الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثورات تداهم بيوتناً أيضاً!!

حسين الرواشدة

السبت 30 تموز / يوليو 2011.
عدد المقالات: 2544
ثورات تداهم بيوتناً أيضاً!! * حسين الرواشدة

 

نكتشف - الآن - أن شعار اصلاح أو «اسقاط النظام» الذي رفعته بعض الشعوب العربية، لا يتعلق «بالسياسي» فقط، وانما - ايضاً - بالنظام الاجتماعي والأبوي، نظام الوصاية ونظام الولاية، نظام الأخ الأكبر ونظام احتكار الرأي والصواب، نظام «ما اريكم الا ما أرى» ونظام الكهنوت أيضاً.

وربما تكون هذه المرة الاولى في تاريخنا المعاصر التي نشهد فيها سقوط بعض الافكار قبل سقوط أو تغير النظم السياسية، لدرجة ان الثورات العربية التي ارتفعت حرارتها مع هذا الطقس «الساخن» أصبحت تداهم بيوتنا بما ألفته من تقاليد وعادات ومفاهيم، لنفاجأ (وبعضنا تخيفه هذه المفاجأة) بأفكار جديدة تخرج من رؤوس ابنائنا بلا مقدمات، خذ مثلاً كيف تنازلنا - كآباء - عن منطق الوصاية تحت إلحاح الابناء وتمردهم على بناء حياتهم وقراراتهم كما يريدون، وخذ مثلا - كيف تحولت مناهجنا في «الترضيات» والهبات والعطايا التي تصورنا أننا نقدمها لأبنائنا بمنطق «الاعلى للاسفل» أو منطق الاحسان والرأفة والعطف، الى مناهج عنوانها «الحقوق»، فما تعطيه لابنك مثلاً ليس منة أو أعطية وانما «حق» يمكن أن ينتزعه منك إذا أراد.

التغيرات والتحولات التي طرأت - بفعل الثورات العربية - على العلاقة الاجتماعية داخل الاسرة أو المجتمع وصولاً الى الدولة، يمكن ان تدرج في سياق «اسقاط» منظومة الافكار والقيم السلبية التي ورثناها من تراث ليس كله صحيحاً، واذا كان ثمة من رفع شعار «اسقاط» الزوج أو الزوجة، كاشارة الى نهاية عصر «الهيمنة» والخنوع والاستبداد، فان من يرصد حراكنا الاجتماعي يفهم تماماً لماذا تجاوزت «الشعارات» الاصلاحية حدود ما ألفناه وما كنا نخجل من اشهاره فيما مضى، والسبب في ذلك واضح وهو أننا أمام «مرحلة» جديدة من الوعي لم يعد فيها «السياسي» وحده هو الهدف من التغيير، وانما الاجتماعي والديني والثقافي أيضاً، فمع - أو حتى قبل - المطالبة باصلاح أو اسقاط «النظام» بمدلوله السياسي تأتي المطالبة باصلاح أو اسقاط «التراث» الذي انتج هذا الواقع السياسي، - أو ان شئت - اسقاط «الافكار» التي سمحت لهذا الواقع بما فيه من ظلم واستبداد وفساد أن يتشكل وان يتغلغل ويتمدد ويصبح جزءاً من «ارادة» الناس ومزاجهم العام.

لكي لا نقع في «الفخ» الذي وقع فيه السياسي، كفرد وكنظام حين لم يفهم الرسائل التي وصلته من الشارع، لا بد ان ندرك بأن «فكرة» اسقاط النظام ستصلنا في مهاداتنا الثقافية والاجتماعية والتربوية، وبأن منطق «الوصاية» و»العطايا» كبديل لمنطق «الحرية» و»الحقوق» قد سقط فعلا، وان علاقتنا كنخب مع الناس، أو كآباء مع الابناء، أو كأساتذة مع الطلبة، أو كمسؤولين مع «الشعب» أو..الخ، يفترض ان «تتكيف» مع منطق «الحقوق» ومع منطق «نسبية الصواب» وحق الاختلاف ومع كل «الأفكار» التي اختزلها الشعار الذي انطلق في ميادين التحرير العربية وهو يلخص مطالبة «الشعب» الذي «يريد» اصلاح أو اسقاط النظام.. حيث النظام هنا يتجاوز «السياسي» الى كل «الافكار» والمفاهيم والتقاليد التي ترسبت في وعي المجتمع على امتداد العقود الماضية.

باختصار، ثمة واقع عربي جديد قد نشأ فعلاً، وعليه بدت لافتة «سقوط» الافكار أو «اصلاحها» بارزة لا تخطئها العين، والافكار - هذه تتعلق - بالاجتماعي، كما أسلفنا والثقافي.. ولكنها تمتد الى الأفكار المتعلقة بمفهوم الدولة والديمقراطية والحرية والتدين.. وغير ذلك الكثير.. الكثير.

علينا أن ننتبه لهذه الثورات التي لم تعد تتقصد «النظام» السياسي، وانما اصبحت تداهم بيوتنا كلها.. بيوت الاسرة وبيوت النخبة وبيوت الثقافة والفكر.. وبيوت «الدين».. ايضاً.

التاريخ : 30-07-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش