الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سيل وفقاعات

رمزي الغزوي

الاثنين 14 كانون الثاني / يناير 2013.
عدد المقالات: 1959
سيل وفقاعات * رمزي الغزوي

 

كنا نسرق ما تيسر من ماء ، ونعدو إلى علبة السيرف (منظفة غسيل)، نخطفُ منه قبضة، ونقطع شبراً من بربيش الماء، ونعتلي صهوة البيت، (ندندلُ) أرجلنا مراجيح للريح. ونبدأ بإطلاق فقاعاتنا الهوائية. غير آبهين بعقاب يتلمظ علينا حين نؤوب لحوزة الأمهات في الغروب.

ننفخ ببربيشنا الصغير، بعد غمسه أكثر من مرة في الماء المُصوبن الراغي، فتنطلق الفقاعات بارقة لامعة في عين الشمس. نفرح بها، ونشجعها بالصوت، كأنها حصان يطير، ونتراهن أينا ستصل فقاعته لسابع سماء، أو أبعد بقليل.

في الغالب كانت تخذلنا الفقاعات، ليس لأنها ما تلبث أن تنفجر، وكأنها ما كنزت أنفاسنا الحرى، بل لأنها تنحدر إلى قرب الأرض، يتلقفها أطفال أصغر منا، ويناطحونها برؤوسهم، فتنفجر ضحكاتهم من فشلنا في إنتاج فقاعات لا تحطُّ أرضاً: خسارة.

في ثلجنا الأخير بكيت بقهر طفل انفجرت كل فقاعاته. فملايين السوريين في برد مخيمات اللجوء، لم يكونوا سوى فقاعات في نظر رئيسهم طبيب العيون، في رغيانه الأخير في دار الأوبرا. كل هؤلاء البشر، ليسوا سوى هباء منثور، أو لا شيء. فقط فقاعات صارت تقاوم الثلج، وقلة الطاقة، وحكة الجوع. لكنه تطير إلى سابع وجع، أو أبعد من أي قهر، يتخيله إنسان.

يحق للطغاة في ربع ساعتهم الأخيرة، أن يرغوا ويزبدوا، ويطلقوا فقاعاتهم الغبية البلهاء، ليس لأنهم انفصلوا عن واقعهم، ولم يعودوا يرون الحياة والحقائق كما هي. بل لأنهم في خروجهم عن المألوف، يعتقدون أن خلودا سيتلبسهم، في صفحات التاريخ.

لمحت تشابهاً كبيراً بين الجرذافي (القذافي)، عندما صدح بطريقة مسرحية: من أنتم؟!، وبين طاغية الشام، مع فارق خفة الدم، حين رغا مطلقا فقاعاته، واصفاً الثوار، وكل من أراد الحرية والكرامة من شعبه بأنهم فقاعات.

فأي غرور هذا، وأي تكبر، واستعلاء، وأية عجرفة وفجاجة، أن يصبح الستون ألف شهيد، لا شيء في نظر من يموت، وأن تصبح كل الدماء التي سالت والأوجاع التي بلعت، والآهات التي سفحت، لا شيء. أية حالة تتلبس الطاغية قبل أفوله بقليل؟!. أما كان عليه أن يعتبر من نهاية الجرذافي المصرفية؟!.

ليسوا فقاعات، إنهم السيل جارف، وقد يحتمل السيل زبداً، وقد تعلوه فقاعات، كما يعتلي الطغاة ظهر شعوبهم. لكن ما يمكث في الأرض هو الماء. أما الزبد فيذهب جفاء منسياً. إنهم السيل المنطلق هادراً، ولن يعود لمنبعه أبداً. أما الرغوة فتطيش وتزهو بالفقاقيع فوق السطح قليلاً، ولكنها عما قريب، ستنفجر إلى أدراج النسيان.

التاريخ : 14-01-2013

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش