الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ينبغي أن نحاطب أنفسنا

د. رحيل محمد غرايبة

الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
عدد المقالات: 469


ليس لدينا مفر من التعامل مع الحقيقة المرة، وليس أمامنا بديل إلّا أن نخاطب أنفسنا بأنفسنا، وأن نتوجه بالنداء إلى ذواتنا، وليس لنا إلّا أن نستيقظ من الأحلام الوردية التي أودت بنا إلى أسوأ العواقب، وألقت بنا في جب العقارب والأفاعي والكوابيس المرعبة.
نحن في السنوات السابقة تعرضنا لخديعة كبرى من خلال البعض، وأصحاب ألعاب الخفة، الذين يخرجون من قبعاتهم أرانب بيضا، بعد أن تم وضع مناديل من القماش، أو أن يخرج من جيب طفل ساذج متفرج حمامة جميلة، أو أن يتم استبدال الورقة التي تم وضعها في يد امرأة بلهاء إلى قطعة ذهبية أمام جمهور كبير من المتفرجين المسرورين والمندهشين في خيمة السيرك العملاقة.
نحن الشعب الأردني كنا هذا الجمهور من المتفرجين؛ الذين يشاهدون ما يجري على خشبة المسرح، كثير منا كان يعيش الدهشة والحبور، والتصفيق لخوارق أصحاب السحر ومهارتهم الاعجازية، وهناك قلة قليلة كانت تدرك السر العميق الذي يقف خلف كواليس ألعاب خفة اليد التي يطلق عليها «السحر»، كل ما جرى من بيع قطاع الدولة العام والأصول الثابتة التي بنيت بعرق الآباء والأجداد، وبيع الشركات الرابحة، وإنشاء المؤسسات والهيئات والصناديق، كل ذلك كان من أجل القضاء على الدين، وتعظيم الانتاج وتشجيع الاستثمار وتنمية الموارد، ومعالجة الترهل الإداري ووقف الهدر العام، لكن الذي جرى أن الدين العام زاد وتضخم العجز وتضاءل الانتاج وزاد الانفاق وقلت الموارد.
لقد آن الأوان للاستغناء عن المنح الخارجية تماماً، وآن الأوان لوزارة التخطيط أن تبشرنا بوضع خطة للاعتماد على الذات، وأن تخلو موازناتنا القادمة من بند «توقع المنح الخارجية» وأن لا يتم إطلاق أي تبرير لارتفاع المديونية الأردنية بأن المانحين لم يفوا بوعودهم أو تخلف أحدهم عن دفع مستحقاته التي تعهد بها، ولذلك نحن بحاجة إلى قلب مهمة وزارة التخطيط ورسالتها، بحيث تصبح متمثلة  بالعمل على تصميم خطة اقتصادية وإدارية ذاتية تماماً؛ تجعلنا خلال خمس سنوات - على أبعد تقدير- لسنا بحاجة إلى استجداء قريب أو بعيد، وأن نصمم نفقاتنا على مواردنا تماماً، وأن يتم تقويم نجاحنا بقدرتنا على تعظيم مواردنا وانتاجنا الذاتي، وضبط عملية الانفاق على هذا النحو الحقيقي في الانتاج.
في متابعة سريعة لمنحنى الانتاج في بعض سلعنا الغذائية الضرورية، نقف على حقيقة مذهلة، تجعلنا مضطرين إلى إعادة حساباتنا قبل وقوع الكارثة، نلاحظ بحسب الارقام وعمل مقارنة لطيفة بين عامين متباعدين : كان انتاج القمح لدينا عام (1967) يقدر بـ: (226ألف طن) وكان يغطي وقتها يغطي(77%) من حاجاتنا البالغة (293ألف طن).
بينما بلغ الانتاج في عام (2005) (55 ألف طن) والتي تغطي (3%) من حاجتنا التي تبلغ (900 ألف طن)، هذا الانحدار الشنيع في كميات الانتاج ليس مقتصراً على القمح، بل ينطبق ذلك على الشعير والأعلاف والبقوليات، وكذلك ينطبق على انتاج بقية أنواع الأغذية الرئيسية.
إذا تم الاطلاع على الجداول والإحصائيات المنشورة لدى المنظمة العربية للتنمية الزراعية وبعض المؤسسات المختصة، نجد بوضوح تقلص المساحات المزروعة، ونقصانا كبيرا في كميات الانتاج، ونقصان حصة الفرد، ونقصان النسبة المئوية في الاكتفاء الذاتي سنة بعد سنة، مع أن نسبة التعليم تزداد، ونسبة أهل الاختصاص في حقول المعرفة المختلفة تزداد، بالإضافة إلى تحسن وسائل التقنية الحديثة، وتطور ملحوظ في أساليب الري وتعظيم كميات الانتاج.
 لا يجوز لنا إلّا أن نجعل من أنفسنا مجتمعاً كفيّاً، قادراً على بناء نفسه بنفسه، يملك دولة حديثة، وجهازاً إدارياً فاعلاً، بفضل الإنسان الأردني المتعلم، ونحن نستطيع أن نكون رقماً صعباً في المنطقة، بشرط امتلاك القدرة على اجتثاث الفساد، ووقف الهدر في الموارد وإحداث رقابة صارمة على المال العام، وهذا ليس ضرباً من المستحيل بل تستطيعه كل  الشعوب الحية وهناك تجارب ناجحة عديدة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش