الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

طاهر المصري.. طائرٌ بجناحين

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 07:39 مـساءً
نضال القاسم *

إن نظرة فاحصة على كتاب (حصاد الزمن الصعب: مقالات ومحاضرات) لمؤلفه دولة الأستاذ طاهر المصري رئيس الوزراء الأردني الأسبق والصادر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر تجعلنا ندرك المقصد العظيم والغاية المباركة لهذا الجهد الموسوعي الجليل الذي قام به دولة الأستاذ طاهر المصري، والذي يعتبر أحد أبرز الرموز السياسية الوطنية في الساحة الأردنية في الوقت الحاضر.

وطاهر المصري، سياسي مخضرم، وشخصية نادرة، وظاهرة من الظواهر غير العادية التي لمعت على الساحة الأردنية خلال العقود الخمسة الماضية، وقد استطاع الرجل بسمته وحكمته وصبره وإخلاصه، أن يحتل مكاناً متميزاً في قلوب الناس، وجدير بالذكر هنا أن دولة طاهر المصري حاصل على بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة شمال تكساس 1965/ الولايات المتحدة الأميركية، وقد شغل عدة مناصب مهمة في المجالات السياسية والإدارية والمالية، وهو عضو في مجموعة من الجمعيات العلمية العربية والعالمية، وله العديد من الكتابات في الصحف والمجلات العربية والعالمية، وتولى جميع المواقع المتقدمة منذ نصف قرن تقريباً، تسلم خلالها رئاسات ثلاث، الحكومة والأعيان والنواب، الأمر الذي لم يتكرر في عمر الدولة إلا مرة واحدة على حد قول دولة السيد عبد الرؤوف الروابدة في الكلمة التي ابتدأ بها حفل تكريم دولة طاهر المصري بعد انتهاء مهامه كرئيس لمجلس الأعيان.
وقد ظل دولة الأستاذ طاهر المصري طوال حياته كبيراً واسع الصدر حريصاً على التمسك بهدفه، مخلصاً في رأيه، مؤمناً به، جريئاً في الإعلان عنه، مهما كان مخالفاً لرأي أقرب الناس إليه، أو اتجاه الجمهور، وقد أنبتت هذه الجرأة من حوله الخصوم، وأثارت في وجهه الزوابع، ولكنه بالإيمان والثبات كان على ثقة دائماً من كسب قراءه وسامعيه ومحاوريه، مثلما كان على ثقة من الفوز والنجاح في نهاية المطاف، هذه الحقيقة يعرفها كل من دخل معه في مناقشة، أو تابعه في ندوة من ندواته. وهو ما زال يحمل مشعل المحبة والإنسانية ويواصل نشاطه السياسي والفكري والاجتماعي على حدٍ سواء، ليؤكد لنا أنه ما يزال بيننا بكل خلقه وعلمه وفضله مثالاً للبناء والإيجابية.
وما يميز هذا الكتاب هو أنه يقدم لقارئه ثقافة سياسية وفكرية واجتماعية متميزة تجاه وقائع وأحداث عاشها الاردن والمنطقة العربية عموماً في العقود الاخيرة، وهو ليس مجرد سرد تاريخي عن حياة مؤلفه الشخصية أو دوافعه السياسية، وإنما هو شرح لبعض الجوانب السياسية والإدارية والاجتماعية، وهو أسلوبٌ جديد في الكتابة يجمع بين فن السيرة الذاتية والمذكرات، إذ في كل مقال كلام غير عادي، في كل مقال معلومةٌ وخبر وعظات وعبر.
وقد عرف دولته من خلال حياته العملية الغنية والطويلة أنماطاً من الناس، وعايش كثيراً من الكتاب والمفكرين ورجال السياسة الذين أعطوا أمتهم العربية جهدهم وحياتهم ودمهم، وكانت له مع كل منهم وقفة بل وقفات، وما هذه الوقفات والشهادات الموجودة في هذ الكتاب إلا غيض من فيض، وهي لاتدل على الشخصيات الفكرية أو السياسية أو الأدبية التي كتب عنها دولة طاهر المصري فحسب، بل تدل على مراحل من التاريخ المعاصر لعبت هذه الشخصيات أدواراً فعّالة بلغت أحياناً من القوة إلى حد مشاركتها في المتغيرات التي حدثت على سطح أو في عمق الحياة العربية الثرّة والموّارة بالأحداث منذ منتصف الستينيات وحتى اليوم.
والذي يلفت النظر من خلال المقالات المنشورة في الكتاب أن علاقات طاهر المصري لم تكن مع العاملين معه والذين يعرفهم أو الذين يتفق معهم في الرأي فقط، فمن خلال محاضراته ومقالاته المنشورة كان طاهر المصري يحفر معنى الوفاء والنجاح والاعتراف بإمكانية الالتقاء في المضمون والهدف ما بين اليمين واليسار وما بين المسلم والمسيحي وما بين الشرقي والغربي والشمالي والجنوبي، فالكتاب يضم إلى جانب المقالات المنشورة عدداً من كلمات التأبين التي ألقيت في العديد من المناسبات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الكلمة التي ألقيت في حفل تأبين الدكتور يعقوب زيادين والتي يقول في مقمقمتها (ليس من السهل اختزال حياة شخص بقامة يعقوب زيادين وتاريخه النضالي، بكلمة أو حتى بكتاب. فالرجل مخزون في مسيرة الحركة الوطنية في الأردن، وهو سنديانة اليسار الأردني التي لم تشخ أو تنحني، رغم المعاناة والقهر والسجن.
هو وطني، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه بمعتقداته. ومما لا شك فيه أن الأمم تُبنىْ بهكذا رجال، خصوصاً من يتمتعون بخصال الخلق الطيب، والقيم الإنسانية الرفيعة، وهي خصال تتناسب وسيرته الوطنية....انتهى الاقتباس، حصاد الزمن الصعب، ص51).
ويبحث المؤلف في المستوى القيادي الرفيع والرصين الذي كان للشهيد وصفي التل، كواحدٍ من القادة السياسيين الكبار، الذين فرضوا حضورهم في الذهنية العامة لشعوبهم بعد رحيلهم، ولا يوجد قائد ناجح نال من الثناء والاستحسان كما نال الشهيد وصفي التل، والذي يرى أن شخصيته (تجمع بين مسارين متلازمين لا تناقض بينهما، فهو – رحمه الله – قومي عربي انخرط في القضية العربية عموماً، والقضية الفلسطينية بشكل خاص، وفق رؤية قومية واضحة، وهو وطني أردني، يؤمن بحتمية أن يكون الوطن القومي، هو المرحلة الأولى نحو العمل القومي العروبي كذلك.
كان الشهيد وصفي التل واضحاً تماماً في قناعاته ومنطلقاته السياسية، ولا يتردد في إعلانها على الملأ، لشدة إيمانه بها، ولهذا فقد شكل ذلك مصدر خلاف له مع آخرين كانت لهم رؤاهم الخاصة بهم.........انتهى الاقتباس، حصاد الزمن الصعب، ص141).
وفي مقدمته للكتاب يرى معالي محمد بن عيسى/ الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة- وزير الخارجية والتعاون السابق في المملكة المغربية، بأن ما أدهشه في الكتاب هو على حدّ قوله ( قدرته الفائقة على المزاوجة بين الأسلوب الدبلوماسي، بما يحتويه من إيماءات ورموز وتعبير بالإشارة، وبين لغة أخرى واضحة وصريحة بل مباشرة لا تخلو من نبرة النصيحة والموعظة. يتوسل بها المؤلف أحياناً حين يرتدي زي الداعي المتحمس إلى إصلاح المجتمع وتحديثه، وتبصير المواطنين بالقيم الأصيلة التي يتوجب عليهم التشبث بها، لتعميق وحدتهم وتنظيم عيشهم المشترك فوق أرض الوطن الواحد الموحد، مستندين على ميثاق التسامح والحوار ومستلهمين مرجعية القيم الوطنية النبيلة...w
مختتماً، أن طاهر المصري مجرد مواطن جندي أردني مخلص، يعشق الأردن أولاً، وفلسطين الحبيبة والعروبة، وليس بحياته عشق آخر.....انتهى الاقتباس، حصاد الزمن الصعب، ص6).
ويسلط الكتاب الضوء في فصوله المختلفة على العديد من الأحداث والقضايا المهمة التي عاصرها الوطن والأمة مثل الوحدة الوطنية والحرب على العراق والاصلاح السياسي، وهو يوثق لطروحات وتحولات الاقليم، فضلاً عن نظرة دولة طاهر المصري تجاه المسألة الديمقراطية ونهجه الاخلاقي في العمل السياسي. ويتعرض الكتاب بالتفصيل للعديد من القضايا المحورية في الأردن والمنطقة العربية والعالم، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر مخاطر الوضع الإقليمي على الأردن وماذا عملنا لمواجهتها، والأردن في بيئة إقليمية متغيرة- سيناريوهات المرحلة المقبلة، ولواقع الحياة السياسية في الأردن وتطلعات المستقبل، والرؤية المستقبلية للمنطقة بعد التسوية السلمية، والعقد الأردني لحقوق المواطنة وواجباتها، والأنماط الجديدة للمشاركة السياسية في عالم اليوم، وإدارة الدولة الأردنية بين النظرية والتطبيق، ونحو بناء نظام عربي جديد في عالم متغير، والوحدة الوطنية كأحد عناصر الأمن الوطني، فهو يرى أن (مصطلح الوحدة الوطنية، يشمل سائر مكونات المجتمع الأردني، بغض النظر عن الأصل، أو العرق، أو الدين، أو المعتقد السياسي، وهذا يتطلب بالضرورة، الإجابة وبوضوح، عن جميع الأسئلة المعلقة، في نفوس هذه الفئة أو تلك من مكونات المجتمع. ومن هذه الأسئلة التي تبرز بين الحين والآخر، موضوع الوطن البديل، أو ما يسمى بالوطن البديل، وكذلك موضوع المواطنة والمصير، فالوطن البديل بضاعة إسرائيلية بامتياز، ومؤامرة صهيونية على الأردن وفلسطين معاً، هدفها تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، وفق سياسة إسرائيلية ترى الأردن، وطناً بديلاً للشعب الفلسطيني، وترى كامل فلسطين، وطناً ليهود الأرض. وهذا يولد مخاوف مشروعة من تبعات هذا المخطط العدو.....انتهى الاقتباس، حصاد الزمن الصعب، ص181).
وكطائرٍ يطيرُ بجناحين فقد نذر طاهر المصري حياته للأردن، وقدم له الكثير من الجهد والعمل معتبراً أن الأردن العزيــــز أمانةٌ في أعناقنا جميعاً، ومن يتنكرُ للأمانة ليس منًّا، وواجبنا، الدفـــاع عن الوطنْ، وعن منجزاته ْ وعن وجوده صلباً قوياً في مواجهة التحدياتْ الكثيرة في هذا الزمان المرير، أما فلسطين الجريحة التي احتوته عقلاً وجسداً، فقد ظل على الدوام ابنا باراً لها، وقد نالت القضية الفلسطينية بوصفها القضية الأولى للعرب وللمسلمين اهتمامه في أغلب مقالاته ومحاضراته، فهو يرى أن جهلاً عظيماً قد أحاط بالناس فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وأرض فلسطين المباركة، ولأن قضية فلسطين من أهم قضايا العرب والمسلمين فقد رأى دولته أن من واجبه وواجب العاملين في حقول التوعية المختلفة في العالمين العربي والإسلامي أن يقدموا جميعاً ما يستطيعوا تقديمه من أجل دحض مزاعم اليهود وأكاذيبهم في حقهم التاريخي بأرض فلسطين، وأن يبذلوا كل جهد وقدرة لخدمة هذه القضية ونصرتها ونُصرة الأقصى الأسير، وهو يرى أن (الأيام لا زالت حُبلى بأحداث جسام تقاطعت فيها المصالح الدولية تارةً، والتقت تارةً أخرى، مع كل ما أفرزه من حروب ونكبات وكوارث بشرية لست أشك أبداً، في أن (القضية الفلسطينية) هي جذرها ومبرر حدوثها، جراء تراكم الظلم الدولي الذي أحاط بهذه القضية حتى يومنا هذا....انتهى الاقتباس، حصاد الزمن الصعب،ص11).
لقد ظل طاهر المصري بعفويته وصدقه، ورؤيته العميقة الصادقة وشجاعته، وصراحته وقربه من الناس الذين سعى إلى خدمتهم بأمانة وإخلاص، ابناً لهذا البلد، لم يتغيرْ ولم يُبدلْ مبادئه بتبدل المواقع، آمن بالشعب وبالقيادة الهاشمية وبأن الدستور يجب أن يحُترم نصاً وروحاً وحرص على أن يحافظ على إتزانــه مهما كانت الظروف، ولا شك أن كتابه الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر مميز وسلس، وهو كتاب يحلق بالقارئ عبر الزمن لاسترجاع ذكريات الماضي مستنهضاً بها الهمم نحو المعالي، ويعتبر مرجعاً هاماً يجمع حصاد السنين ويروي الذاكرة كما هي، دون تجميل أو مجاملة. فالكتاب يوثق بدقة على مسافة نصف قرن تقريباً، لأبرز الأحداث المفصلية والصعبة التي شهدها الأردن والإقليم.
وطاهر المصري، شخصية نادرة، كان ولا يزال في تقديري إنساناً يستحق دراسة عميقة، فقد أمضى دولته أيامه بين مواقع مختلفة من الوظيفة إلى النيابة ثم إلى الوزارة، وبعدها السفارة، ليجلس بعد ذلك على كرسي وزارة الخارجية، في ظروف استثنائية، ومن هناك اختاره جلالة الراحل الملك الحسين بن طلال رئيساً للوزراء، ثم أصبح بعد ذلك رئيساً لمجلس النواب الثاني عشر، ومن ثم رئيساً لمجلس الأعيان، وقد أراد دولته من خلال هذا الكتاب أن يؤطر المفاهيم حتى تبقى واضحة لا لبس فيها، وأن يقدم للقراء في كل مكان في العالم فكره السياسي والاجتماعي، بثوابته ومتغيراته، كما تشكل وتبلور على امتداد مسيرته الطويلة في العمل العام، والتي آمن فيها طيلة السنوات الماضية من عُمره، بمنظومة مترابطة من المبادىء والقيم، وحرص خلالها على الدوام، أن يكون صادقاً مع نفسه وأمته، وأن يعبر عن رأيه في مجريات الأحداث في وطنه بصراحة وموضوعية، وأن يتخذ الموقف الذي يؤمن به صادقاً مع نفسه وبلده وأهله وقيادته دون شخصنة المواقف أو دون الإساءة لأحد، ولربما كان في ذلكْ، شيٌء من المُعاناة، خاصةً عندما كان يُفهمُ الرجلُ ويتم تأويله وتفسيره على غير ما يقصدْ، ومـــن يقرأ هـذا الكتاب، ربما يلحظُ ذلك بوضوح، فلقد أثبتت السنين والاحـداثْ، أنه ربما كان على صواب في الكثير مما قاله، ومما إقترحهُ، ومما حذر منه. وقد أشار دولته في مقدمة الكتاب إلى ذلك بقوله: - (وإني لأجد نفسي اليوم مسؤولاً عن تبيان جوانب مهمة عن مواقف غير معلنة، في مواجهة مع التاريخ، لأقول: ثمة قرارات كثيرة اتخذتها في غرف مغلقة، وحوسبت عليها، وطعن بمواقفي بعدها، لكنها لله وللتاريخ والوطن، هي مواقف لست بنادم عليها، فمنذ معارضتي لقرار فك الارتباط، ومنذ ما حددت حكومتي شروطها للمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام وتبنيتها، ومنذ استثنائي من عضوية مجلس الأعيان العام 1997، فإني لا أعرف إلا لغة الإصلاح، ولا أرواغ في استخدامها، بيد أني ما زلت موقناً بأن قوى الشد العكسي هي المعطل الحقيقي لرؤى النظام.....انتهى الاقتباس، حصاد الزمن الصعب، ص10).
ختاماً، يمكنني القول، هذا كتابٌ ممتع، وتجيء متعته من تنوع موضوعاته وعناوينه التي تختصر مشوار عمرٍ بطوله، فمن المقالات السياسية إلى الرسائل والخطابات والكلمات التي ألقيت في احتفالات التأبين إلى المحاضرات التي تم تقديمها في الندوات والمؤتمرات والمناسبات الوطنية، كل هذه الوثائق وغيرها يضمها هذا الكتاب بين دفتيه، أي أنه يضم نماذج وأنماطاً من السياسيين والمفكرين والمشاهير، ممن كان لطاهر المصري المثقف والسياسي والإنسان وقفات طويلة معهم على ضوء ما يتذكره هو شخصياً عنهم من خلال رحلة الحياة، وهذا الكتاب يتيح لنا أن نتعرف على هؤلاء الرجال الأفذاذ، كما يتيح لنا أن نعقد مقارنات بين صور الشخصيات والأحداث في أذهاننا، وصورها كما هي في الواقع، أو على الأقل كما رآها دولة طاهر المصري.
وأملي بعد أن يكون هذا الكتاب التوثيقي متعة للقارىء، وشهادةً وتاريخاً للأجيال القادمة، وحواراً خلاّقاً يثري، ويكشف ويدفع ويحرض.

* شاعر وناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش