الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تكنولوجيا الكذب،،

خيري منصور

الأحد 4 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
عدد المقالات: 1791
تكنولوجيا الكذب،، * خيري منصور

 

قبل اختراع الموبايل لم يكن ممكنا لمن يرد على هاتفه الارضي ان يزعم بانه خارج البيت او يقضي اجازة في مكان ما ، لهذا يعتبر هذا الاختراع الشيطاني بداية لتكنولوجيا الكذب ، خصوصا بعد ان اضيفت اليه خدمات من طراز هدير البحر او اصوات الطيور والحيوانات في حدائقها ، حتى المآتم والاعراس لها حصتها في هذه التكنولوجيا. بحيث يستطيع المرء ان يزعم بانه في اي من هذه الامكنة ما دامت القرائن موجودة ومصنعة بمهاراة واتقان..

في الماضي كان الناس يبرئون الكذب اذا كان ابيض ، لكنهم اكتشفوا بمرور الوقت ان الكذب لا الوان له ، وانه كذب ولا شيء اخر فما يبدأ ابيض قد يصبح رماديا ثم ينتهي الى لون الفحم، وهناك مسرحية شهيرة لالبير كامو عن نتائج الكذب الابيض الكارثية ، تدور حول ام وابنتها تديران فندقا ، وحين يقع في الكمين نزيل ثري يتعرض للسلب وربما الموت ، اذ طالما القيت بالضحايا في البحيرة القريبة من الفندق ، وذات يوم قرر الابن الغائب وشبه المنسي ان يفاجئ أمه واخته بما جنى من مال ، فغير اسمه ونزل في الفندق لتنتهي الحكاية بقتله واغراقه في البحيرة ، واكتشفت الام وابنها ان الضحية هذه المرة هو الابن الغائب ، لكن بعد فوات الاوان..

وحين سئل كامو عن مغزى مسرحيته في حوار اذاعي ، قال.. ان الهدف منها هو ادانة الكذب حتى لو ادعى البراءة وارتدى اللون الابيض،

ظواهر عديدة في التاريخ تطورت ، واصبحت بحاجة الى اعادة تعريف منها الفقر مثلا ، ففقراء الخمسينيات من القرن الماضي ليسوا هم فقراء ايامنا ، فالفقير كان من لا يجد ما يسد الرمق او يعيش على الرصيف ، اما فقراء اليوم فهم من يملكون سيارات قديمة نسبيا ، ويستخدمون هواتف رخيصة ، ولا يستطيعون الكافيار الروسي والكريستال التشيكي.

والكذب ايضا اصبح بحاجة الى اعادة تعريف ، فالانسان البدائي يكذب بسبب الحاجة او الخوف تماما كما تكذب الحرباء حين تغير لونها طلبا للنجاة او كما تكذب النعامة حين تدفن رأسها في التراث ثم تدفع الثمن. لان استراتيجيتها الدفاعية الخرقاء لا تحميها،

لقد تطور الكذب ايضا ، واصبحت له ادواته الحديثة ، وقرائنه المصنعة ولم يعد تعبيرا عن حاجة او طلبا للنجاة. بل هو حرفة يمتهنها اناس يحلمون ببناء ابراج من الثلج تذوب لمجرد ان تشرق الشمس. تماما كما ذابت اجنحة ديدالوس اليوناني وسقط مضرجا بدمه لانها كانت من شمع.

لقد كان شعار جوبلز النازي.. الكذب واكذب حتى يصدقك الناس.. اما الشعار الان فهو اكذب واكذب حتى تصدق نفسك فترى السراب نهرا والحصاة جبلا والمشجب امرأة،

ان تكنولوجيا الكذب تذكرنا بما أسماه العالم البريطاني موريس القرد العاري عندما قال ان الحلقة المفقودة في نظرية التطور لداروين يمكن العثور عليها ، من خلال كائنات تذهب في الكذب الى اقصاه وتحتال كي تنال ما تحلم به ، ومن الامثلة رجال يبدون اشداء وذوي اصوات ذكورية امام زوجاتهم وابنائهم ، لكنهم يتأنثون ويتقزمون وينعمون اصواتهم امام السادة الذين يطلبون ودهم ويحاولون استرضاءهم لنيل مطلب ما..

ويبدو ان للتقدم العلمي وجها اخر.. فالهاتف والفاكس والانترنت تحولت من ادوات لاختصار الوقت والتثقيف الى ادوات مضادة لتكريس التنمية وتبديد الوقت ، خصوصا في البلدان التي تضع قدما في القرن التاسع عشر واخرى في القرن الحادي والعشرين...

فماذا سنفعل ازاء هذا التحالف بين تكنولوجيا الابادة وتكنولوجيا الكذب؟؟



التاريخ : 04-10-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش