الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عطاف القواسمي .. حين تموت الأمهات بينما الأبناء خلف القضبان

ياسر الزعاترة

الخميس 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
عدد المقالات: 1809
عطاف القواسمي .. حين تموت الأمهات بينما الأبناء خلف القضبان * ياسر الزعاترة

 

لا يعرف فلسطين ولا أهلها من تدفعه زغاريد الأمهات الفلسطينيات في أعراس الأبناء الشهداء إلى الاعتقاد بأنهن أقل حنانا من سواهن. هنا في فلسطين لم تحمل الأمهات فلذات الأكباد "وهنا على وهن" كسائر الأمهات فقط ، بل حلمن بهم ورعينهم وهنا على وهن ، وحزنا على حزن ، وخوفا على خوف أيضا.

هنا تحمل الأمهات من أجل أن يعشن الأمومة بكل تفاصيلها الحميمة. ويحملن ويلدن من أجل الجنّة التي تسكن تحت أقدام الأمهات الصابرات. وهنّ يحملن ويلدن من أجل مواجهة أعباء الحياة التي تغدو أصعب من القدرة على الاحتمال من غير رجال يزرعون الأمل في تراب البيادر وبساتين المستقبل. وهنّ يحملن ويلدن أيضا من أجل مواجهة الاحتلال الذي لا بد له من رجال يواجهونه ويثخنون فيه كما أثخن في أرضهم سرقة وتهويدا ، وفي أحبتهم قتلا وتشريدا.

من أجل ذلك يكون الخوف عنوان الأمومة ، كما يكون البذل والعطاء شعارها أيضا ، لكنه خوف لا ينتج الجبن والخور ، بل ينتج المزيد من العطاء ، لأن فلسطين تستحق ، ولأن الجنة تستحق ، ولأن رب العزة وعد الصابرين بأن يوفيهم "أجرهم بغير حساب".

تلدُ الأمهات الفلسطينيات المؤمنات الرجال فينذرنهم لفلسطين ، سواء منهم من قتل شهيدا ، أم قبض أسيرا ، أم ظل على الدرب يجاهد من أجل أن تبقى الراية مرفوعة: راية الرفض لغزاة أغراب يدنسون هذه الأرض المقدسة التي بارك الله فيها وحولها.

قبل أيام توفيت واحدة من أجمل الأمهات الفلسطينيات. إنها الحاجة عطاف القواسمي 62( عاما) ، من مدينة خليل الرحمن ، والتي فارقت الحياة بعد مسيرة صبر تنوء بحمله الجبال ، تماما كما هو حال أخوات لها ، لبعضهن مثل سجلها وأحيانا أكثر من الصبر والاحتساب.

أسلمت الحاجة عطاف الروح على مرمى حجر من روائح أبي الأنبياء التي تشع بالبركة والنور ، وتذكّر أهلها بالخليل (الأب والجد) الذي قدم فلذة كبده طائعا لربه ، وبالابن الذي قال لأبيه "يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين".

فارقت الحاجة عطاف الحياة ، بينما لم يتمكن فرسانها الثلاثة (طارق ، عماد وإياد) الذين علمتهم البطولة والرجولة من تقبيل جبينها ويديها بسبب وجودهم في الأسر ، لكنهم كانوا معها ، حيث كانت تلهج بأسمائهم داعية لهم بالفرج وبالرضا والقبول من رب كريم عظيم.

بحسب مركز أحرار لدراسات الأسرى ، فإن للأبطال الثلاثة وشقيقهم الرابع سيرة رائعة من البطولة والعطاء. فقد اعتقل عماد 37( عاما) أول مرة عام 1994 ، وحكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات ونصف بتهمة تقديم الدعم اللوجستي لكتائب الشهيد عزالدين القسام ، وجاء اعتقاله الأخير عام 2004 خلال عملية عسكرية واسعة تبعا لأهميته في كتائب القسام ، وخضع إثر اعتقاله لتحقيق قاس وعنيف كاد يودي بحياته ، ثم صدر بحقه حكم بسبعة عشر مؤبدا بتهمة التعاون والتنسيق مع الشهيد عبدالله القواسمي في عدد من العمليات المهمة. يقبع عماد في سجن رامون ، وهو متزوج وله ثلاثة أبناء.

الثاني إياد الذي يقبع في سجن النقب الصحراوي ، وقد اعتقل أول مرة عام 1995 ، حيث كان من أوائل الذين انضموا للعمل في صفوف كتائب القسام في سن صغيرة ، وخضع لتحقيق عسكري وهو لم يتجاوز 19 عاما ، ثم حكم بالسجن ثلاثة عشر عاما أمضاها متنقلا بين السجون المختلفة ، ثم أعاد الاحتلال اعتقاله العام الماضي وحكم عليه بالسجن سبعة وعشرين شهرا ، وهو متزوج ولديه طفلة واحدة.

النجل الثالث للحاجة عطاف هو الأسير طارق الذي اعتقل في المرة الأولى لعامين اثنين ، ثم جاء الاعتقال الثاني منذ عام ونصف وهو يقبع الآن في سجن السبع "إيشل" ، ويمضي حكما بالسجن لأربعة أعوام بتهمة إيواء عناصر من كتائب القسام ومساعدتهم في مدينة الخليل ، وهو متزوج ولديه أربعة أبناء. أما شقيقهم الرابع والأكبر (زياد) فقد اعتقل ثلاث مرات أمضاها في الاعتقال الإداري وقد أفرج عنه من الاعتقال الأخير قبل فترة قصيرة.

تعود الحاجة عطاف إلى ربها راضية مرضية ، مطمئنة إلى وعد ربها الذي يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب ، بينما يذرف الأبطال الدمع من وراء الأسوار ومن حولهم يلتف زينة الرجال.

سلام على فلسطين وأمهاتها وأسراها ، وعلى الشهداء ومن يسيرون على دربهم إلى يوم الدين.



التاريخ : 05-11-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش