الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خطاب للأسد بوعود محدودة وبدون هتافات!!

ياسر الزعاترة

الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
عدد المقالات: 1809
خطاب للأسد بوعود محدودة وبدون هتافات!! * ياسر الزعاترة

 

أكثر ما استوقفني شخصيا في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد يوم أمس هو غياب الهتافات التي سمعناها على نحو مثير للغثيان في خطاب مجلس الشعب، ومن المؤكد أن منع الهتاف هذه المرة لم يأت إلا بسبب السخرية التي تعرض لها الخطاب السابق، لكن منظمي الزفة في جامعة دمشق لم يتمكنوا كما يبدو من منع الحاضرين، وكانوا بالمئات من الهتاف مع نهاية الخطاب مرددين ذلك الشعار المسيء لسوريا والسوريين «الله، سوريا، بشار وبس».

بوسع المراقب أن يضيف أيضا ذلك البعد الجدي في الخطاب، خلافا للخطاب السابق الذي تعامل مع الاحتجاجات الشعبية بمنطق السخرية، الأمر الذي زاد من حنق الناس، وساهم في توسيع رقعة الحراك الشعبي.

منذ السطور الأولى للخطاب قفزت كلمة فتنة وكلمة مؤامرة، ثم تبعها سيل من الإنشاء الذي يؤكد حكاية المؤامرة الخارجية، لكنه تجاوز ذلك لأن المؤامرة كانت موجودة على الدوام كما قال، والأصل برأيه هو تقوية المناعة الوطنية للرد عليها.

بعد ذلك حدد الرئيس أنواع المحتجين على نظامه، فكانوا ثلاثة أقسام، أولهم أصحاب حاجات يريدون تلبيتها، بصرف النظر عن طبيعة تلك الحاجات. أما القسم الثاني فهو المثير للغرابة والسخرية في واقع الحال، لاسيما أنه الأكثر أهمية في تنظيم الاحتجاجات بحسب الرئيس.

إنهم الخارجون عن القانون والفارون من وجه العدالة، وعددهم برأي الرئيس هم 64 ألفا و400 شخص (لاحظوا الدقة)!! ولا يعرف كيف فرّ هؤلاء من وجه العدالة في دولة أمنية بامتياز، وقد قدرهم الرئيس من باب المقارنة غير البريئة بخمس فرق عسكرية، لاسيما حين حمل بعضهم السلاح، ولا يُعرف أيضا من أين حصلوا على السلاح في دولة أمنية مثل سوريا؟!

القسم الثالث من المحتجين برأي الرئيس هم أصحاب الفكر المتطرف والتكفيري، الذين يَقتلون باسم الدين، وهنا مال إلى حشر معظم المصائب التي وقعت في عناصر هذه الفئة، حيث اتهمهم بحمل السلاح، والهجوم على المواقع العسكرية، وارتكاب المجازر، وامتلاك أسلحة وأجهزة اتصالات متطورة (طبعا هذا يؤكد المؤامرة الخارجية).

في هذا السياق تتبدى المقاربة الخاطئة لما جرى، إذ يعلم الجميع أن الكتلة الأكبر من المحتجين ليسوا مطلوبين جنائيين، كما أنهم ليسوا تكفيريين وإرهابيين، وحتى أصحاب الحاجات لم يتحركوا لحاجاتهم الخاصة، وإنما انطلاقا من إيمان بأن حال البلد لا يصلح من دون تغيير جذري في بنيته السياسية والأمنية التي تقزمت في حكم عائلة لا أكثر، لأن حزب البعث ليس في حقيقته سوى غطاء لحكم العائلة.

بعد فاصل طويل وممل من العرض والسرد للواقع، مع اعتراف ينطوي على بعض المجاملة بمعاناة المواطنين على أصعدة شتى، جاء دور مشاريع التغيير التي ينتظرها السوريون، وهنا أحال الملف إلى لجان الحوار الوطني التي أعلن عنها سابقا، والتي يبرمجها النظام بطريقته من حيث المشاركين وأجندة الحوار.

إلى جانب ذلك تحدث عن الإنجازات العظيمة السابقة التي لم يشعر بها المواطن، وهي رفع حالة الطوارىء، وإلغاء محكمة أمن الدولة، سن قانون حق التظاهر السلمي، وتحدث عن القادم من القوانين، وهي قانون الانتخابات وقانون الأحزاب، ومشاريع لتحديث الإعلام وقانون للإدارة المحلية.

في هذا الجزء من الخطاب تابعنا كلاما مرتبكا ومتناقضا إلى حد كبير، لاسيما المتعلق بالقوانين القادمة، وفي مقدمتها قانوني الأحزاب والانتخابات، وكذلك مسألة الدستور وما إذا كان سيتغير قبل انتخابات مجلس الشعب بعد ثلاثة شهور أم بعدها، وهل سيكون هناك انتخابات أم تؤجل، وهل سيتغير الدستور جزئيا، أم كليا، وأشار إلى المادة الثامنة من الدستور المتعلق بحزب البعث كقائد للدولة والمجتمع، من دون الجزم بإلغائها.

المهم أن هذه الملفات جميعا تُركت مفتوحة، وما يتعلق بها بقي مفتوحا على الاحتمالات، مع أن قوانين من هذا النوع ليست بشيء في ظل دولة أمنية تتحكم بالهواء الذي يتنفسه المواطنون، فيما نعلم أن تجارب الدول الأخرى قبل الثورات لم تكن مقنعة، لأن من يملك الجيش والمؤسسة الأمنية ومفاصل الدولة يمكنه التحكم باللعبة السياسية كما يريد.

خلاصة القول هي إن أقصى ما يمكن أن تفضي إليه إصلاحات الأسد الموعودة (هذا إن أنجزت بالفعل) لن تتجاوز ديمقراطية ديكور على شاكلة ما كان سائدا في عدد من الدول العربية قبل الثورات الأخيرة، وهي ديمقراطية زادت الأوضاع سوءًا على سوئها القديم حين أفرزت برلمانات مبرمجة على مقاس النخب الحاكمة.

من هنا كان طبيعيا أن تخرج بعض المظاهرات السريعة في عدد من المدن في سياق من رفض الخطاب ومضمونه، وسنسمع ردا أكثر وضوحا خلال الأيام المقبلة، والنتيجة أن مسيرة الاحتجاج الشعبي ستتواصل حتى اسقاط النظام ورموزه مهما كان الثمن أو طال الزمن.

التاريخ : 21-06-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش