الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بسكويت من خشب!!

خيري منصور

الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2011.
عدد المقالات: 1791
بسكويت من خشب!! * خيري منصور

 

قبل خمس سنوات كنت مع الصديقين الشاعر احمد فؤاد نجم والدكتور هاني عنان الذي كان احد قادة حركة كفاية في زيارة لبيت في مصر الجديدة ، وهو بيت لبناني يملك المدارس الانجليزية في القاهرة ، واذكر ان الشاعر نجم همس باذني قائلا: ان الفقراء والمعدمين من سكان العشوائيات اذا ما اندلعوا من جحورهم والمقابر التي يسكنون فيها سوف يلتهمون خشب هذه المقاعد الناعمة ، ويظنون انها من البسكويت ، ولم اصدق ما قاله نجم الا عندما ذهبت عدة مرات الى تلك المناطق ورأيت اطفالا ينامون على قبور واخرين يفرشونها بالمعلبات المعروضة للبيع.

منذ تلك الايام وانا اردد ما قاله نجم للعديد من الاصدقاء المصريين سواء كانوا من المثقفين او الناشطين او الجيران او الساسة.

فالفقر عندما يتجاوز الحدود ـ ان كان له اية حدود ـ يصيب ضحايا بالعمى ، فلا يفرقون بين رأس مومياء في متحف او رأس خروف.

ان من تفاجئهم هذه المشاهد بدءا من بغداد لحظة الانهيار حتى القاهرة في ذروة هذا الاحتدام هم اناس عور لا يرون الواقع حولهم الا بعين واحدة ، لهذا غالبا ما يدفعون ثمن جهلهم او تجاهلهم،

لا يصح لاي نظام او حزب او دولة ان يلقي الناس في اليم ثم يقول لهم اياكم ان تبتلوا بالماء او حتى بالدم ، فالعالم العربي ملغوم بكل المكبوتات ، سياسية ونفسية واقتصادية وجسدية ، لهذا تتحالف منظومة السلب والاغتصاب والانتقام عندما تأزف اللحظة المناسبة.

اين كانت النخب والمصلحون ومدعو التنوير طيلة تلك العقود؟ منذ الاستقلال حتى الاستحلال ، فكل شيء يصبح حلالا لحظة غياب الروادع سواء كانت ذاتية او موضوعية.

ومن قرروا منذ البداية التهوين من كل شيء عليهم ان يقبلوا الان التهويل في كل ما يحدث لان الانسان اذا تـُرًك لغرائزه ودوافعه البدائية يتحول الى كائن لا صلة له بالادمية وثقافتها وكوابحها الاخلاقية او المعرفية ، انها متوالية كارثية ، لا سبيل الى التدارك اذا استمرت اساليب العلاج بهذا الشكل البدائي ، ويبدو ان ما هو في حاجة الى مراجعات عميقة ليس النسيج السياسي فقط ولا طبيعة تشكل النظم ، بل هو الانسان ذاته ، فقد ترك لشأنه ولثقافة مفرغة من اي هدف ، وعندما نراه يبتل بالدم وليس بالماء فقط علينا ان نعتذر عن لحظة القائه في اليم او المستنقع.

لدينا الان كعرب امثلة متكررة تؤكد انه ما من شيء آمن في هذا الوطن ، بدءا من المتاحف والمعابد والمدارس والمستشفيات حتى البيوت.

ما معنى ان يتحول شعب برمته الى حارس للأطفال والبيوت في لحظة ذات شعار وطني نبيل.

فهل أصبحنا غزاة أنفسنا؟ واكلة لحومنا واعداء انفسنا؟

اية تربويات تلك التي انتجت هذا الكائن الذي لا يتردد في مقايضة سيف الايوبي برغيف؟

الجوع وحده لا يبرر ذلك ، اذا عزل عن تربويات تشحذ الانانية وتحول الاخر الى فريسة ، وتنزع الثقة بين الانسان وجاره واخيرا بينه وبين نفسه،

وليأذن لي القارئ العزيز بالاعتراف بانني قضيت خمس سنوات في تأليف كتاب ارد فيه على اكثر من ثلاثمائة من المستشرقين وصفونا بما نحن عليه الان ، فهل نعتذر عما كتبنا؟ ام نقول لهؤلاء بان هذا العربي الذي يفسد المشهد ويتسلل الى الشهيد ليسرق كفنه ليس منا ، وانه نتاج ثقافة العقود العجاف التي اوشكت ان تنزع عنا انسانيتنا وعروبتنا اضافة الى وعينا؟،





التاريخ : 01-02-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش