الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يوم على ضفاف نهر «الشريعة»

حسين الرواشدة

الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011.
عدد المقالات: 2544
يوم على ضفاف نهر «الشريعة» * حسين الرواشدة

 

كيف سقطت هذه الجبال العالية في قبضة الاحتلال؟ كيف تمكن نحو ستين الف جندي مسلم قبل 1380سنة من هزيمة البيزنطيين في اليرموك؟ كيف فكرت انت في زراعة هذا الحوض بأشجار "الجوافة"؟ كيف تنساب المياه او ما تبقى منها في نهر "الشريعة" هادئة مسترخية ثم تفور على بعد امتار قليلة منها "المياه" الساخنة المحملة برائحة الكبريت؟

تفجرت هذه الاسئلة امام "ابي نادر" الرجل الذي استضافنا يوما كاملا على ضفاف "الشريعة" كنت احدق في وجهه الذي يشبه خارطة بلادنا تماما ، وهو يصغي الينا بانتباه ، ذكرتني ملامحه بأولئك القادة الذين خلدتهم التماثيل التي شاهدتها في "حواضرنا" التي ودعت عصر الحضارات ، لم ار رجلا تختلط فيه الفرحة مع الحزن ، والهمّة مع الخيبة ، والتعب مع الطمأنينة ، كما اجتمعت في هذا الرجل ، منذ اكثر من عشرين سنة وهو صامد هنا ، قرب "النهر" يحرث ارضه ويزرعها ويصدّ عنها "غوائل" الماسرة وهواة "بناء" المنتجعات ، ينام مع "التاريخ" المحمّل بطيوب الفتح وروائح الهزيمة ، ويصحو على الواقع المزدحم بالمسرات والخيبات.

من هنا مرّوا ، واشار الى الواقوصة والشعلة ، ربما دخلوا من درعا ، لكنهم التقوا في هذا المكان يحررون بلادهم من احتلال "البيزنطيين" ، ومن هنا ايضا مرّوا ، واشار الى "التلة" البعيدة ، ليعيدوا احتلال تلك الجبال ، هذا هو التاريخ "صراع الجولات" او ان شئت "صراع ارادات" حين ننتصر نكتبه كما نشاء وحين ننهزم يكتبنا كما يشاء ، لا ادري - قال ابو نادر - لماذا اتذكر قصة سمعتها ذات يوم من رجل حارب مع الاتراك في البلقان ، كان يرويها لوالدي ، تعلمت منها ان الدنيا "ارزاق" والارزاق مقسومة بيد الله تعالى ، هل الانتصارات والهزائم ارزاق مقسومة يا ابا نادر؟ ربما ، لكن المهم ان لا نقف مكتوفي الايدي امامها ، التسليم بالنتائج لا يعني "القعود" ولا الاستسلام ، والا لما استطعت انا ان ازرع هذه الدونمات "بالجوافة" وان اقاوم كل من حاول "ابتلاعها" او اغراني لبيعها بألوف الدنانير.

هل تصدق بان هذه البساتين تدرّ على اصحابها اكثر من ربع مليون دينار سنويا؟ هل تصدق بان سعر كيلو الجوافة يصل احيانا الى ثلاثة دنانير ونصف؟ هل تصدق بأنني اسقيها بالمياه الباردة من النهر احيانا وبالمياه الساخنة احيانا اخرى؟ تساءل ثم صمت.

كان صمت "ابي نادر" ونكاته السريعة عن "الحمير" تكفي للاجابة على عشرات الاسئلة التي سمعت اصداءها تتردد في انحاء المكان ، من ضفاف نهر الشريعة وشجيرات "الدفلى" التي تحميه من الجانبين ، الى "الشعلة" التي انتصبت على الجبل كشاهد على "اليرموك" الى التلال البعيدة التي ما تزال صامتة ، مثل صمت ابي نادر تماما ، الى "اشجار الجوافة" التي ما تزال مرفوعة الرأس ، مثل رأس الرجل ايضا ، وكنا ، عشرة من الرجال الذين تفرقت بنا الدروب وجمعتنا الهموم والمخاوف ، نستلهم من المكان والتاريخ والزمان ما يمكن ان نستعين به لفهم هذه المعادلات المعقدة التي خرجت من "واد ذي زرع" واختزلت كل ما يشغلنا اليوم: الارزاق والصراعات ، منطق النصر والهزيمة ، الهجوم والانسحاب ، الحب والكراهية ، الشجاعة والخوف ، المياه الهادئة والاخرى الساخنة الغاضبة.

قلت في نفسي: من هذه الارض نتعلم كل شيء ، نتعلم فقه الموت وفقه الولادة ، لغة الرؤوس المنتصبة كالاشجار ولهجة الاغصان التي تميل لكي تمر العاصفة ، رائحة المقاومة التي ينشرها الكبريت والنسائم الهادئة التي تهدد وجه النهر ، نتعلم الرضا والغضب ، كيف نعطي ومتى نأخذ ، متى نفتح عيوننا ومتى نغمضها.. نعلم - كما تعلم ابو نادر - كيف نتعامل مع "الارزاق" المقسومة والاقدار المحتومة.. والمبيدات المسمومة ومع المخاضات الملغومة ايضا.

التاريخ : 25-01-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش