الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دخـان الماضـي!!

خيري منصور

الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
دخـان الماضـي!! * خيري منصور

 

تعددت اسباب الحرائق لقلب العواصم العربية لكن الدخان واحد ، انه دخان الماضي بسحاباته المشبعة بالزفير غضبا او حسرة.

كان حريق القاهرة في اواسط القرن الماضي بمثابة انتحار لان المباني العريقة والمعالم التاريخية ليست ذات ذنب في كل ما كان يجري.

ومن تعلموا في مصر يذكرون بالضرورة ذلك المبنى العريق الذي شيد بمهارة واتقان غارت منه بعض المدن في اوروبا وهو دار الاوبرا التي تحولت لسبب ما الى رماد. وقبالة الاوبرا في الميدان الذي حمل اسمها واسم ابراهيم باشا معا ، كان هناك مقهى تاريخي يشهد سجالات ثقافية وسياسية لعدة عقود ، وكان من ابرز زبائنه المدمنين على الجلوس فيه الراحل نجيب محفوظ ، هو كازينو غرانادا الذي يعرف شعبيا باسم كازينو صفية حلمي.. لم يعد لذلك المقهى اثر وما حدث لقلب بغداد لا حاجة الى التذكير به فقد عاد اليها هولاكو بقبعة وعلى صهوة دبابة لا حصان ودمر سوق السراي الذي كان يعج بالمكتبات والمخطوطات مثلما احرق شارع المتنبي ، الذي كان الوجه الاصيل للعاصمة العباسية..

بيروت ايضا لم تنجُ من هذا الحريق ، فالحرب الاهلية التي دامت اكثر من عقدين اتت على القلب من المدينة ، ورغم انه اعيد الترميم والاصلاح الا ان ما مضى لن يعود. وهذه جملة وردت على لسان الغراب في قصيدة شهيرة لادجار الن بو.

ويبدو ان الغربان تتحدث بكل اللغات ، ولها نعيق لا يحتاج الى ترجمة ، ما دامت الاطلال والخرائب هي ما يجتذبها ، والعواصم التي لم يدمر الغزاة قلبها وحصونها القديمة ومتاحفها تولت هي ذلك ، من خلال التمدد السرطاني نحو الصحراء ، فمراكز المدن العربية القديمة مهجورة ، او هي قيعان تعج بما يترسب من النهار من كائنات عاطلة عن كل شيء الا التدمير..

أخيرا.. سوق البخارية في عمان ، وهو معلم عريق من معالم وسط المدينة أو قاعها.. عرفناه أطفالاً ومكث في الذاكرة من خلال روائحه الجاذبة والحريفة ، ورغم ان زبائنه القدامى رحلوا الى الضواحي النائية ، الا ان الحفيدات يواصلن زيارة هذا السوق ولو على سبيل النوستالجيا واستذكار الجدات الراحلات..

كيف احترق هذا السوق ، سؤال يجب أن يتحول الى مساءلة ، وهذا ليس من شأننا الآن ، فالأهم هو ان المدن العربية أوشكت أن تصبح منزوعة الدسم والقلب ايضا ، فهي في امتداداتها الاسمنتية وغاباتها الصفراء وهشيمها اصبحت بلا فصول ، وبلا رئات تتنفس منها ، ورغم محاولات بعض الناشطين اضافة الى جهود اليونسكو المبذولة للحفاظ على معالم تراثية في هذه العاصمة أو تلك الا ان العقوق هو السمة الغالبة على ابناء هذه العواصم ، ولو شئنا المقارنة بين ما يجري لمعالم عواصمنا وما يجري لمثيلاتها في العالم لبلغ الاسى اقصاه.. وانبعثت الشجون كلها..

ما من غرفة على سطح أو فندق قديم او منزل عمره ثلاثة قرون ، سكن فيها أو مر بها شاعر أو كاتب أو فنان الا واصبحت ممهورة باسمه ، وببصماته الخالدة.. وفي هافانا وهي عاصمة من عالمنا الثالث ، كتب على واجهة المقهى الذي كان يجلس فيه همنجوي ، لم يكن ارنست من رواد هذا المكان ، وذلك على سبيل التندر وجذب السواح.

في باريس قدمت لي صاحبة مقهى دي فلور منفضة تحتفظ بها لسارتر كي اطفىء سيجارة واحدة ، لأن صاحبي اخبرها بأنني كتبت عنه ، واتاح لي صاحب مكتبة ومقهى شكسبير أن اعد القهوة في الاناء ذاته الذي استخدمه جيمس جويس.

فما الذي صنعناه بأنفسنا؟ وهل الحداثة هي جريمة قتل الآباء والأجداد وكل ذوي القربى؟؟

التاريخ : 09-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش