الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حًراك النوافير!!

خيري منصور

السبت 8 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
حًراك النوافير!! * خيري منصور

 

كلمة حراك هي الأكثر تواضعاً من مرادفاتها بدءاً من الانقلاب حتى الثورة ، وقد بدأ استخدامها عربياً في هذا العقد وأخيراً أطلق شعار الحراك الجنوني على دعوات انفصالية في اليمن ، تعددت ذرائعها المعلنة ، لكن بالتأكيد هناك نوازع أخرى ، شأن العمل السياسي في كل مكان ، فهو ليس طقوساً مبرأة من الأهداف الخاصة والأجندات الشخصية..

لقد تراجعت تلك المفردات الفوسفورية ذات الجذب الشديد للشارع ، وفي مقدمتها كلمة الثورة ، التي سخر منها أخيراً أحد الظرفاء العرب عندما قال انها أنثى الثور..

ومقابل هذا الانحسار والتراجع في الشعارات كان هناك تراجع للأحلام الكبرى ، لأنها بدت في لحظة ما لمن آمنوا بها بقلوبهم فقط تعجيزية وغير قابلة لأن تترجم ميدانياً..

ونحن في غنى عن تقديم رسم ولو على طريقة الكروكا للمشهد العربي ، فهو بلغ أقصى حالات التشظي والتذرر والوهن ، بحيث قدم الفرصة الماسية وليس الذهبية فقط لغزات من مختلف الجهات ، وحسب تعليق لصحفي أوروبي فان أعداء العرب التقليديين يعتبرون أنفسهم محظوظين في هذه الفترة وعليهم أن لا يفوتوا دقيقة واحدة لاستثمار حالة الوهن والتردي ، لكن الحراك يمكن أن يقترن بالنوافير على طريقة محلك سر.. فالنافورة تسيل على نفسها ولا تنتج الماء الذي يتدفق من خلالها..

ولا يحتاج أي راصد أو مراقب للمشهد العربي الى حاسوب عبقري كي يتوصل الى أن ديناميات الحراك سلبية ، وان ثقافة الريفيرس أو السير الى الوراء هي السائدة ، لهذا فالحنين بلغ حدّ النوستالجيا المرضية الى الماضي ، وما ان يغيب زعيم أو تتوارى مرحلة حتى يبدأ البكاء على أطلالها ، لأن ما يليها هو الأسوأ حتى لو كانت بمقياس ما سيئة..

ان حالة الفوضى المربكة والتي أدت الى عطب البوصلات كلّها جعلت من العربي المعاصر كائناً ضالاً.. وكأنه يبحث عن طريق في الغابة ، فإما أن يجترحها بقدميه أو يضيع وتلتهمه الضواري..

وقد يكون من السهل علينا وعلى سوانا أن نختزل هذه الكوميديا الرمادية في نظام سياسي رسمي ، لكن النظام الاجتماعي لم يولد من رحم آخر ، والمسألة ليست فقط في استحقاق الناس لمن يتولون أمورهم ، لأن المجتمعات تفرز من صلبها قُضاتها وحكماءها بقدر ما تفرز شواذها ومجرميها..

ان الثقافة السائدة بمعزل عن تصنيفها في خانات رسمية وشعبية هي ثقافة مضادة لمفهوم المشاركة ، لأنها تتأسس على الاحتكار والاقصاء وادعاء العصمة.

قبل يومين فقط سمعنا عبر احدى الفضائيات نائب برلمان عربي ينتقد السلطة في بلاده بقسوة ، ويناشد رئيس بلاده التنحي ، وحين سئل عما اذا كان سيعود الى بلده بعد كل ما قاله أم سيلجأ الى بلد آخر.. أجاب بأنه سيعود الى وطنه على الفور.

حتى الآن يبدو الكلام جميلاً ومثيراً لشهية الحالمين بالديمقراطية.. لكن السيد النائب أضاف بأنه سيعود محمياً بقبيلته ونفوذها.. وشعرت شخصياً بصدمة بالغة ، وتذكرت موقفاً مشابهاً للشاعر الصديق أحمد فؤاد نجم عندما قال عبر احدى الفضائيات اللبنانية ما جعل المشاهد يشك في أن أحمد فؤاد نجم سيعود الى بلاده بعد تلك المقابلة ، وانتظرت يومين ، لاتصل بأحمد ، وحين أجابني من منزله في القاهرة ، قلت له.. إذن هناك ديمقراطية ، فأنت لست في السجن ، لكن الشاعر بذكائه ورشاقة ذهنه ، قال على الفور ان الديمقراطية أكبر وأعقد من أن أكون في بيتي أو في السجن!

انه حراك نعم.. لكنه حراك النوافير على طريقة محلك سًرْ!

التاريخ : 08-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش