الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

انفلونزا الكذب!!

خيري منصور

السبت 22 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
انفلونزا الكذب!! * خيري منصور

 

لم تعد الانفلونزا وقفاً على الطيور والبشر والخنازير ، وحسب مقالة نشرتها «يديعوت احرونوت» فان الجيش الاسرائيلي أصيب بهذا الفيروس ، رغم ان الجنرالات لم يعلنوا تحول الاصابة الى وباء إذ نادراً ما تحظى المسائل الأخلاقية باهتمام من اتخذوا من اسبارطة وبساطيرها وليس من أثينا وفلاسفتها نموذجاً لهم..

الأثلة التي تقدمها مقالة ناحوم بارنغ عن انفلونزا الكذب لا تشمل ما نسب الى الجيش الاسرائيلي من جرائم اقترفها ضد المدنيين وبالتحديد ضد الاطفال والنساء في غزة ، وان كانت الحرب على غزة ليست الاستثناء في تاريخ الحروب الاسرائيلية القذرة التي استخدمت فيها أسلحة محرمة منذ النابالم عام 1967 حتى الفوسفور الابيض في ذلك الصيف الأسود ، والكذب أصبحت له تكنولوجيا ، ولم يعد بدائياً مثلماً كان ، فقد تسخر العلوم كلها من أجل تمريره ، وتزوير الحقائق بحيث يلوى عنق التاريخ كله كي يلبي رهاناً أخرق ، من طراز ما تتذرع به اسرائيل لابادة الفلسطينيين بالتقسيط،

ومن قالوا ان الكذب الأبيض غير ضار نسوا أن الكذب الأسود يبدأ منه ، تماماً كما أن الاوبئة كلها تبدأ من اصابة واحدة ، أو أحياناً من بعوضة ، لقد كذبت اسرائيل على العالم طويلاً ، واستثمرت حتى المآسي اليهودية لخدمة برنامجها الصهيوني ، لتجد نفسها متلبسة بكل الجرائم التي تنسبها الى سواها ، ولأن الضحية تفوقت على جلادها بالكذب وليس أخلاقياً ، فإن نظرية جوبلز الشهيرة.. اكذب واكذب حتى يصدقك الناس أصبحت بالعبرية اكذب واكذب حتى تصدق نفسك ، ومن يبدأ بالكذب على غيره سوف ينتهي بالضرورة الى الكذب على نفسه ، لأن القيم لا تتجزأ ، والأخلاق ليست قبعات ترتدى أو تخلع في المناسبات ، واذا كان الجيش الاسرائيلي قد أصيب بهذه الانفلونزا الأخلاقية بشكل وبائي ، فذلك لأن الكذب أصبح متبادلاً بين كل الشرائح التي تتألف منها دولة تأسست على فلسفة الاقصاء وفقه الحذف ، ومن لا يمتلك الحق ، ويشعر بعدم شرعية أفعاله في العمق ، غالباً ما يزال لسانه ليفضح ما تراكم في اللاوعي ، لهذا فإن تعريف زلات اللسان على أنها مجرد أخطاء عابرة يتجاهل كل اطروحات علم النفس حول هذه المسألة ، فما يصدر عن الانسان حتى لو كان يهذي في غيبوبة ليس شيئاً خارجاً عنه ، أو نبتاً شيطانياً بلا جذور انه طفح كلامي يفتضح ما تختزن الذاكرة وما يتفشى في الوجدان ، واذا كانت الكاتبة يائيل دايان ابنة الجنرال ديان قد افتضحت ثقافة الحذف وتربويات الريبة في اسرائيل ، فإن هذه المقالة تفتضح الكذب ، خصوصاً بعد أن تحول الى منهج بديل ، فهو يحاول تجميل الخرافة بأن يكسوها بمنطق ملفق ، قد يخدع الناس بعض الوقت لكنه لن يخدعهم حتى النهاية؟

وحين تتفشى انفلونزا الكذب في جيش كالجيش الاسرائيلي الذي يزهو بعقيدته العسكرية ، فإن الفساد يكون قد بلغ النخاع.

الساسة يكذبون والجنرالات يبادلونهم الكذب والجنود يجدون في ممارسته دريئة أو ذريعة وفقاً لما تتطلب الحاجة ، فالهاربون من الخدمة العسكرية الاجبارية يضطرون الى الكذب ، لكنهم سرعان ما يعترفون ، لأنهم يقادون الى حروب ليست حروبهم كما قال أحد الجنود الذين شاركوا في اجتياح لبنان عام 1982 ، وظهرت في تلك الآونة يوميات لجنود اسرائيليين تصلح عينات نموذجية للفحص النفسي.

ويبدو أن هناك افلاساً صهيونياً قدر تعلق الأمر بتسويق مفاهيم ومقولات مستمدة من الخرافة لا من التاريخ ، فالعالم بلغ رشده ولم يعد قاصراً ، واستراتيجية الابتزاز فقدت صلاحيتها ايضاً ، بعد ان استعارت الضحية مخالب الجلاد واضافت اليها امتدادات فولاذية.

ان هناك كذباً أعزل مقابل الكذب المسلح وهذه الانفلونزا التي تحدثت عنها مقالة بارنغ هي من سلالة الكذب المسلح ، لكن سلاحه ملغوم وقد ينفجر بحامله قبل أن يتوجه الى الآخرين،

التاريخ : 22-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش