله بسيط جدا، فالغرب وأمريكا لا يصنعون الحدث بل يستثمرونه ويستفيدون منه، ولا ينتظرون حتى تُداهَم مصالحهم، فيتفاعلون مع ما يجري ولا يقفون متفرجين، وهذا شأن طبيعي مع من له مصالح في بلادنا، بل ربما يحاولون سرقة ثمار الثورة، وحرفها عن مسارها، وهنا يبرز دور صناع الثورة وحراسها، للمحافظة على منجزها، دون أن يستعْدوا القوى العظمى، أو يشعروها بأن مصالحها إلى زوال، وهذه مسألة معقدة تحتاج إلى كلام كثير، لكن خلاصتها أن الحدث نبع من قلوب الملايين، الذين لا تستطيع أن تحركهم إلا مشاعر مشتركة وقهر معتق، وتواصل رقمي أتاح تبادل المعلومات والخبرات، ومن يعتقد أن أمريكا تستطيع أن ترتكب هذه المعجزة، أخشى عليه من أنه يشرك بالله، فما يجري حدث كوني، وصفه سائق تاكسي أمريكي قائلا لكاتبة مصرية: أعتقد أن ثورتكم أنقذت الأجيال القادمة!.

وربما للحديث بقية!.

التاريخ : 26-09-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش