الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لبنان : طوائف وغرائز و«جنجويد»

عريب الرنتاوي

الأربعاء 26 كانون الثاني / يناير 2011.
عدد المقالات: 3287
لبنان : طوائف وغرائز و«جنجويد» * عريب الرنتاوي

 

ما إن لاح في الأفق أن سعد الحريري سيغادر موقع رئاسة الحكومة ، حتى صدرت الأوامر لألوف "المحتقنين" مذهبيا من اللبنانيين السنة: خرجوا إلى الشوارع زرافات ووحدانا ، قطعوا الطرق والشوارع ، أحرقوا الإطارات ، اطلقوا العيارات النارية في الهواء ، تهجموا على الصحفيين ، هاجموا فريق "الجزيرة" وكادوا يضرمون النار بهم ، بعد أن أضرموا النار بسيارة البث ، هاجموا صحفيين وإعلاميين آخرين ، أطلقوا الهتافات الغاضبة ، ووجهوا السباب والشتائم لحزب الله وحسن نصرالله ورئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي ، تهددوا وتوعدوا بحرب مذهبية مفتوحة ضد ولاية الفقيه والمشروع الفارسي و"جنجويد" الضاحية الجنوبية.

ساعات قلائل فقط ، مرّت على سقوط الحريري عن عرش رئاسة الحكومة ، كانت كافية لإسقاط كل الأقنعة والزيف والشعارات المفبركة: عن "العبور إلى الدولة" واحترام الدستور والمؤسسات" والمعارضة الديمقراطية" و"الفريق الحضاري" في مواجهة دهماء حزب الله وجمهوره الشمولي ، سقطت كل الشعارات الاستعلائية العنصرية التي اطلقها هؤلاء ضد نصف اللبنانيين ، وصوروهم كما لو كانوا جنساً آخر من البشر ، أقل تمدناً وتحضراً ، مع أن ما شهدناه في شوارع لبنان أمس واليوم ، يشي بخلاف ذلك.

من بعدي الطوفان ، هكذا نطق لسان حال الحريريون والمستقبليون والكتائبيون والقواتيّون...إما نحن أو الخراب...إما لبنان برئاسة الحريري أو "غزة ثانية" برئاسة ميقاتي...ساعات قلائل كانت كافية لإطلاق طوفان من الهذيان الطائفي والمذهبي ، وترك الغرائز البدائية تفعل فعلها في مختلف الشوارع والأزقة.

ولولا رباطة جأش الجمهور الآخر ، وإحساسه بأنه كسب معركة "الاستشارات الملزمة" ، لكان الطوفان فعلاً...لو نزل الشارع مقابل الشارع ، والغاضبون مقابل العاضبين ، لو أطلق العنان للغرائز مقابل الغرائز ، لحدثت المذابح وسالت الدماء واشتعلت الحرائق ، فالمليشيات استيقظت على هدير التجييش المذهبي والتحريض على "سلاح الغدر" والاستنجاد بكل شياطين الأرض ضد الشقيق في الوطن...والعمائم التي رفعت قميص عثمان ، كانت تبحث عن الكثير من الدماء التي تلوّن بها وجه الأرض والسماء...والمليشيات النائمة والأجهزة الأمنية الموازية وقفت على أهبة الاستعداد للحظة الضغط على الزناد ، ولولا تدخلات الإقليم ، لولا علم هؤلاء اليقيني بأن خسارتهم في الخنادق والميادين لن تقل فداحة عن خسارتهم في "الاستشارات" ، لحصل ما لا يحمد عقباه.

لا يمكن لمصير بلد ، أن يرتبط بشخص ، أياً كان هذا الشخص ، ...لا يمكن لصراع الطوائف والمذاهب أن يسمح بتحويل الناس إلى قطيع يتحرك بالريموت كونترول...لا يمكن للتجييش المذهبي أن يكون سببا في تطليق العقول والضمائر والإرادات الحرة والمستقلة ، لشعب عرف عنه أنه من أذكى شعوب المنطقة وأكثرها حيوية وإبداعاً.

لبنان يدخل عتبة جديدة مع الرئيس المكلف ، إن لم يجنح الحريري والمستقبل لخيار حكومة انقاذ وطني ، فقد تكون "حكومة التكنوقراط" واحدة من الخيارات والبدائل المتاحة ، في كل الأحوال سيكون للبنان حكومة ، وبخلاف ما يقال ، أعتقد أن هذه الحكومة ستشكل قريباً ، ولن تأخذ المدى الزمني الذي استغرقه تشكيل حكومة الحريري الأولى ، لكن ذلك لن يوقف الاحتقان والاستقطاب ، ولن يحل المشكلة.

كيف ستتعامل حكومة ميقاتي مع المحكمة الدولية ، ملف شهود الزور ، الفساد المتراكم الذي يزكم الأنوف ، التعيينات الكبرى ، فرع الأمن والمعلومات المحسوب على الحريري والمستقبل ، إلى غير ما هنالك من ملفات ، يكفي كل واحد منها أن يكون شرارة لإشعال فتيل الحرب الأهلية.

لبنان على المفترق ، ومن حسن طالعه ، أن اللاعبين الكبار منشغلون عنه ، ولا يريد أي منهم - ربما باستثناء إسرائيل - إضرام نار حرب أهلية جديدة فيه ، والمأمول أن يخرج هذا البلد العزيز والجميل ، من أسر المصالح الفردية والعائلية والمذهبية والطائفية ، لنخبه الحاكمة والمتحكمة ، وأن تتاح له فرص استئناف حياته كالمعتاد ، فيكفيه ما مر به من كوارث وويلات ، خربت اقتصاده وشرّدت أبناءه ، ولم يثر جراءها سوى نفر قليل من "قططه السمان".



التاريخ : 26-01-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش