الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رائحة البحر .. رائحة النكسة، والنكبة أيضا!

حلمي الأسمر

الأربعاء 8 حزيران / يونيو 2011.
عدد المقالات: 2514
رائحة البحر .. رائحة النكسة، والنكبة أيضا! * حلمي الأسمر

 

لم يتغير شيء عن آخر مرة «احتفلت» فيها بذكرى النكسة، ذات مساء على شاطىء الروشة، واتتني هذه الدفقات.. للوهلة الأولى، قبل أن يكتمل المشهد أمامي، تسللت إلى أنفي رائحة مميزة، رائحة لا مثيل لها، فهي مزيج ساحر من الهدير وأعشاب البحر، ورائحة مقهى صيادين متعبين، وحِداء بقايا نوارس مهاجرة، ربما تاهت عن سربها، أو فاجأها صياد مبتدىء، لا يفرق بين الشنار والنورس، فأطلق خرطوشه باتجاه البحر، كأنه يحاول اصطياد موجة شاردة!.

حين استدارت الحافلة بي استدارتها الكاملة، اكتملت الرائحة والمشهد، بكامل بهائه وكبريائه وهيبته: إنه البحر، بحر يافا، أنا أعرف هذه الرائحة جيدا، فقد شممتها طويلا في حكايات أبي، في أماسي الشتاء الطويلة، ونحن متحلقون حول «كانون الجفت» وناره المتقدة بكسل، تنعكس على عيني أبي، كلما التمعت بدمعة قهر، أو ابتسامة سريعة، وهو يروي حكايات بحر يافا، والبلاد التي كانت، شممتها أيضا حينما شددنا الرحال، أنا وأبي وأمي وإخوتي، وأقلتنا حافلة صغيرة، في أغرب زيارة نقوم بها طيلة حياتنا، بعد أن وحد الاحتلال فلسطين، من البحر إلى النهر، بعد حرب الساعات الستة، وسقطت البلاد في قبضة اليهود، زيارة حملتنا إلى شاطىء البحر، بحر يافا، إلى قرية في ضواحي يافا، نحمل اسم ولي من أولياء الله: «الشيخ مونس» غير بعيد عن قرية أخرى تحمل اسم ولي آخر، يقال إنه من نسل أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها «سيدنا علي»، شممتها وعبأت بها رئتي، حين وقفنا جميعا، أمام «بيتنا» الجميل، الغافي على ربوة صغيرة، على مبعدة قبلة أو دمعة من البحر الأبيض المتوسط، محتضنا نهرا جميلا كان يسمى وادي العوجا، وسماه الغزاة :اليركون!.

حين أطل علي، أو أطللت عليه، على بحر بيروت، عبأت صدري رائحة يافا، فهي على بعد أميال عامودية من هنا، ولو كان لدي قارب سريع لكنت في وقت وجيز مستلقيا على سريري في «الشيخ مونس» أو ربما توجهت إلى مقهى بحري في يافا لتناول وجبة طازجة من السمك المشوي، أو قد يخطر ببالي أن أمضي إلى مكتبي في صحيفة يومية، تصدر في يافا وتوزع في أركان الدنيا الأربعة، أو ربما كنت الآن أعد قاربي مع زملائي الصيادين للابحار ليلا في رحلة الصيد اليومية المسائية، أو ..

«الأخ لبناني؟!» سألني شاب يتوسد ذراع صبية يتمشيان على الشاطىء، فيم كان طفلهما يتقافز على رصيف شارع الكورنيش، قلت وقد شدني السؤال من عالم بعيد: «لأ ..أنا من عمّان» قالت الصبية باهتمام وتعاطف : « أتبكي؟!» انتبهت على دمعتين كبيرتين تحدرتا من قلبي، قلت كأنني أعتذر: «لا ..لكنني تذكرت يافا، شممت رائحة بحر يافا» تبادل الشاب والصبية نظرة غريبة، وقالا بصوت واحد: «يافا؟!» قلت: «نعم، يافا» قالا: «نحن أيضا من ..هناك! لكننا نقيم في مخيم صبرا ولسنا هنا ولا هناك! نحن آسفان، تطفلنا عليك، شيء ما دفعنا للسؤال!!» قلت: «لا داعي للأسف» و..طفقا يسردان على مسامعي قصة الفلسطيني في لبنان، وما يعانيه من عزلة وضيق في العيش والعمل و..أما أنا فلم أكن لأزعم أنني سمعت كل كلامهما، على أهميته، كنت في حالة تشبه اللحظات الأولى التي يمر بها المرء، وهو يطرق أبواب مملكة النوم، كانت رائحة البحر تحملني إلى «هناك» بكل ما فيها، قالا وقد همّا بمغادرتي: «قد نلتقي هناك، كما التقينا هنا!» قلت: «قد..!».

شيء واحد كبير كان يملؤني، حين غادرت شاطىء الروشة لآوي إلى غرفتي في الفندق: كم أكره اليهود الصهاينة، وكم أكره كل من لا يكرههم!!

[email protected]

التاريخ : 08-06-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش