الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا شيء يَعدِل الوطن

عريب الرنتاوي

الثلاثاء 7 حزيران / يونيو 2011.
عدد المقالات: 3288
لا شيء يَعدِل الوطن * عريب الرنتاوي

 

بدم بارد، وجرياً على مألوف عادتها، اطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلية النار على المتظاهرين المدنيين العزّل، الذين اقتربوا من أسيجتها الشائكة وحقول ألغامها التي اعتادت أن «تُزنّر» بها «الغيتو»...لم تتردد سلطات الاحتلال والعنصرية، في البوح بأن ما حصل على القسم المُحرر من أرض الجولان المحتل، قد جاء بناء على قرار سياسي/ عسكري/ أمني، اتخذ منذ عدة أسابيع، في ضوء الاستخلاصات التي توصل إليها، المستوى الأمني ـ السياسي في إسرائيل بعد «انتفاضة حق العودة» في الذكرى الثالثة والستين لـ»النكبة».

مئات الشهداء والجرحى سقطوا بالرصاص الحي، المنطلق من فوهات بنادق القناصة المحترفين، الذين اعتادوا ككل القتلة المأجورين، أن يصوّبوا على الرأس وبين العينين...كل متظاهر برصاصة، هذه هي الترجمة الحرفية لشعار «الآباء المؤسسين» للحركة الصهيونية: «ادفع دولاراً تقتل فلسطينياً».

لم تستخدم إسرائيل، الرصاص المطاطي ولا قنابل الغاز المسيّل للدموع...هذه ألعاب أطفال قد تصلح على «حاجز قلنديا» أو أثناء اقتحام «مجدل شمس»، أما هؤلاء الذين جاءوا بصدورهم العارية، يمارسون حقهم في العودة إلى وطنهم، ولو لساعات قلائل، فحسابهم يجب أن يكون عسيراً، يجب أن يُستَقبلوا بالموت الزؤام والإصابات «المُقعِدة»...يجب أن يعود كل واحد منهم بجرح لا يلتئم و»عاهة» تلازمه مدى الحياة، يجب أن تصحبهم بقية حياتهم، صورة لأخ أو صديق أو جار أو زميل، فارق الحياة، وفاضت روحه إلى بارئها، وهو يعانق السلك الشائك.

لا يخجل هؤلاء القتلة من الحديث عن «بربرية» النظام العربي وقسوته في التعامل مع المدنيين الأبرياء...نحن الأكثر استياءً وتنديداً بالنظام العربي المستبد والفاسد، الذي لا يتردد في إطلاق النار على شعبه...لكن إسرائيل هي آخر من يحق له، أخلاقياً وأدبياً، أن يتلفظ بعبارات من هذا النوع، فهذا الكيان، قام على «نظرية المجزرة»، وأحد أبرز أعمدته، أريئيل شارون، كان يقترح مقارفة المزيد من الحروب والمجازر كل عشرة أعوام على أبعد تقدير، حتى يحظى كل جيل فلسطيني بقسطه من «نظرية الردع والتخويف» الإسرائيلية، وحتى تتولد لديه الكوابح الداخلية التي تمنعه من التفكير، مجرد التفكير، بأنه قادر على استرداد بعضٍ من حقوقه المغتصبة.

ما جرى بالأمس، في الذكرى الرابعة والأربعين للنكسة، يشبه ما حصل في الذكرى الثالثة والستين للنكبة...الفلسطينيون مدفوعون بروح ميدان التحرير وثورة تونس وانتفاضة اليمن وموسم الربيع العربي...الفلسطينيون متسلحون بإرهاصات المصالحة والوحدة الوطنية، قرروا الانتفاض على النكسة والنكبة، قرروا كسر حواجز الخوف والذل والإحباط...قرروا رفع لواء العودة بأيديهم التي ظلت عصية على الكسر والانحباس في «أغمادها».

قد يقول قائل، أن كل ما في الأمر، أن نظام دمشق، المأزوم بانتفاضة شعبه وبؤس خياراته في التعامل معها، قرر فتح الجولان للمقاومة الشعبية / السلمية، في مسعى منه لاستنطاق هذه الجبهة الصامتة، وبعث الرسائل إلى من يعنيهم الأمر...قد يستذكر البعض تصريحات رامي مخلوف، رجل سوريا الاقتصادي القوي، أو أحمد عز سوريا كما يكنّى اختصاراً، والتي قال فيها: أن استقرار إسرائيل من استقرار سوريا...وقد يكون في هذا القول أو ذاك، كثيرٌ أو قليلٌ من الصحة والوجاهة، لكن لا هذا ولا ذاك، يعطي إسرائيل المبرر في فتح النار، ومن دون سابق تحذير أو إنذار، وبغزارة منقطعة النظير، ضد المدنيين العزًل... لا يعطي إسرائيل الحق في مقارفة مجزرة جديدة، في وقت يضيق فيه العالم ذرعاً بالمجازر التي تقارفها أنظمة الفساد والاستبداد.

مؤسف حقاً، أن «الجريمة المنظمة»، التي تنتمي بكل المقاييس والحسابات والمعايير، إلى عالم «إرهاب الدولة»، لم تلق الإدانة والتنديد من قبل المجتمع الدولي، من قبل أوروبا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، بل وتقابل بالصمت المخجل والمتواطئ من قبل عواصم عربية عديدة، لكأن الجريمة حين تقترف من قبل إسرائيل، تصبح دفاعاً مشروعاً عن النفس، أما حين يقارفها الفاسدون والمستبدون، فإنها تسجل في ميزان سوءاتهم....إنها مرة أخرى، والمرة الألف، معايير هؤلاء المزدوجة، التي تذكرنا كلما نسينا أو تناسينا، بأن «منظومة القيم» التي يتحدثون عنها، قد سقطت في أكثر ساحة وميدان، وهيهات أن يعاد بناؤها وترميمها.

ستظل ملايين اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، كابوساً يؤرق مضاجع الاحتلال والاستيطان والعنصرية...ستظل صورة شبان الجيل الثالث من هؤلاء اللاجئين، وهم يتسلقون بأجسادهم الغضة الطرية، أسلاك «القلعة» الشائكة، ويتخطون بأقدامهم العارية حقول الألغام المبثوثة على مفترقات الطرق وقوارعها، ستظل صورة هؤلاء ناقوساً يدق في الرؤوس والعقول والذاكرة القصيرة لدولة الاغتصاب والترانسفير والمجازر...لقد أحدث التاريخ استدارته كاملةً...لقد طلّقت الشعوب خوفها وترددها وانزوائها في ثياب الحداد، وهيهات أن تعود إلى الوراء، وهي التي لم يعد لديها ما تخسره، سوى قيودها وأغلالها لتبرح من ورائها عالماً بأسره...يا لاجئي مختلف المهاجر والمغتربات...اتحدوا...أيها المشردون عن ديارهم التي أخرجوا منها بغير حق...توحدوا...لقد اهتديتم إلى سواء السبيل، وسواء السبيل هنا، يتجلى في الكثرة الكاثرة من المنتفضين سلمياً، بأجسادهم العارية وأياديهم المدججة بمفاتيح منازلهم القديمة، خلف السياج...لا شيء لديكم لتخسروه سوى ذُل اللجوء والاغتراب والشتات...لا شيء لديكم لتضيّعوه سوى طوابير الانتظار المضني على «إعاشة الأونروا»...لا شيء يعوضكم عن الوطن...هب جنة الخلد اليمن...لا شيء يعدل الوطن.

التاريخ : 07-06-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش