الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دربُ الخيـول

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 07:29 مـساءً
د. محمود الشلبي *

(إثر رحلة إلى «الباقورة»، والوقوف على مشهد لتربية الخيول العربية على ضفاف نهر اليرموك في الأغوار الشمالية)

تتواردُ الأيامُ في وَرقِ الصِّبا..
مخضوبةً بدم الكتابة،
حين تسكُبُ حَرْفَها الباقي،
على شَجَرِ الطريق ِ.
مرَّت طفولُتنا كحلمٍ عابرٍ،
لم نلتقط منها سوى قَشِّ الحكايةِ،
ينتهي في دفترِ الآتي،
وما يُخْفي الهوى من مُرِّ ما يحلو،
إذا امتدَّ الزمّانُ بنا،
وآذتنا مفارقَةُ الصَّديقِ.
نمشي على وَجعِ المسافةِ،
نرتدي شمس الحقيقة،
نَشْرَبُ الُمتَعَ المُذابةَ في مياه النّهْرِ،
نحنُ، اللاجئينِ، معلَّقونَ بموجةٍ،
تبدو كقافية الغريقِ.
يتوزَّع الوقتُ الكثيرُ على شرايين النهارِ،
ولا نَحِنُّ لظلِّنا،
إلا إذا التقت الرغائبُ بالدُّروبِ،
وضَمَّنا طيفُ العشيق ِ.
أرضٌ تمدُّ أكُفَّها لبسالةِ المَعْنى،
وتَسْمعُها السَّماءُ،
نُحِسُّ هَمْسَ العُشْب للأقدام حافيةً,
نرى الشوكَ الُمطرَّزَ في أصابعنا،
حروفَ مواجع الجسد الرقيق ِ.
الدربُ لم يختم كتابَ نَشيدِهِ الغوريِّ،
مرّت في مسيرته الخيولُ،
بلا فوارسَ،
صعَّدَ التّصْهَالُ لهجتَهُ،
على سَمْعِ المكانِ،
بخاطرِ الخُشْخاشِ،
والكينا... ودِفلى الدَّربِ،
عُدْنا نَقْرأُ التاريخَ مُخْتَصرًا بلا مَتْنٍ،
ولا صَوْتٍ طليق ِ.
نهفو إلى أثرِ الحياةِ،
على الضِّفافِ،
نهيمُ بين النَّخْلِ,
والشجرِ المتوج بالغِلال،
ننالُ من سمكِ (الشريعةِ)،
ما يجود به النَّصيبُ،
ونَذْرَعُ الطُّرقاتِ،
نَمْلأُ سلَّةَ اليوم الجديد,
بما تيسرَ من بُقولِ الأرضِ،
نسعى هائمين إلى المزارعِ،
مِلْؤنا أَمَلٌ...
تقطّرَ من فمٍ مُرٍّ.. وريقِ.
دربُ الخيول هنا ملامحُ نَقَْتَفيها
نحو مرآةٍ...
نرى وجه الغياب بها،
ونحفظ ما تُدوّنُه على وَقْع الندى
بَيّارةٌ حمَلَتْ أصيلَ البرتقالِ،
وصُفْرةَ الليمون..
واحتفلت بأعراسِ الرَّحيق ِ.
***
عَبَرتْ بنا الأيامُ،
نحو تلهُّفِ الصَّفْصَافِ لليرموك,
للموجِ الذي خطفتْه أيدٍ في الخفاءِ،
وأتعبتْه خُطى الشُّهودِ.
الصوت يَحْمِلُ في المكانِ،
صدى التجلّي،
لم يَعُدْ في الرأسِ ذكرى
غيرُ ما يَنْحلُّ في القَلْب الحزينِ،
من الخسارة،
والمرارةِ،
واشتعالِ الشوق في العينين،
للأيام من بيضٍ... وسُودِ.
لم يَقْترِف قلبي - على دَرْبِ الخيول-
سوى تمرُّدِ نُقْطةٍ
من حِبْرِ دمعي..
وامتدادِ طفولتي
لمشارف الوطن القتيل على الحدودِ.
طوَّفتُ بين ملامحِ الزّمنِ الجميلِ،
وما وَعَاهُ على المدى دَرْبُ الخيولِ،
فلم أجدِ إلا ظلالاً,
أنكرتها الشّمْسُ،
فانحسَرَ الصَّهيلُ,
وقَلَّ في الفرحِ النّحيلِ
دَمُ الورودِ.
كُنَا كأنا شاهدون على الرواية،
حين يكذِبُ رائدٌ,
ويعود لأماءٌ، ولامَرْعى،
ولا لحنٌ بقافيةِ القصيدةِ،
غير حَرْفِ رَوِّيها
الذاوي على غُصْنِ الجدودِ.
دَرْبُ الخيول مسيجٌ بشذىً،
وفاكهةٍ...
وأعشاشٍ بَنَتْها الطيرُ،
في عُرْفِ الإقامة والأمانِ..
خيولُه ألْقَتْ أعِنَّتَها...
وَفرَّتْ...
حين فارقها الحنينُ إلى هُناكَ..
وحَلَّ في أطرافها..
خَدَرُ الوجودِ.
ماذا تبقّى من هوىً متهالكٍ..
غيرُ الذهاب إلى بيوتٍ قد عَفَتْ..
ومرابعَ احتفلتْ بِفَقْدِ طيورِها،
نظرت بمرآةِ الدِّيار,
فلم تُشاهِدْ....
غيرَ قُمصانِ الغُبارِ،
وما ستتركُه لدينا رحلةٌ في البالِ،
مِنْ عَصْفِ الرؤى..
ومن القيودِ..

* شاعر من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش