الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وقفات في ذكرى مولد المصطفى

تم نشره في الخميس 25 شباط / فبراير 2010. 02:00 مـساءً
وقفات في ذكرى مولد المصطفى

 

 
* الأستاذ الدكتور أمين أبولاوي



الوقفة الأولى : الجانب التاريخي

ولادته ونشأته ورعايته :

ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة فجر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول بعد مرور خمسين يوماً من عام الفيل ، وأن أباه توفي وأمه آمنة بنت وهب حامل به لم تضعه بعد ، فهو لم ينعم برؤية ابنه الكريم البتة ، ولما وضعته أمه صارت رعايته إلى أمه وجده عبد المطلب ، ثم ماتت أمه قبل أن يتم عليه الصلاة والسلام السادسة من عمره ، عند ذلك تولى عبد المطلب رعاية نجله ، الذي لم يمهله الموت أكثر من سنتين حتى فارق الحياة : تاركاً خلفه الصبي الذي طالما تمنى أن يعوضه بعضاً مما فقد من عطف أبيه وحنان أمه ، ثم انتقلت رعايته النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب الذي ربما كان أكثر أعمام النبي أولاداً وأقلهم مالاً ، ولكنه كان أكثرهم نبلا وشرفًا ، فزاد عطفه على محمد صلى الله عليه وسلم حتى إنه كان لا يجلس في مجلس إلا وهو معه ، ويناديه بابنه من شدة حبه له. . وعندما شب عليه الصلاة والسلام خرج مع عمه أبي طالب في رحلة إلى الشام مع القوافل التجارية وعمره اثنا عشر عامًا ، وعندما وصلت القافلة إلى بلدة في بلاد الشام تسمى"بصرى"كان فيها راهب من رهبان نصارى الشام يدعى"بُحَيْرَى " التقى أصحاب القافلة وقد لوحظ عليه إمعانه النظر في وجه محمد صلى الله عليه وسلم طويلا ، ثم قال لأبي طالب: ما قرابة هذا الغلام منك ؟ فقال أبو طالب: هو ابني - وكان يدعوه بابنه حبًّا له - قال بحيرى: ما هو بابنك ، وما ينبغي أن يكون هذا الغلام أبوه حيًّا ، قال أبو طالب : هو ابن أخي . فسأله بحيرى: فما فعل أبوه ؟ قال أبو طالب : مات وأمه حبلى به ؟ فقال بحيرى : صدقت ، فارجع به إلى بلده واحذر عليه اليهود ،، فوالله لئن رأوه هنا ليوقعون به شرًّا ، فإنه سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم ، فرجع أبو طالب بالعودة إلى مكة وفي صحبته ابن أخيه محمد .

زواجه عليه الصلاة والسلام فكان من خديجة

أما زواجه عليه الصلاة والسلام من خديجة بنت خويلد فقد روي أن خديجة أرسلت دَسيساً إلى محمّد - صلّى الله عليه وسلَّم امرأة يقال لها نفيسة وذلك بعد أن رجع في عيرها من الشام : وقد سمعت من غلمانها مواقف محمد وأخلاقه ، فقالت نفيسة : قلت لمحمّد ، ما يمنعك أن تزوَّج ؟ فقال :"مَا بًيَدي ما أَتزوَّجُ بًهً ."قالت نفيسة : قلت: فإن كُفًيتَ ذلك ودُعيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تُجيب؟ قال :"فَمَن هي ؟ قال : قلت : خديجة . قال :"وَكَيفَ لي بًذَلك ؟"قالت عليّ ذلك . قالت : فذهبتُ وأخبرت خديجة بما دار بيني وبين محمد ، فأرسلتني خديجة إليه : أنً ائتً ساعة كذا وكذا ، أخبر أعمامه ، الذين باركوا المسعى . وقد تزوجها عليه الصلاة والسلام وهي بنت أربعين وكان له خمسة وعشرين عاماً ، وكانت أول امرأة يتزوجها النبي في حياته ، وانه لم يتزوج عليها غيرها في حياتها ، وقد توفيت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها قبل الهجرة النبوية بثلاث سنوات .



بعثته عليه الصلاة والسلام :

كان ابتداء الوحي إلى رسول الله يوم الاثنين ، لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ، لثلاث وعشرين سنة قبل الهجرة ، الموافق لـ م556 . وفي هذا اليوم المبارك العظيم انطلقت الدعوة الإسلامية التي لم تكن تمثل آنذاك إلا شخص النبي الكريم ، فرداً واحداً عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، فبدأ يدخل في الإسلام أفراد من أهل مكة ، وبدأت تسير الدعوة بخطى بطيئة وثقيلة ، وقد مرت الدعوة بثلاث مراحل هي : الدعوة الفكرية السرية ، الدعوة الجهرية السلمية ، الدعوة انطلاقاً من الدولة . : ["إًذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهً وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فًي دًينً اللَّهً أَفْوَاجًا (2) فَسَبًّحْ بًحَمْدً رَبًّكَ وَاسْتَغْفًرْهُ إًنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ].

الوقفة الثانية : مولد النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

لم يرد ذكر ولادة النبي الكريم في القرآن الكريم من قريب أو بعيد البتة ، ولم يرد ذكر شيء من نشأته أو رعايته . فما الحكمة من ذلك ؟ لقد دأب القرآن الكريم على تعليم المسلمين المنهج العملي في التعامل مع الحياة وتحقيق الجوهر ، والهدف المنشود ، دون الانغماس في كل ما من شأنه أن يشوش أو يضعف الوصول إلى الغاية السامية التي من أجلها بعث الله تعالى الرسل وانزل الكتب المتمثلة في قوله سبحانه :"الر كًتَابّ أَنْزَلْنَاهُ إًلَيْكَ لًتُخْرًجَ النَّاسَ مًنَ الظُّلُمَاتً إًلَى النُّورً بًإًذنً رَبًّهًمْ إًلَى صًرَاطً الْعَزًيزً الْحَمًيدً (1 سورة إبراهيم ) . الخروج من ظلمات الوثنية وظلمات الشرك إلى نور التوحيد ، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ظلمات الاستبداد وهضم الحقوق إلى نور العدل والمساواة ، ومن ظلمات الفسق والفواحش إلى نور الحق الطهر والعفاف . الأمر الذي يستخلص منه أن الله جل وعز لم يرد منا الانشغال بهذه القضية أعني مولده لأن النبي مبلغ عن ربه".. فَإًنْ أَسْلَمُوا فَقَدً اهْتَدَوْا وَإًنْ تَوَلَّوْا فَإًنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصًيرّ بًالْعًبَادً ( سورة طه )20 وأنه لو كان هناك حكمة لبين القرآن الكريم ذلك تفصيلاً وأن تركه مشعر بعدم ضرورة الانشغال به والاهتمام بما وجهنا إليه القرآن الكريم والسنة النبوية الصادرة عن صاحب الذكرى عليه الصلاة والسلام ، ويكفينا دليلاً واضحاً أن أحب الناس إلى رسول الله ، وأحبه إليهم لم يثبت أنهم احتفلوا بمولده ، أو أقاموا الطقوس في ذلك ، فهل كانوا مقصرين مع حبيبهم وقرة أعينهم ؟؟

الوقفة الثالثة : رضاعه صلى الله عليه وسلم

يقول بعض المؤرخين"أن المرضعات لم يقبلن بأخذ محمد صلى الله عليه وسلم للرضاع ، انهن زهدن به : لأنه كان فقيراً أو لأنه يتيم لا أب له يجزل لهن العطاء "وهذا مذهب خاطئ جداً ، وذلك للأسباب الاتية :

أ . فقد نقلت الروايات الموثقة أن والد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ميسور الحال وانه ترك خلفه جملة من المال ، منه : خمسة من الإبل ، وقطيعا من الغنم والمواشي ، وجارية تعرف بأم أيمن .

ب . أما جده عبد المطلب الذي تولى البحث عن مرضعة للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان من أغنياء قريش وأثريائها : ففي حادثة الفيل ساق أبرهة الأشرم مئتين من أبل عبد المطلب ويؤكد ومقولة عبد المطلب في حواره مع أبرهة مشهورة في ذلك :"أما الإبل فأنا ربها وللبيت رب يحميه"ولا يوصف بمن يملك هذا العدد من الإبل على فرض أن هذا كل ماله فقير .



ج . قصة فداء عبد المطلب ابنه عبدالله بمئة من الإبل وهي قصة مشهورة معروفة.

د . ذبح عبدالمطلب عددا من الإبل يوم زواج عبدا لله من آمنة بنت وهب .

كل ذلك يدحض فكرة عزوف المرضعات عن إرضاع محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ، فإذا قيل لعل كان ذلك في بداية الأمر ثم بعد ذلك افتقر ، فقد جاء في سيرة وفاة عبد الطلب أنه كفن في حلتين يمانيتين قيمتهما _ كما يقول اليعقوبي _ ألف مثقال من الذهب ، ولذا فإن السبب الذي لا ينبغي الجدال فيه هو أن عدم القبول كان من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، وليس زهدهن فيه لفقره ، ولعل الأجدر أن نقول : إ الله اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم لبناً طاهراً طيباً لم يخالطه دنس ، وأنها سنة الله في أنبيائه الكرام . اقرأ قول الله تعالى في شأن نبي الله موسى عليه السلام :"وَحَرَّمْنَا عَلَيْهً الْمَرَاضًعَ مًنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلً بَيْتْ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصًحُونَ"(12 القصص) .

الوقفة الرابعة : أميته صلى الله عليه وسلم

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إًنًّي رَسُولُ اللَّهً إًلَيْكُمْ جَمًيعًا الَّذًي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتً وَالْأَرْضً لَا إًلَهَ إًلَّا هُوَ يُحْيًي وَيُمًيتُ فَآَمًنُوا بًاللَّهً وَرَسُولًهً النَّبًيًّ الْأُمًّيًّ الَّذًي يُؤْمًنُ بًاللَّهً وَكَلًمَاتًهً وَاتَّبًعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( الأعراف )158 لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون نبيه الكريم أمياً ، فما الحكمة من ذلك ؟ نعم هناك حكم عظيمة كثيرة في كون النبي صلى الله عليه وسلم أمياً منها : أنه لو كان عليه الصلاة والسلام قارئاً متعلماً لقال الذين كفروا بدعوته ورسالته إن ما جاء به من الدعوة والدين إنما هو من ثقافته ومطالعاته في كتب الأوليين والسابقين ، هذا بالإضافة إلى كونه لم يخرج من مكة عن أعين الناس في سفر غير الرحلتين المشار إليهما في كتب السيرة ، وان صفة الأمية رافقت النبي صلى الله عليه وسلم من ولادته إلى وفاته ، ففي سنة رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك عندما أخطأ الكاتب بكلمة طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم من الكاتب أن يشير إلى الكلمة الخطأ ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم بمسحها بأصبعه الكريم ، فلو كان قارئاً لما طلب من القارئ ذلك ، وقد جاءت افتتاحيات السور القرآنية مثل"الم ، كهيعص .."التي تقرأ : ألف ، لام ، ميم .. كاف ، هاء ، يا ، عين صاد . فهذه أسماء الحروف : فإن الأمي يعرف أصوات الحروف فقط ، ولا يعرف أسماءها ، لأن أسماء الحروف لا يعرفها إلا من تعلم القراءة الكتابة ، وهذا من الإعجاز القرآني الدال على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

ودعوتني وعلمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت ثم أميناً

ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً .



استاذ الدراسات التربوية العليا

بجامعة عمان العربية للدراسات العليا

Date : 25-02-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش