الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حكماء أثينا وجنرالات اسبارطة!

خيري منصور

السبت 29 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
حكماء أثينا وجنرالات اسبارطة! * خيري منصور

 

لا نعرف بالضبط ما الذي يمكن للحكمة العزلاء ان تفعله في عالم مدجج حتى النخاع بالأسلحة بدءاً من التقليدي حتى النووي؟ فأكبر حكماء عصرنا وفلاسفته أو من تبقوا منهم يشعرون بأن العين بصيرة وقد تتفوق على عيني زرقاء اليمامة لكن اليد أقصر من ذيل فيل أزعر..

والعالم الآن يراوح بين ذكريات عن أثينا وفلاسفتها وديمقراطيتها البكر وبين واقع من جنرالات اسبارطة وخوذاتها اضافة الى الأحصنة الخشبية..

وحين فكر المناضل الذي تحول الى جملة خضراء معترضة في الكتاب الأصفر السيد مانديلا بانقاذ ما يكن انقاذه ، بحث عن وميض جمرة في الرماد ، وقاد حكماء العالم وهو حر مثلما قاد مناضليه في زنزانته التي كانت أوسع من كوكب.

لقد زار الفائزون بجائزة نوبل فلسطين ورأوا عن كثب القتل والحصار ، وعندما التقيت أحدهم قبل فترة في دبي أوشك أن يقول بأن العين بصيرة واليد قصيرة ، فعالمنا الآن لا يقيم وزناً لما هو أخلاقي أعزل ، وبلغت البرغماتية والذرائعية حداً اختفت معه الفواصل بين الآدمي والحيوان ، حيث لم تعد هناك أية كوابح أو خطوط حمر ، بعد أن استُبيحت الطفولة والبراءة حتى لو كانت شجرة أو طائراَ مذعوراً في السماء. لكن بقاء الشهود على قيد الحياة والضمير هو آخر رجاء ينتظره الضحايا بعد أن ضاعت الاستغاثات وارتطمت بجدران اللامبالاة الباردة.

والحكماء الذين يزورون فلسطين سيرون مثلما رأى من سبقهم كيف يُصلب الانسان من جديد ، والأطلال والخرائب التي تشهد على ما جرى لا تحتاج الى ناطق رسمي يتحدث باسمها ، فهي أفصح من أي لسان بشري ، وأمام حكماء العالم فرصة أيضاً لمقارنة طغيان الاحتلال بالتجارب النادرة والوحشية في التاريخ ومن يصمت أو يلوذ بالحياد سيضيع على نفسه فرصة تاريخية وأخلاقية الى الأبد ، مثلما ضيع فلوبير هذه الفرصة للشهادة على زمانه حسب تعبير شهير لسارتر..

ومن راهنوا على أن الحمام سوف يبني أعشاشه في الخوذ الفولاذية فوجئوا بأن ما يبيض في هذه الخوذ هي الأفاعي ، فالسلام لا يولد من فوهة بندقية أو من جعبة نووية ، أما التحدي الذي يحاصر هؤلاء الشهود فهو ذاته الذي يحاصر مفكرين وشعراء وصحفيين وناشطين أدانوا الاحتلال الصهيوني واعتبروا جنرالاته مجرمي حرب ، وقد يقال عن أي حكيم أو أديب أو ناشط سياسي بأنه من أعداء السامية كما قيل مؤخرا عن صحفي سويدي شارك في دفن الضحايا في عزّ الظلام والصمت مثلما فعل من قبل جان جينيه الذي أعاد دفن الأشلاء والرميم في صبرا وشاتيلا ، وقال أنه كان يخوض حرباً شرسة ضد جنود الاحتلال والذباب معاً..

قد لا تجد الشهادات والمواقف الأخلاقية من يصرفها الآن أو يترجمها من كلمات الى أفعال ، لكن هذا الحد الأدنى من الشهادة والجهر بالحق ، هو أضعف الايمان ، خصوصاً وأن التاريخ لن يغلق أبوابه وآفاقه ويتوقف عن مجراه هذا اليوم أو بعد ألف عام..

كم هولوكوست سيرى هؤلاء الحكماء في غزة وجنين ونابلس وسائر الشقيقات الثواكل ويشمون عن بعد رائحة الفحم البشري والرماد؟

لقد سبق أن وصف نعوم تشوسكي أمريكا بأنها روما بكل قياصرتها مقابل أثينا التي توقفت عن انجاب الأبطال والفلاسفة والأساطير ، في زمن أصبح المطلوب فيه من بركليس أو أرسطو أو سقراط أن يبيع المقانق على عربة للسواح العجائز.

أخيراً ، يا حكماء العالم اشهدوا وليس مطلوباً منكم أن تتحدوا فزمن الشعارات ولى لكن حذار من تصديق الصقر الذي يقطر دم الفراخ من مخالبه اذا حاول الهديل،

التاريخ : 29-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش