الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النّعجة والكمبيوتر!!

خيري منصور

الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
النّعجة والكمبيوتر!! * خيري منصور

 

كنت اكتب صفحة اخيرة بعنوان بلا رقابة في مجلة عربية عندما استشهد غسان كنفاني ، واذكر انني بسبب ما كنت مصابا باحباط مفاجئ ، وابحث عن موضوع اكتب فيه ولو بشيء من العسر.. وحين جاء النبأ ممولا في عنق غراب زاجل احسست للحظة بان استشهاد غسان قد اراحني من البحث عن موضوع ، وما ان شرعت في كتابة المجلة الاولى حتى تصبب العرق على جبيني وملأني شعور بالخجل ، وقررت على الفور الاعتذار عن الكتابة ذلك الاسبوع ومنذ تلك الواقعة ، وانا اشعر بنفور شبه غريزي من الكتابة العاجلة عن امر ما حتى لو كان مذبحة ، وذلك لسببين على الاقل اولهما معرفي اكثر مما هو مهني ، والثاني اخلاقي.

ولا ادري لماذا اشعر احيانا بان المذابح في فلسطين او العراق او اي مكان اخر قد تكون الضارة قوميا وانسانيا لكنها النافعة كتابيا.. فلولا هذه المآسي لكان اختبار الكتابة في عالمنا العربي اكثر صعوبة وعسرا ، فما ان تحدث كارثة حتى تنقذ من تفترسهم البطالة الثقافية ، واذكر ان اتحاد الكتاب الفلسطينيين في بيروت اواخر السبعينيات من القرن الماضي رفع شعارا لم افهمه وهو بالدم نكتب لفلسطين ، رغم ان معظم من كتبوا لفلسطين او عنها وليس منها كتبوا بالحبر الذي يراوح بين لونين..الابيض غير المقروء والاسود المناسب للحداد.

ان المرء يجد نفسه احيانا مضطرا لدرء التباس ما.. سواء كان مهنيا او اخلاقيا او معرفيا ، فالكتابة في عالمنا العربي ليست مهنة مكتملة النصاب ، وجديرة بالاعتراف ، ولا يزال هناك من يسألون الكاتب اذا اضطر لذكر مهنته.. في اي محكمة او في اية دائرة او منشأة.

والوطن العربي الذي يضرب به المثل الان خصوصا بعد نشر التقارير الاقليمية والدولية عن التنمية التي تحولت الى انيميا يفوق فيه عدد الكتاب للقارئ الواحد عدد الاسرة قياسا الى عدد المرضى ، وما يكتب يوميا في الصحافة العربية يقاس بالاقدام المكعبة ولو سفح هذا الحبر في البحر الابيض المتوسط لغير لونه ومذاق مائه.

اكتب ما تشاء وما يعن لك ، ما دام كل ما تكتب ممنوعا من الصرف ، وما دامت الكتابة مساحة مهملة في واقع يحل فيه نائب الفاعل مكان الفاعل.

القضايا المسكوت عنها بل المتواطأ عليها عديدة بدءا من الحريات بادنى مستوياتها حتى الكتابة في ابسط تعريفاتها ، والمعادلة الرائجة الان قل ما تشاء واكتب ما تريد ، لكن حذار من الوهم بانك قادر على تغيير مسار بعوضة ، فالبساط مسحوب من تحت الاقدام ، وحين نقرأ مقالات او ندوات عن دور الكاتب العربي نصاب بالدهشة.. لان الكلام كله يدور حول دور مسروق ، ومن الاجدى والاجدر لمن ينطقون لهذه المسألة ان يبحثوا اولا عن هذا الدور وهل هو موجود بالفعل ام مجرد زلة لسانيّة.

قبل سبعين عاما منع عباس العقاد من كتابة مقالة في صحيفة ، فكان باعة الصحف في اليوم التالي ينادون اقرأ ما كتبه العقاد اليوم ، ولم يكن مقال العقاد سوى مساحة بيضاء عليها توقيعه.

كم تغيّر الناس وكم تبدلت المهن ومنها ما انقرض او اوشك على الانقراض ، لان زمننا هذا هو زمن الانسان الترانزستور على حد تعبير ولهالم وايش.

وهو الزمن الذي اعيد فيه الانسان الى الكف رغم انه يتأبط جهاز كمبيوتر ويتدلى من حزامه موبايل.. ويحلم بالخلود لا على طريقة الفلاسفة والابطال ، بل على طريقة النعجة دوللي لو نجح استنساخها!

التاريخ : 24-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش