الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كل شيء طبيعي

تم نشره في الثلاثاء 29 شباط / فبراير 2000. 02:00 مـساءً

أيسر رضوان *

كل شيء طبيعي
الغبار في مكانه كعادته
الناس غرباء أيضاً كالمعتاد
لا يذكرون متى شربوا الشاي بالنعناع
ودخنوا سجائرهم الرديئة وقت الغروب   
الحمامة البيضاء بلا أجنحة
ونائمة
أو ربما هي ميتة
ولا تدري متى حلّقت فوق زيتونة عارية
الأشجار عارية تماماً وخائفة
المخيمات ازدادت اليوم ألف خيمة
هذا يعني أن هناك ميتين جدداً  
أمر طبيعي جداً
فنحن اعتدنا على رائحة الموت الباردة
في منازلنا المهدمة
وحكايا الجدات النازفة  قبل النوم
فوق الأرصفة
لأن امرأة تنزع عينيها في الطريق
ثم تكمل نفسها في الظلام
رجل بلا قدمين يتبعها في المنام  
يلتقط عينيها من بين الغبار
كانتا مناسبتين كي تصيرا قدميه
ثم غاب في رؤيا غريبة عن امرأة بلا قدمين
تمشي في الظلام
فخاف
مسرعاً نهض
فسقط
كل شيء مظلم
لقد فقد بصره
لقد صار كذبة.
كل شيء طبيعي
حتى أنا طبيعي وخائف
أنهض في الصباح فلا أجدني في المرآة
فيستريح قلبي
أنا غير موجود وهكذا أفضل
أشرب قهوتي بشكل طبيعي
وأدخن سجائر أكثر من المعتاد
ولكنه طبيعي
أفكر في الماورائيات
لأشعر كأنني في الماأماميات
أرتدي قميصاً لامرئياً فلا يعجبني لونه فأنزعه
وأخرج من البيت لأبحث عني كما في كل يوم
أجد أطفالاً يتمردون على البرد
فينزعون ثيابهم
ويرتدون الحلم
ثم يغنون أغنية عن القمر
هم طبيعيون
وأنا طبيعي أكثر مما ينبغي
أخبرهم عن حمامة بيضاء بلا أجنحة
يقولون: رأيناها تموت
أحدهم سرق لونها وألقاها في البئر القريبة
سألت: ولماذا؟
قالوا: لأنه لا يرى.. إنه أعمى
أنظر إلى السماء
كأنني أبحث عن شيء يراودني منذ الصباح
أنظر نحو الأفق
يُخيل إليّ رجل أعمى يسقط في البئر القريبة
ثم يصير حمامة ميتة
أنظر إلى الأطفال
أجدهم يلهون بأشيائهم خلف زيتونة يابسة
أنظر إليّ فلا أراني
أبتسم
ثم أمشي في الغبار كمن يبحث عني
وأعود خائباً إلى حيث ترقد جنية الماء في البئر القريبة
أسألها: هل رأيتني؟
تجيب: لقد صرتَ حمامة.. هل نسيت
متى؟ سألتُ بخوف أرجواني كشعرها
تجيب: عندما شئتَ موتك
لكنني لم أشأ.. قلت وقد صرت لا أرى
قالت: انزع قدميك كي ترى
قلت: لكنه ليس أنا
هو فقد قدميه في الحرب
هي من صارت عيناها قدميه
ثم إنها نزعت عينيها كي لا ترى الدمار
سألتْ: ومن أنت؟
قلت: أبحث عني كل صباح فلا أجدني
هل تعرفين من أنا؟
قالت: أنت لست أكثر من حمامة
لقد ألقيتَ نفسك في البئر قبل ما يزيد عن وجع
ألم تر أن لون القميص لم يعجبك في الصباح
أنت نزعت لونك ثم متَّ بلا ألم
قلت: كنت أحاول أن أكون حراً
قالت: لكنك اخترت نزع عينيك ثم أكملت نفسك في الظلام
سقطتُ مغشياً علي
أيقظتني برائحتها التي كالماء
نفضتُ عني الغبار
تفقدتُني بكثير من الحيرة
كنت بلا قدمين
لم أكن أرى
عيناي منزوعتان
وكل شيء كما لم أعتد عليه منذ بئر جف ماؤها
فصارت هاوية
سألتها كيف أبدو وحولي كل هذا الغبار
قالت بأني لا أشبهني ولا لون لي
وقتها تذكرت كل شيء
فأنا ميت منذ غرابة الأشياء في وطني  
وفي الموت كل شيء طبيعي
طبيعي جداً
وغريب
غريب جداً.   

* شاعر من الأردن  

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش