الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عسكر في الدفاع المدني

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

السبت 12 كانون الثاني / يناير 2013.
عدد المقالات: 1837
عسكر في الدفاع المدني * ابراهيم عبدالمجيد القيسي

 

الأردنيون كلهم؛ يملكون مخزونا طبيعيا من النخوة في الملمات، لكنهم أحيانا يتأخرون في استنطاقه، إلا العسكر، كل العسكر، مفطورون على حب الوطن وفدائه، ويعتبرون سبب وجودهم الأول هو حماية الوطن والمواطنين والقيادة، فهي حسب تربيتهم العسكرية المتجذرة في النفس الأردنية الطيبة.. مقدسات، والموت في سبيلها شرف، لا يدانيه شرف..

اكتب هذه المقالة بناء على موقف ما زلت أعيشه حتى الآن، سببه الطوفان الكبير، الذي نتعرض له بكل سرور ودهشة، حين يهطل مطر الخير بهذه الغزارة والكثافة، فتنكشف عيوب البنى التحتية والفوقية، وينهمك كثيرون بالتندر ومهاجمة المؤسسات والشخوص، لكن الرجال الأوفياء للناس وللوطن الذين نذروا انفسهم للظهور في الملمات، لا ينخرطون في شيء، سوى الانهماك حد الفداء الكامل بحياة الناس وأمنهم وراحة بالهم..

اجتاح الطوفان حي الجامعة الأردنية التابع لمنطقة الجبيهة، وجاءني جاري أبومجدي مستنفرا، فرأيت الشلال الكبير يتدفق بغزاره الى كراج عمارتنا، وقد بلغ ارتفاع الماء أكثر من متر، فقمت على الفور بالاتصال مع الأمانة، وأمام انشغال الهواتف جميعها، هاتفت أمين عمان، الذي خاطب مدير منطقة الجبيهة، فهرعوا الى المكان، مدججين بالآليات، وقاموا على الفور بإغلاق طريق جريان الماء الى العمارة، لكن الماء ارتفع في الكراج ووصل فعلا الى «عداد كهرباء منزلي فقط !» وهنا بدأت المعاناة، فالماء اصبح يتدفق بشكل بسيط الى الكراج، وموظفو الأمانة منشغلون أو ربما مضطربون من كثرة النداءات، لهذا كان الماء يزداد وماتورهم الوحيد لا يكفي لتسريب الماء الذي يتشرب، ولا يمكن أن يتعامل ماتور ضخ واحد مع مسطح مساحته 500 متر يمتلىء بماء على ارتفاع مترين، وفي اليوم التالي ارتفع الماء أكثر من السابق، فاتصلت برجال الدفاع المدني، الذين لبوا النداء بسرعة، وكان الموقف يستدعي «مقارنة» بين موظف مضطرب او متعب، وبين عسكري في الدفاع المدني..

حضر للموقع قائد عمليات انقاذ الوسط، ومعه فريق من عسكر متأهبون لمواجهة الظروف الخاصة، وبعد الاطلاع، قال النقيب عبدالكريم: الماء تدفق وانتهى الأمر، ولا يوجد حالة تتطلب تدخلا لإنقاذ، لكن خطر الماء يداهم العمارة والتجهيزات والكهرباء، ولدينا حالات أكثر خطورة، لذلك سنضع مضخة واحدة هنا، وهذا عسكري من رجالنا يشرف على العملية، وعلى الجهات الأخرى ان تقوم بواجبها أيضا، فنحن نعمل في الانقاذ وفي الحالات الأكثر خطورة، وقام العسكري بتشغيل المضخة، ووضع «قلن بنزين» لإمدادها بالبنزين وعدم توقفها، وبقي العسكري ثابتا واقفا على الثلج لمدة زادت عن 6 ساعات، وقال لي الجيران أنه لم يقبل ان يشرب الشاي او القهوة او يختبىء عن الثلج المنهمر بكثافة!

بعد أن استنفذت جميع سبل التخلص من الماء بسرعة ولم أفلح، هاتفت أمين عمان وقلت له: أنا أعلم تماما مقدار انشغالك بالعاصفة، وأستطيع ان أتفهم حالة الحرج والضغط التي تقع على الأمانة وكوادرها، لكني أريد توجيه نصيحة لمعاليك بشأن بعض موظفيك هنا، قال ما بالهم.. فسردت له الحكاية، والتهرب الذي يقوم به موظفون صغار لا ينفذون التعليمات، ويتواطؤون .. قلت للصديق المهذب أمين عمان: هؤلاء يجب محاكمتهم والسجن عليهم قليل..»سوف اكتب لكم في هذه الزاوية بتفصيل أكثر عن هؤلاء».

هل تستطيعون تمييز حجم الفرق الشاسع بين موظف «سويل» يرتدي «بدلة» وبين عسكري تسمر في الثلج 8 ساعات بلا طعام ولا شراب، ولم يتوقف أو يتصل بقائده الا حين انتهى البنزين في مضخته أو اقترب على النهاية.. هذا رجل عسكري أجزم أنه من قرية جنوبية او شمالية او في البادية، نائية، وأهله في ظروف تشبه هذه الظروف، وهو يقف على مضخة ماء في الجبيهة، ويؤدي واجبه بكل خشوع .. تماما كخشوع العابد في صلاته..

مثله فقط هم ثروة الأردن وقرة عينه، حفظ الله رجال الدفاع المدني وكل العسكر.. هم فقط رأس مالنا وذخيرتنا.



[email protected]

التاريخ : 12-01-2013

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش