الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في ديوان «روح عارية» للشاعرة كالبنا سينغ شيتنس

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 07:34 مـساءً
محمد نجيب الرمادي *

النداء الأول:
هيا نرتفع بإمتنان
كي نزهر كالزهور البرية
نتحرر فى الجوهر
ونعطر الغابة.
النداء الثاني والذى يظهر فى القصيدة الثانيةو الذى يبدو أنه جوهر ديوان الشاعرة ويعكس بداية الرحلة بشكل واضحو جلي بحيث تستطيع بقليل من التأمل أن تتلمس خطاك مع ديوان الشاعرة حيث تقول بإختصار عميق:
دعنا نتعري.
ولكننا هنا يقف أن نتوقف عند مفهوم «العري» فهو ليس ذلك العري الذي يتبادر إلى الذهن من أول وهلة، لكنه عري من نوع أخر أعمقو أسمى.
تنادي «كالبنا «للتعريو التمتع بجمال أشعة الشمس فى الغابة، غابة الحياة للتحرر من سجن النفس فتدعونا لأن نُلقى بعيدا أغطيتنا بعيدا.
فلتسمع معي صوت الشاعرة وهى تطالبنا بأن نتحرر فتقول:
«تعالوا نعري الروح» .
أو بالأحري تعالوا نحرر أروحنا أو ننقيها بما علق بها من شوائب لا يجب أن تلتصق بروح إنسان.
هي دعوة إذن للتحرر من الأفكار القديمة العقيمةو من عنصرية بغيضةو دعوة،و إن كانت مستترة بعض الشيء، إلا أنها لا تخفى على كل ذي لب.
فى الغاب الذي كان اختارته الشاعرة لتلقي من خلاله الضوء على ما تريد من أفكار تطرحها، سوف تجد ثلاث صور واضحةو عادلة فهى تسلط الضوء على أنه لايجب أن يكون هناك كهوفاو يجب أن يكون هناك لغةو احدة ثم عرجت لتجعل من إعادة التدوير أو « عودة الدورة، دورة الحياة ضرورة للحياة ، لاموت، تقول هي، أو أن كل موت يجب أن يصبح سببا للحياة الأبدية.
في الشطر الثاني من الديوان، لقد قرأتو سمعت أغاني النهر، أو ربما أغاني الحياة. في الحقيقة فإنني لم أحب فكرة أن أن ندير ظهورنا على القصيدة لنواجهة الحياة لأن القصيدة أو القصائد هي البعد الآخر لحياة الشعراء جميعهمو لكنك سوف تندهش حين تقرأ أن شاعرتنا اختارت أن تكون جزءا من النهر، نهر الطبيعة نفسه.
النهر هو الرمز، رمز الحياة، بوجهيها النقيو غير النقي، إذا انساب، اختالت الحياةو انسابت بكبرياء، فلا حياة بغير كبرياءو كرامة، هكذا تقول الشاعرة التي تفهم بوعي بالغ جوهر الحياة والتي تدعي أنها تعرف السرالخفي للحياةو حقيقتها المتوارية
تقول كالبنا:
الحقيقة تكمن فى المنتصف، ربما بين السطور، مختبئة في القلوبو العيونو يبقى السؤال:
من يراها؟! من يشعر بها؟! من يستطيع تقبيلهاو احتضانها عدا هؤلاء الذين يعيشون فى المنطقة الرمادية.
في الرحلة الفلسفية لهذا الديوان تبدأ الشاعرة فى رحلة البحث عن نفسها، راحت الشاعرة تعكس بكلماتها ما تريد فراحت تتحد بالطبيعة فقد أرادت أن تسمع صوتها هي لتسكن القلوب لتكون رحبة كالمحيطات، كضوء الشموع ،فاتنة كالحب.
تقول:
لقد حان الوقت لأن أكون
لأن أنقى روحي
لأن أحيا رفاهية الصمت
وأسمع صوتي
هذا الوقت هو وقتى أنا.
إنها تريد أن تكون هي وأنت، فمن أنت؟! الذي وجدته بعد رحلة طويلة، فهل أنت الطبيعة، نجم في السماء، قلبها، أم الحب ذاته.
تقول:
أنا هنا لأخبرك
أننى ما عدت أحتمل أن لا أحب بعد الآن
نحن نمضي مع الشاعرة من خلال ديوانها البديع فى رحلة تحاول أن نمسك بطرف الخيط، سائرين بعناية بين السطور، نحاول ألا نفرق بين بين الحبو الكراهية أو نفاضل بين الصحيح والخطأ، نحاول أن نرتدي العباءة الرمادية التي تمكننا أن نعيش فى تلك المنطقة الرمادية حيث يعيش بها الشعراء الحقيقيون زمنا لا يحدده إلا الزمن الذي يفصل بين الوعيو اللاوعي، فيسبحون فى سماء خاصة بهم وحدهم أو يتحولون إلى شلالات تروي العطش القديم للحياة.
مكانها، مكان الشاعرة أقصد، كما ترى هو قلبها الذي يحمل الرؤيةو البصيرةو حكمتهاو توترها أيضا.
مسموح للشعراء أن يحملوا توترهم بجانب حكمتهم طوال الوقت.
ماذا تعتقد؟ لم يكن أنت؟
قد كان بعث الحلممن جديد
أنا لم أخبرك قط أين يعيش فكيف عرفت؟!
حينما حاولت أن أصل إليك، تراجعت
حينما حاولت أن أهجرك، سرت ورائي حيث ذهبت
أنا لا أعرف
هل أنت هاجسي أن أنني أنت
أنت منى كروحيو لقد صرت مليئة بالحياة.
هل أستقر فى افكاركو أشعر بالحب
المسافات بيينا تقوى قدرتي على تحمل المعاناة
لمستك غير المرئية تداعب مسامي
لماذاعلىّ أن أبحث عنك فى مكان أخر؟! يا بهجتى، أنت دائما داخلي.
«كالبنا» تدعونا لأن نلج لمعبد الحب من خلال « الحب القديم»، فى معبدها سوف تقدمنا لحب الحياة ، لهدية قادمة من الجنة/ للحادسة السادسة/للحقيقة/ للعبادة/ لعالم الأطفال المدهش/ للريح، لكى نرى معها ما لا يستطيع الأخر أن يراه.
لقد ذكرت لك من قبل عن «المنظقة الرمادية»، أتذطر، الآن اقرأ معي قولها:
أنا لاشيء لكن انفجار فى الفضاءو في الوقت
نفسى ماعدات نفسي.
وتقول:
كلما حاولت غلق الأبواب عليك فإني أتفتت إلى ملايين القطع
كلما حاولت أن لا أراك فإني أغرق فى مئات الأنهار
كلما حاولت الهروب من أفكارك تجدنى أسيرة يديك غير المرئية
أنا معك مرة ثانية دون أي مقاومة.
«كالبنا» تعطي الحياة للحروف، لا عاوصف هناو لكن تفتتح لمسامتها، فالهواء ربيعيو الصمت يقول كل شيء.
الثقافةو الحضارة تلعب دورا حقيقيا فى كتاب الشاعرة ، تلك التي مكنت الشاعرة من استخدام كلمات مثل الحنة والقمر على الجبين حيث ذكرتني بالنقطة الحمراءو السوداء على جبين المرأة الهندية.
ما أروع تزاوج الحضاراتو ما أبغض تصادمها.
تسكن المرأة بالطبع داخل «كالبنا»... حيث هناك من المفردات مثل الشفاةو الحاجبو الحنةو الياقوت.
تقول:
ارسمني أيها الرسام، فالعالم فى انتظار رسمك العبقري.
لا شك أن الحب القديم هو الحب الأبدي، فتوقف هنا إن لم تُنقي روحك بعد أو فتغادر المعبد بهدوء
كتوأم فى شمعة
نحن تحرق معا
أم نضيء معا
الردةو التفكير فى العودة إلى الوراء، انتهاء شهر العسل مع الذات، الخروج من المنظقة الرمادية إياها، قادت كالبنا لتسمح للبعدي أن يأخذها من نفسهاو أن تستغني عن تاجها لتحيا حالة من الشك مع كل شيء يحيط بها.
عندما تحيا الشكو يحياكو تعيش دوامته فسوف تبدأ أسئلتك التى لا تنتهي عن الحبو الإيمان، عن الخلق الرفيعو الثقة، عن الأملو بعض الصلوات.
ربما تمتلك أيها القاريء العزيز بعضا من إجابات لهذه الأسئلة مادمت تقرأو أنت تشرب قهوتك فى هدوء، ولكن أي إنسان يبدأ الرحلةو يسيرها على أمل أن يصل إلى نهايتها فيسير فوق السحابو يشعر بوخز الحياةو تنزف قدماه من القسوة، فإن هو/ هي لابد أن يفكر فى الردة أو يطلب المساعدة من إنسان ما.
لذلك فقد ذهبت شاعرتنا إلى سيدنا السميح عليه السلام، فنظر إليها مبتسماو دمعت عيناه فلم تستطع أن تسأله عن أي شيء، فقد وجدت الأجابة عن كل ما كان يشغل فكرها.
و لذلك صرخت فليكن. بالرغم من حقيقة أنها تعجز عن الولوج لرحم الطبيعة مرة أخرى.
مرة أخري نجد أن الشاعرة مصممة على الوصول لسر الحياة،و أن من الممكن الوصول لسرها عن طريق المعرفة،و ليس عن طريق عبور البحورو المحيطات أو تسلق الجبالو لكنك تحتاج إلى أن تصل إلى حيث لم يصل أحد قبلكو تلك هي الحكمة التى وراء الخيالو لسوء الحظ لا يمكن لأحد أن يقدم لك المساعدة.
تقول كالبنا:
لم تعطني شيئا
لم أملك شيئا يمكنني الاعتناء به او القلق بشأنه
لقد حررتني
لقد أخذت كل شيء منيو أصبحت سجينى
أيها السيد العظيم
كم أنت محظوظا
خذ ما تريدو اذهب إلى حيث تشاء
بنهاية اليوم سوف تعود ولا أسئلة
لأننى لست هذه الحبيبة
لكننى وطن.
تقول كالبنا:
نحن لسنا آلهة،و لن نكونو لن نتسطيع أن نصل إلى درجة الكمال، فإن أردت أن تصل إلى مرحلة تقترب بها منها فنقي الروحو كن مخلصا
في عالم الشعراء الحقيقين المخلصين الماء يمكن أن تصادق النارو هذا ما يسبب الألم الحقيقي للشعراء،و من يستطيع أن يحيا فى هذه الحالات غير هؤلاء الذين يملكون أدواتها
كالبنا لم تعطي أي مساحة للتجول في الفراغ حرا، لم ترد شيئاو أرادت كل شئو لعلك تتعجب كيف استطاعت أن تطير بلا أجنحة فى هذا الفراغ الممتد الشاسعو الوصول إلى مدارتهاو أن تمكث هناك على القمةو أن تسير فوق رمال متحركة ليس من السهل لأحد أن يسير عليهاو أن تغرق في البحرو تظل على قيد الحياة
هذا الكتاب «روح عارية» هو دعوة صادقة للنظر فى مرآة حياتنا مدة أطولو أعمق لعلنا نصل.

* أديب من مصر
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش