الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خاطرة طلابية : المـرأة العـاملة

تم نشره في الثلاثاء 3 تموز / يوليو 2012. 03:00 مـساءً
خاطرة طلابية : المـرأة العـاملة

 

في أحد الأيام كنت عائدةً من المدرسة، فاستوقفني أمرٌ غريب ومثير، شاهدت امرأة تقود سيارة أجرة توصل بها الناس من مكان إلى آخر ، تعجبّت من أمرها كثيراً فاستمريت بالمشي وأنا أفكر في ذلك الموقف الذي أثار في نفسي الدهشة.

ودار في ذهني العديد من الأسئلة ...

لماذا تقود المرأة هذه السيارة .... ؟

ما السر في ذلك الأمر .. ؟ ألا تخشى كلام الناس ... ؟

وقد بقي ذهني يعصف بالأسئلة المحيرة وإذا بنفسي أمام بيتي...رحبت بي أمي وسألتني عن يومي الذي قضيته في المدرسة ولكنني لم أدرك أي شيء مما قالته .. وكأنني في عالم آخر.

قالت لي أمي : ما بك يا ابنتي حائرة ؟

قلت لها : لا شيء.. لا شيء يا أمي.

أمسكت بيدي وقالت: هل أنتِ بخير ؟

قلت: نعم ، ولكن اليوم شاهدت امرأة تقود سيارة أجرة فتعجبت من هذا الأمر كثيراً وتساءلت لم تفعل هذا .. ؟ ما رأيك بهذا الموقف ألا يدعو إلى الحيرة والاستغراب.

أمي : بنيتي .. ليس بالضرورة أن يكون العمل كما يريد الناس... فالعمل الحلال يكسب الرزق الحلال .. أياً كان.

قلت : ولكن لماذا هذا العمل بالتحديد .. ألا يوجد أعمال أخرى تستطيع القيام بها من أجل كسب الأموال.

أمي: ولكنك لا تعلمين ما الدافع وراء جعل هذه المرأة سائقة لسيارة .. وهذا يتطلب منا البحث في أصول المشكلة لنجد الحل الأمثل.

وفي اليوم التالي، تأخرت عن المدرسة فقررت أن أركب سيارة للأجرة لتوصلني إلى مدرستي.

أوقفت سيارة أجرة مرت بجانبي .. ركبت بها بسرعة .. ولم انتبه حتى إلى سائقها.

وبعد أن هدأت قليلاً ..نظرت إلى المرآة حتى أعطي السائق الأجرة وإذا بتلك المرأة نصب عيني .. نظرت إليها بدهشة وأخذ لساني بالتكلم معها وطرح الأسئلة المتواصلة.

ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ ما الذي دفعك إلى قيادة السيارة ؟ ألا تخشين كلام الناس الجارح ونظرتهم السلبية التي سيوجهونها اليك؟

نظرت إليّ وقالت : اربطي حزام الأمان

ضحكت وقلت : هل جننتِ .. ما بكِ؟

قالت بشدة : اربطي حزام الأمان.

لم أصغ إليها ولم أهتم بما قالت .. وفجأة .. قادت السيارة بسرعة فائقة...

قلت لها : أيتها المرأة .. ما بك هل جننت؟

لم تستمع لكلامي .. قلقت كثيراً وخفت من العواقب التي ستحل بي و بها.

وبعد لحظات ... أوقفت السيارة...

قالت لي : أخرجي من السيارة...

ولكنني لم استمع لكلامها ، وبقيت في الداخل.

خرجت من السيارة وذهبت إلى بيتٍ قديمٍ مبني من الحجارة . فبدأ لي وكأنه مهجور.

خرجتُ من السيارة .. ولحقت بها وكلما تقدمت خطوةَ للأمام كنت أسمع صوتاً لبكاء أطفال ...

حينها شعرت بأن هناك أناسا داخل البيت القديم .

وصلت للباب وفتحته بحذر شديد .. عندها رأيتها تلعب مع أطفال.

قلت لها: من هؤلاء .. ؟

قالت : إنهم أبنائي.

قلت : أين زوجك .. ؟

ولكنها لم تجب عن سؤالي...

جلست .. وأخذت بملاعبة الأطفال حتى أخذنا الوقت.

وبعد مدة .. خرجت وقالت : سأعود بعد قليل.

أكملت اللعب مع الأطفال إلى حين عودتها ، جلست بجانبي وكان بيدها خاتمُ تنظر إليه بحزنٍ وألمٍ شديد .

سألتها عنه .. وحاولت أن آخذه منها ولكنها لم تعطني إياه .. وأمسكته بقوة.

نظرت إليها وكانت الدموع تحتل جزءاً من عينيها وكأنها فقدت شيئاً عزيزاً عليها.

قلت : ما بك ؟

نظرت إلي وقالت : هذا الخاتم لزوجي...

سألتها أين هو الآن : هل هو مسافر ؟ أم في عمله؟ قالت والدمع يملأ عينيها : لقد فارق الحياة وتركني وحيدة ..أواجه هذه المشاكل الصعبة وأتحمل كلام الناس الجارح، فارق الحياة وترك لي تلك السيارة التي أوصاني بها ... فارق الحياة وتركني مع أبنائه الذين يحتاجون للرعاية...

فاحتفظت بالسيارة إلى الآن وهي لقمة عيشي .. أطعم من خلالها أطفالي حتى لا أطلب العون والمساعدة والشفقة من الناس أعمل من أجلهم حتى أحافظ على كرامتي ونفسي من السوء..أواجه كلام الناس بكل صعوبة ولكنني أتحمل الأذى من أجلهم .. حتى أزرع في قلوبهم حب العمل وعدم الاعتماد على الغير حتى أقوي عزيمتهم وإرادتهم وأعلمهم عند كبرهم .

هذه هي قصتي وهذا هو واقعي وهذه حياتي .

أعرفتي الآن لم أعمل بهذا العمل .. فهذه السيارة هي الذكرى الوحيدة التي أبقاها لي ولن أفرط بها مهما كانت الظروف والله المستعان فإليه وحده نلجأ فهو المهيمن والمعين....

فرحت بكلامها .. وعلمت أنها أم حنون وزوجة ودودة.

قالت لي: هذا ليس شقاء وتعبا بالنسبة لي لأن الشقاء هو أن تجهلي ما تحتاجينه وترهقي نفسك في الحصول عليه.

وإذا هاجمك الناس وأنت على حق أو وجهوا لك النقد فافرحي إنهم يقولون لك أنك ناجحة ومؤثرة فالكلب الميت لا يركل ولا يرمي إلا الشجر المثمر، وفي معاملاتك مع الآخرين لا تفترضي المثالية في جميع الناس، فإن قوبلت بتصرف خاطئ من البعض لا تتضايقِ فالناس هكذا فيهم الطيب والرديء ولا تتوقعي إنك ستتعاملين مع ملائكة وإنما مع بشر.

(هكذا علمتني الحياة) .. وعادت بي إلى بيتي وكنت فرحة وعلمتني أن الدنيا فيها الناجح والفاشل والطيب والرديء...

وكنت .. وما زلت ... وسأبقى .. أفكر في كلامها الرائع الجميل.

] آية موسى جعارة

تاسع – تربية مادبا

التاريخ : 03-07-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش