الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بين حدّين .. كيف نقرأ المشهد السوري؟!

عريب الرنتاوي

الأربعاء 13 تموز / يوليو 2011.
عدد المقالات: 3287
بين حدّين .. كيف نقرأ المشهد السوري؟! * عريب الرنتاوي

 

إن أنتَ قُلت أن ما يجري في سوريا، هو انتفاضة شعبية، ترفع مطالب مشروعة، وتذكر بثورتي تونس ومصر، انقضت عليك أطياف سياسية سورية وعربية، من قوميين ويسارين و"مقاومين" فضلاً عن النظام وأركانه والناطقين باسمه، هؤلاء يريدونك أن تردد كالببغاء، أسطوانة "المؤامرة" المشروخة، وأن تدير أذناً من طين وأخرى من عجين، لنبض الشارع وهتافاته وشعاراته وتضحياته الجسام.

وإن أنت ألمحت – مجرد تلميح – إلى وجود "عصابات قتل وإجرام"، تحت مسميات دينية متشددة، مدججة بالسلاح وإيديولوجيا الكراهية، انقض عليك سوريون وعرب، لا يريدون الاعتراف بدخول "العامل السلفي" على الخط، لا يريدون الإقرار بوجود أصابع للثورة المضادة، تسعى في رسم المشهد السوري...لا يريدون أن يصرفوا الأنظار عن مطلب إسقاط النظام، يريدونك أن تتصرف كالنعامة، فتدفن رأسك في الرمال، وتنساق وراء "التحليلات العبقرية" لبعض الناطقين باسم "الثورة السورية" من واشنطن و"السان جيرمان" و"قريطم".

جماعة النظام في سوريا، ومن خلفهم تيار قومي – يساري سوري عربي عريض (أو رفيع لا فرق)، لا يجدون حاجة لتفسير إقدام النظام على اتخاذ سلسلة من المبادرات "المتواضعة والمتأخرة- too little too late"، فإن كان ما يجري هو مواجهة مسلحة مع عصابات وخارجين عن القانون وجماعات سلفية وإرهابية، فلماذا الإقدام على سلسلة من المبادرات الإصلاحية، لماذا الحوار الوطني إذن، لماذا رفع الرواتب وتجميد الأسعار، لماذا كل هذه الخطوات، إن لم تكن هناك انتفاضة وشارع ومطالب وشعارات.

جماعة المعارضة في سوريا، يحجمون عن الإجابة عن أسئلة تتصل بـ"جغرافيا الانتفاضة السورية"، وأسباب سقوط هذه الأعداد الكبيرة من القتلى في صفوف قوات الأمن والجيش السوري، طالما أنها انتفاضة سلمية...يتحاشون التعليق على تقارير غريبة، أخذت مؤخراً تتحدث عن "البعد السلفي العنفي" لما يجري في سوريا، عن أجندات خارجية، تناصب سوريا العداء منذ سنوات، وخلافها مع نظام دمشق، ليس بدعة أو ضلالة، فقد قيل وكتب بشأنها، ركام من المقالات والتقارير والتحليلات، أقله منذ احتلال العراق وسقوط بغداد، وما بعدهما.

لأن النظام في سوريا، تصرف خلال الأشهر الأربعة الفائتة، بوحي من نظرية "المؤامرة"، وغيّب البعد الشعبي العميق والأصيل لانتفاضة شعب سوريا، فقد جاءت جميع خطواته من النوع المتأخر والمتواضع الذي أشرنا إليه، أي أنها جاءت فاقدة للقيمة والأثر...لم تحدث "الصدمة" المطلوبة، وفقاً لنصيحة أحمد داود أوغلو المحقّة تماماً...ولو أن النظام تصرف على قاعدة أنه يواجه ثورة شعبية أيضا، لكان أقدم على اتخاذ هذه الخطوات في وقت مناسب، ولكان قطع الطريق – ربما – على تداعيات المشهد السوري الراهن...ولكان وفّر على نفسه وشعبه، كل هذا العناء والمشكلات والعذابات والتحديات.

ولأن المعارضة (خصوصاً الأصوات المرتفعة في الخارج)، أدارت ظهرها للجانب الآخر مما يجري في سوريا، وما يتهدد البلاد والعباد، من مداخلات وتدخلات، تقودها عواصم الثورة المضادة في العالم العربي، وأحياناً بتواطؤ غربي لافت، خدمة للأجندات إياها، فقد عجزت – هذه المعارضة - عن التقدم ببرنامج سياسي، يمكن أن يشكل موضوع إجماع وطني، ويضع البلاد على سكة الحل الديمقراطي المطلوب، ويجنبها الكثير من الويلات والفواتير والاستحقاقات الخطرة...لكنها لم تفعل، ولا يبدو أنها ستفعل، ما لم تُقدم "معارضة الداخل" بشكل خاص، على انتزاع زمام المبادرة، والتقدم بمشروع خلاص وطني، يضمن انتقال سوريا إلى ضفاف دولة مدنية ديمقراطية تعددية، بدل تعريض البلاد، لخطر الانزلاق في أتون انقسامات مذهبية وطائفية، ومستنقع تقسيم وحرب وأهلية.

في حمأة الصراع في سوريا وعليها، نحن بحاجة لصوت عاقل، يشق طريقاً ترتضيه الأغلبية الشعبية السورية، طريق يضع سوريا ومستقبلها ومصلحة شعبها في صدارة أولوياته، وفي ظني أن بعض الأصوات التي انطلقت من مؤتمر الحوار الوطني في دمشق، وقبلها في مؤتمرات المعارضة، خصوصاً مؤتمر سمير أميس، يمكن أن تكون رأس الجسر الذي ستعبر من فوقه سوريا، صوب مستقبلها الآمن والديمقراطي.

لا خلاص لسوريا من دون تفكيك "الدولة الأمنية" كما قال الطيب التيزيني...لا خلاص لسوريا إن قدر لأقران "أحمد الجلبي" أن تكون لهم الكلمة العليا...لا خلاص لسوريا أن قدر لنظراء "أبو مصعب الزرقاوي"، أن يفرضوا أجنداتهم على الشعب السوري...لا خلاص لسوريا، أن هي وضعت البيض كله، أو نصفه وربعه، في سلة واشنطن وباريس، وها نحن نتتبع فصول "المقايضة" و"المتاجرة" بالثورة الليبية في باحات الإليزيه على وجه التحديد...لا مستقبل لسوريا، إن تم الزج بها في دهاليز "المستقبل" نيابة عن عواصم الثورة المضادة، التي تعاود اليوم، ما بدأته في خمسينيات القرن الفائت، زمن حروب التطويق والحصار للمد القومي والناصري واليساري والتقدمي العرب...اللعبة هي هي، واللاعبون هم هم، والمستهدفون لم يتبدلوا، أنها واحدة من سخريات القدر ومآسيه في الآن ذاته.

التاريخ : 13-07-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش