الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قميص محمود درويش والكذب على الأحياء

ياسر الزعاترة

الأربعاء 26 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1809
قميص محمود درويش والكذب على الأحياء * ياسر الزعاترة

 

هي المصادفة وحدها التي أدت إلى أن يقرأ (يونس أبو جراد) أحد المقالات (هناك مقالات أخرى) حول حلقة من برنامج ثقافي يقدمه على فضائية الأقصى وكانت عبارة عن حوار مع الشاعر المصري عبد الرحمن يوسف حول محمود درويش ، فكان أن رد عليها (وضع الرد في بريد القراء والأرجح أن قلة هم من اطلعوا عليه). ولولا ذلك لمرت الفرية القائلة بأن الفضائية التي تنطق بلسان حركة حماس قد أوسعت محمود درويش شتما ، ووصل الحال حد التعريض بأمه عليه وعليها رحمة الله.

مقدم البرنامج أكد أن ما قيل عن الحلقة وإساءتها للشاعر الكبير لم يكن صحيحا على الإطلاق ، وأنه كمقدم للبرنامج كان أقرب إلى تقريع الشاعر المصري بسبب قصيدته التي كان فيها ما يشبه الهجاء لدرويش وعنوانها "إعتذر عما فعلت" ، وجاءت كنوع من المعارضة لقصيدة درويش "لا تعتذر عما فعلت" ، والتي كانت عنوانا لأحد دواوينه.

ليس موضوع درويش هو محور هذه السطور ، فأنا شخصيا كنت ولازلت أراه شاعرا عظيما لم تعرف العربية شاعرا بمستواه خلال القرن الماضي والحالي (ثمة بالطبع من يرون غير ذلك) ، وهو لم يكتب نصا نثريا أو شعريا إلا وقرأته ، أحيانا أكثر من مرة ، ليس من باب البحث عن الكفريات فيه ، وقد كان في نصوصه بعض منها ، ولكن من باب الاستمتاع بجودة شعره وروعته التي غابت عن دنيا العربية ، بخاصة خلال العقد الحالي والماضي بسبب موجة ما بعد الحداثة التي أرهقت درويش شخصيا ، تماما كما قضت عمليا على الشعر كبضاعة لها رواجها بين الناس وتأثيرها فيهم.

كل ذلك لا يعني بحال تجريم النقد السياسي لمحمود درويش ، بل وحتى النقد المتعلق بالمضمون والبعد الفني لشعره ، وقد انتقد الناس طوال القرون مواقف المتنبي السياسية رغم إقرارهم بعظمته كشاعر.

شخصيا واجهت معضلة التجريم تلك عندما كتبت عن الرجل إثر موته ، إذ أن تركيزي على عظمته كشاعر ، لم يغفر لي عند البعض حديثي عن إهماله الكامل للشق الإسلامي من تاريخ النضال الفلسطيني رغم أهميته ورمزيته في الوعي الجمعي لجماهير فلسطين والأمة عموما ، ولم يذكره إلا في معرض الهجاء إثر الحسم العسكري في القطاع.

لا مكان للتقديس في ميدان العمل العام ، والرجل لم يزعم القداسة ، كما أنه لم يكن معنيا بقضية الإيمان كما تقول نصوصه وحياته الشخصية ، ومع ذلك لم يكن من قيادة حماس غير الإشادة به والترحم عليه ، الأمر الذي نسيه كل أولئك وراحوا يتاجرون بحكاية تبدى أنها كاذبة.

في زمن الفضائيات والإنترنت صار بوسع أي أحد أن يكذب بالطريقة التي يريد ، ويستخدم الكذب سلاحا في الخصومة السياسية (فرض الحجاب في المدارس هو آخر الأكاذيب). هل رأيتم حكاية الرمي من فوق الأبراج التي تتردد في كل مقال وتعليق للقوم إياهم في سياق من هجاء حماس؟ إنها محض كذب ، وقد اعترف توفيق أبو خوصة ، أحد مسؤولي فتح في القطاع قبل الحسم العسكري بأن جماعته هم من رموا الشاب من فوق البرج بعدما اعتقدوا أنه من حماس بسبب لحيته ، ثم تبين أنه من فتح (الاعتراف موجود على اليوتيوب).

لا تسأل بعد ذلك عن حمى الأرقام ، أرقام القتلى والجرحى التي يوزعونها في المنتديات ، وهي في معظمها كذب في كذب ، فضلا عن تجاهلها لحقيقة أن ما وقع كان اقتتالا جاء على خلفية رفض فريق الاعتراف بنتائج الانتخابات وإصراره على الانقلاب عليها بالتعاون مع الجنرال دايتون ، وهي القضية التي افتضحت وعلم بها العالم أجمع ، بل وقعت مساءلة الجنرال نفسه بسببها ، قبل أن يطلب منحه فرصة أخرى للعمل في الضفة ، فكانت نجاحاته الكبيرة التي يتابعها الجميع. والنتيجة أن ثمة فرق كبير بين من قَتل دفاعا عن النفس والحق ، وبين من قَتل دفاعا عن الباطل.

لحماس أخطاؤها ، وشخصيا كتبت عنها مرات عديدة ، وهي أخطاء نتجت عن اجتهاد لم يكن صائبا تمثل في خوض انتخابات سلطة صممت لخدمة الاحتلال ، ولكننا قلنا في المقابل إن الأخطاء والخطايا لا تتساوى ، وقديما قال الإمام علي كرّم الله وجهه "ليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه".



التاريخ : 26-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش