الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سرطان الوعي!

خيري منصور

الأربعاء 19 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
سرطان الوعي! * خيري منصور

 

لم يرد اسم هذا الداء العضال في الموسوعات الطبية ، ولا يوجد قسم خاص به في مستشفى الحسين للسرطان ، ولم يحدث ان شخّص طبيب مثل هذه الحالة لانها باختصار ليست عضوية ، رغم قابليتها للتحول الى مرض عضوي.

ان سرطان الوعي ، هو اصرار من لم يشربوا بعد من نهر الجنون على البقاء على قيد العقل رغم كل ما يلحق بهم من عذاب نفسي وعقاب اجتماعي ، وهذا المرض يتلخص في ان المصاب به يرفض ان يضع رأسه بين الرؤوس بانتظار السياف الذي يحصدها ، ويرفض ايضا ان يمشي بمحاذاة الحائط.

لان الحائط آيل للسقوط ، ولا يصدق هذا المصاب بان للجدران آذانا تسمع بها وتستخدمها لثقافة الوشاية ، ويرفض ايضا ان يقلص ساقيه كي لا يفيضا عن مساحة الفرشة القصيرة ، انه باختصار اطروحة مضادة لكل ما افرزت عقود الخوف والارتهان والجوع من امثال ومواعظ هذا المريض فيفضل الموت واقفا كالشجر على الحياة مقعدا كالسلحفاة العمياء ، وهو لا يسعى الى الشفاء ، لمعرفته بان استمراره في القبض على جمرة الوعي هو المعنى الجوهري لوجوده كانسان ، وبدون ذلك يسقط من اعالي الحرية الى قاع الضروري ، ويصبح مجرد حيوان ثديي بلا تاريخ ، لانه يعيش من يوم الى يوم ، ويبدد عمره في تلبية غرائزه ، محروما مما يسميه علماء النفس التصعيد ، ومتورطا بالتسفيل وهي الحالة المضادة للانسان الذي يحاول تخطي شروطه ، وان لا يعيش بالعلف وحده،

ان سرطان الوعي لا شفاء منه الا بالجنون اذا قرر المصاب ان يشرب من هذا النهر المسموم ، الذي ينبع من اقدم كهف في العالم ويصب في الجحيم،

لقد مرت بالعالم ايام عجاف كهذه ، فتمنى الشاعر والفيلسوف والحكيم لو انهم من عالم الجماد.. هذا ما تمناه ابن مقبل العربي حين ود لو انه حجر ، وهذا ما تمناه وتيمان الامريكي حيث اشتهى لو انه بقرة ، وهذا ايضا ما حلم به كامو عندما ضاق بوعيه وتمنى لو انه شجرة او قطة ، اما الصوفي ابن عربي ، فقد كان جيرانه يستيقظون على صراخه وهو يجلد جسده ، قائلا لهم انه دابة لم تعد تقوى على حملي ، اما من انفرد عن هؤلاء جميعا فهو عبدالله بن محمد الذي قال في زمن رمادي كهذا: يا قوم.. آه لو ترون ما ارى وتسمعون ما اسمع..كم وددت لو انني شجرة فتعضد،

وهناك ايضا من شكر ربه لانه اعمى مثل طه حسين عندما تظاهر المخدوعون ضده وطالبوا برأسه رغم انه صاحب الفضل في جعل التعليم حقا كالماء والهواء.. لكنه لم يكن يعرف كم هو ثمن الماء الان وكم هي تكلفة الهواء؟

ومن لم يكن اعمى ودّ لو انه كذلك كي لا يرى.. وقد سبق هؤلاء جميعا ابن الاثير مؤرخ سقوط بغداد الاول عام 1258 ميلادية ، حين قال.. تمنيت لو ان امي لم تلدني كي ارى هذه الظهيرة السوداء؟

سرطان الوعي قد يتحول الى وباء ، اذا استيقظ المستغرقون في سباتهم الكهفي ، وما من لقاح لهذا المرض ، الا اذا اكتشف العلماء مضادات حيوية للوعي،

التاريخ : 19-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش