الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وجع من الجنوب : الثقة هناك.. الجنوب كرامة النفوس تأبى على الفقر أن يتكلم

تم نشره في الأحد 29 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 مـساءً
وجع من الجنوب : الثقة هناك.. الجنوب كرامة النفوس تأبى على الفقر أن يتكلم

 

د.مهند مبيضين



اينما يممت فثمة جنوب، وجنوبنا كغيره، مثقل بالتاريخ، وبقايا الأمبراطوريات ودم الشهداء ورياح الحرية التي لطالما تلمسها الناس هناك تمر بين اناملهم، فإذا بهم يقاتلون ويستشهدون في سبيلها، يوم كانت ثورة عربية ثم مع الوطن وجيشه العربي في معاركة الخالدة، ومن ثم في رياح التغيير الكبير التي هبت ذات صباح من نيسان العام 1989.

هناك ثمة بقايا حلم كبير، وتضحيات ومُهج بذلت الغالي والنفيس لاجل الوطن، ولكن الصور التي تنبئء عن فقر وعوز وتهميش، بذات القدر فيها من الصبر والحب والولاء، فلا يجهلن أحد على اهلنا هناك بوطنيتهم.

وكلما أوغلت بالذاكرة والصور ولومن باب التوثيق لترسلها إلى المسؤول، تجتاحك الحيرة والتردد، فهؤلاء المسؤولون إن مروا لا يلتفون إلى أن اطفال الدامخي والسلطاني وجرف الدراوش والقطرانة، تذر في أعينهم غبرة الأرض وهم يلعبون كرة القدم، لان ملاعبهم من صنع ايديهم، ولو توجه وزير الشباب إلى الشركات الكبرى في الجنوب لأسهم في تجهيز مساحات معقولة ومحمية من خطر الطريق الدولي، ولكن هيهات لمن يسمع او يجيب، وفي صور ملاعب اطفال الجنوب ما يغني عن كل وصف.

وحين تأتي الصور إلى مكتب رئيس التحرير يرى نشرها ضرورة، لأنها جزء من حياة الناس التي تنذر الصحافة الحرة الجهد الكبير لنقل تحدياتهم بها، ولأن الصورة تظل جزءا من زمانها، فهي صور لمناطق الجنوب الممتدة على حافة الطريق الصحراوي، ولو أوغلنا اكثر لاكتشفنا الأمر والاكثر إيلاما. وصورنا هنا تعود لاسبوع مضى من هذا العام.

في مداخل لواء القطرانه والحسا ما يطرح السؤال عن عجز التنمية والدور الاقتصادي للمصانع المترامية هناك، فمنذ عقود والطريق ذات الطريق والمداخل على حالها، إن في الحسا اوالقطرانه اوالسلطاني فلا مساحات خضراء ولا أرصفة معقولة، ولا مرافق خدمية أو سياحية جيدة إلا بالقدر اليسير الذي يساهم به القطاع الخاص.

هناك في الجنوب محطات ذاكرة وطنية، وأرض غالية على أهلها الذين كانوا من أول من انضم لمشروع التحرر العربي العام 1916 ثم هم من أوائل من بايعوا الدولة وملوكها الهاشميين على الانتماء والولاء للوطن والقيادة، ولكننا كلما اقتربنا أكثر داهمنا شيئان: الصمت المطبق على الأرض وعلى وجوه الناس، والفقر الذي يتبدى في القرى ومداخلها وفي احوال اهلها، ولكن ميزتهم أنهم كبار في فقرهم ولهم من الكبرياء ما يجعل سؤال الحاجة عصيا على أن تنبس به شفاههم.

في البتراء والطفيلة والشوبك والحسا، فقر وبطالة وتنمية غائبة، وشعور بالتهميش، ومع ذلك، هناك لا تستعصي الحلول، ولو آمن اصحاب القرار باهمية تنمية الجنوب لما استغربوا كيف يخرج الناس محتجين، وفي أرضهم المصانع الكبرى والثروات الأهم في دعم الاقتصاد الوطني.

ليست الصورة وحدها تتحدث، ولكنه العتب الساكن الذي يولد غضبا في أي لحظة، على السياسات الاقتصادية، وعلى التخطيط المعوج، وعلى التجاهل والفوضى التي لا تشترط على أي مستثمر تطوير المجتعمات المحلية، ويتم الاكتفاء بهبات موسمية غرضها الإعلام وليس أكثر.

في وادي موسى واقع سياحي يحتاج إلى دعم مباشر، وفتيات تزداد نسبة البطالة بينهن بشكل كبير، وفي الطفيلة كذلك، برغم الكثير من مجالات الاستثمار، الا ان الصورة فيها ليست كما الوصف في عمان، فالأرض الزراعية ممكن التوسع بها، والثروات المعدنية والسياحة العلاجية والدينية متوفرة، والوقوف في رحاب ضريح الصحابي الجليل الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله إلى ملك بصرى الشام، يذكر بزمن الشهادة والفتح، ولكنه مقام تندر زيارته، وكأنه مجرد طلل!

هناك في الجنوب بين وداي موسى والطفيلة نمر بالرشادية وفيها مصنع اسمنت الجنوب، يبدوكجثة هامدة، كأنه وحش يلتهم خيرات الأرض، ولا أثر تنموي له في القرى التي حوله، وما أصعب على الأنسان من أن يرى كائنا صناعيا يأكل خيراته طوال عقود دون أثر مجتمعي، وهنا يتذرعون بأنه يشغل ابناء المنطقة، وهذا صحيح، لكن ما حق المنطقة عليه؟

في الطريق الواصل بين وداي موسى والطفيلة لا استراحات ولا محطات وقود، ولا يمكن للمرء ان يجد مكانا يشرب به فنجان قهوة، فقط ثمة وجوه صادقة لاناس أحبوا جنوبهم وارضهم وظلوا فيها باقون، لعل الغد يكون أفضل! ووقفة واحدة على أطلال جبال الشراه وبداية مداخل محمية ضانا تكشف عن حجم ما أهملنا من ثروة وطنية كان يمكن ان تنقل حياة الناس هناك إلى واقع أفضل.

في الجنوب الصور لا تنقل المشاعر وحسب، ولكنها تذكرنا باسئلة الأقتصاد الباردة، واحاديث النخبة العمانية التي تعلق على سطح الظواهر، ولا تصل لتلك المناطق، وإنما تتكئ على صدى الحراك الشعبي فيها. وكانها تسعى إلى كسب ثقته فقط، وهذا المنزع لا يؤدي إلى نتيجة بقدر ما يعاظم العلل ويزيد الجفاء بين الدولة وناسها.



[email protected]

التاريخ : 29-01-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش