الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية : هل نحن مؤهلون ثقافيا ونفسيا للتعامل مع عصر ألقى خلف ظهره بكل القيم والثوابت والمثاليات؟

تم نشره في الجمعة 12 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 مـساءً
قضايا محلية : هل نحن مؤهلون ثقافيا ونفسيا للتعامل مع عصر ألقى خلف ظهره بكل القيم والثوابت والمثاليات؟

 

 
احمد ابوسعدة

هكذا ارى نفسي بعيدا عن ضجيج الشارع وضغوطات العصر المتلاحقة فينكشف موقعي تماما دون مواربة:

حركتي الدؤوبة وجهدي وتخطيطي وذكائي ومعلوماتي وتعاملاتي وتشابكي مع النفس ومع الغير يتم اختزالها اواختزانها لا فرق في الذاكرة اوربما في اللاوعي.. وهناك خط ، مجرد خط ، يفصل بين خانتين مصيريتين.. اما ربح واما خسارة.

في الاولى هناك علامة خضراء تقول ان الامور كانت تجري على ايقاعي ، اوربما انا الذي كنت اجري على ايقاعها. هذا يعني انني على دراية تامة اوشبه تامة بما يحيط بي ، فجاء التخطيط دقيقا والاداء متميزا ، وهناك توافق بين الخطط والمعطيات ، بين المدخلات والمخرجات ، اوربما اقول هناك انسجام بين معارفي ومعلوماتي وبين القوانين والضوابط ومنطق الاشياء.. وهناك ايضا انسجام بين الذات والمحيط.

هل نحن فعلا كذلك متوافقون تماما مع ذواتنا ومع محيطنا ونتائجنا دائما لا تغادر المنطقة الخضراء؟.. انا شخصيا لست كذلك بدليل انني اكلم نفسي في الطرقات وإن بصوت خفيض ، ومع انني قلما اسمح لاحد من المارة ان يفتضح امري الا انني اؤكد انني لست مجنونا بعرف ومعايير العامة من الناس ، لكنني فقط ، إنسان اتعب واجوع وأتألم وافرح ، اتألق ساعة ثم لا ادري كيف يتسلل الاحباط الي دون استئذان ، فقد تعود نفسيتي فتنتكس لموقف سخيف من موظف بليد اومن سائق حافلة من مخلفات العصور البائدة.. اوربما من موظف اتصالات تقمص ثقافة الرد الآلي فلم تعد تعرف أهوانسان ام صرعة حاسوبية جديدة. هناك ايضا عدد لا يمكن حصره من الاسباب انتجها عصر (الفوضى الخلاقة) تجعلنا نستمطر الرحمات على ايام شكسبير الذي ابدع يوم قال "ان نكون اولا نكون تلك هي المسألة".

هل يستحق كل هذا (Check up) سايكولوجي ـ فسيولوجي لترميم نفسياتنا مما يتراكم عليها كل يوم ولتبديد ما يعتريها من ارهاصات ومخاوف وضغوط؟.

لقد تذكرت ، فهناك ما يستحق ذكره عن الخوف وما فعله بنا ذات (آب) خارج جغرافيا الوطن وتحول كل شيء فجأة ودون ترتيب الى نقيضه وبدأنا نكتب لانفسنا في الخانة المقابلة ، خانة الخسارة: فما ان انسلخت ليلة وانبلج فجرها حتى اصبحنا هكذا كمن "يقلب كفيه على ما انفق فيها".. يومئذ ، كان الذهول علامة فارقة ، والطمأنينة تحولت فجأة الى خوف من اللحظة الآتية ، وفجأة ، الهاتف بلا حرارة ، والبطاقات الذكية غدت اكثر غباء فامتنعت عن الاستجابة لاوامرنا الرقمية ولم تعد كما كانت بالامس: بمجرد كبسة تبادلنا اداء بثقة.

هنا ، كانت الاشارة الاولى للكارثة ، فالاشياء انفلتت من قانونها.. ونحن انسلخنا عن (قوانيننا) الوضعية ، اولا ادري إن كانت هي التي انسلخت عنا.. وها نحن نعود الآن ، اقصد حينها ، لترويض القوانين الطبيعية الجامحة ، هل استطعنا ذلك،: الساعة فقط ، ذلك المقسم الميكانيكي للوقت الذي طالما ضبطنا عليه برنامجنا اليومي المتخم بالحركة ، استمرت تعمل وفق قانونها من مكانها المتوضع على الحائط منذ امد بعيد ، .. الآن الساعة التاسعة ، العاشرة ، الحادية عشرة.. هكذا بانتظام يحكمه قانون الميكانيكا ، لكنها هي الاخرى كانت ترسل ما يشبه الانذار ، انذارا يتلوه ايقاع اوربما العكس لا ادري ، وكأنها هكذا اوحت لنا ، انها ضبطت على موعد مع جرم سماوي افلت من قوى توازناته الكونية ، وبعد الاشارة بالضبط سوف (يركل) كوكبنا الوادع بقوته المدمرة.. يا للهول ، هل يمكن ان يحدث هذا؟ هل قال اينشتاين اواسحق نيوتن اوجاليليوذلك؟ ربما ، وربما لا ، لكنني على اية حال هكذا كنت مثل كثيرين غيري: رجلا لقانون ، محاصرا بالطبيعة الجامحة من كل اتجاه ، قوانين لا تتغاضى ابدا عن اي خطأ ولا تعطي ادنى فرصة للجهل فكيف تكون النتيجة اذاً.. هل انا بلا أخطاء والشجاعة لا تفارقني للحظة والحال هكذا؟.

يومها عرفت العلاقة الوثيقة بين زيادة إفراز الادرينالين وبين الخوف والتردد على التواليت مرة تلواخرى ، في تلك اللحظة: اشك ان احدا كان يمتلك قواه الفعلية ، فالشجاعة انهارت ومعها الثقة بالنفس وبالاشياء ، واكتشفنا ان كل واحد منا كان يعيش حياته دون ان يعرف بالضبط هل هوشجاع ام جبان ، ودون ان يعرف ايضا ما اذا كان يعيش بمعلومات كافية ، وايضا دون ان يعرف ما اذا كانت اللحظة المقبلة جزءا من برنامج أم انها متروكة للصدفة تحركها في اي اتجاه وكأننا لم نكن حتى الامس فقط نسير على الطرقات بخيلاء كل منا يباهي بحماره الحضاري.

الآن وبعد عقدين من الزمن اكتشفنا ان (الكارثة) لم تكن بحجم مشاعرنا ، واكتشفنا ايضا أهمية وتأثير ان تكون لدينا (ثقافة) نفسية ومعلوماتية كافية لانها كانت ستمنحنا المبادرة والسيطرة على الموقف ، فهناك فرق شاسع بين ان اكون متفرجا رعديدا جاهلا بحقيقة ما يدور حولي وايضا بحقيقة ما يعتريني من مشاعر واحاسيس ، وبين ان يكون رد فعلي مبنيا ومنطلقا من اساس معرفي ، ففي هذا الهامش إما ان اكون تابعا اوان اكون صاحب قرار فيما يتعلق بحياتي.

حسنا ، الآن نعيش حياتنا العادية ، اوهكذا تبدولنا لكن مع ذلك هناك عدد لا يمكن حصره من المؤثرات الداخلية (الذاتية) والخارجية التي نقر ببعضها حد الاحتفاء بفعاليتها لانها تركت فينا مساحة للفرح والحب والسعادة ورغد العيش ، لكن السؤال هولماذا لا نعترف في المقابل بالجانب السلبي من هذه المؤثرات ونحاول دائما دفنها ظاهريا بينما نعيش حيثياتها بكل جوارحنا؟.. فهناك الخوف من الموت والخوف من الهرم والوحدة والمرض وانقطاع الدخل (البطالة) ، وهناك ايضا الخوف من الوالدين ومن المدرس ورب العمل ومن العنف الاسري.. وفي دول العالم الثالث هناك الخوف من الحروب والأزمات السياسية المفاجئة ، والخوف من الحكومة ومفاجآتها غير السارة مثل الضرائب والتشريعات غير المتوقعة ، اضافة الى الخوف من الفقر وعواقبه المجهولة في مواجهة سيطرة الفكر النفعي والرأسمالي على حساب القيم.

بالطبع لا تستطيع الذاكرة حصر كل المخاوف التي تشكل نفسياتنا سلبا ، فهي تحتل هامشا على اتساع حركتنا اليومية ونشاطنا الذهني ومدى استجابتنا للفعل ورد الفعل ، لكن ذلك كله يؤثر فينا بوعي منا اوبغيابه تأثيرا يتصل بانسجامنا في بيئتنا الاجتماعية اداء وانتاجا وتعاملا ، والنتيجة الحتمية هي ثقة اوعدم ثقة في النفس والمحيط.

مرة اخرى اؤكد ان حالتي النفسية لا تشكل خطرا على المحيط ، وان زيارة مركز للصحة النفسية لا يعني نهاية العقل تماما مثلما ان التهاب اللوزتين لا يعني نهاية الحياة ، وهذا ما جعل توما الاكويني والقديس اوغسطين يعكفان على محاولة ايجاد حلول لهذه المعضلة الانسانية من منطلق ديني قبل ان يصبح علم النفس من العلوم المعروفة ، لكن ما اود الاشارة اليه هواننا بحاجة اليوم الى دراسة (بنيوية) ليفي شترواس ورولان بارت في النقد و(تفكيكية) جاك دريدا و(نبوءات) فرانسيس فوكوياما في "نهاية التاريخ" لنعرف كيف يفكر الاخرون اولا ولننسجم ، اولعلي اقول لنعرق موقعنا بالضبط في القرية الكونية ، لكننا بكل تأكيد بحاجة قبل ذلك الى دراسة اكثر للقرآن الكريم ، ذلك الكتاب العظيم الذي يبني ويؤسس لثقافة الوعي بالنفس وبالغير والمحيط والكون.

ساعتئذ فقط قد نستطيع ان نقرر ما اذا كنا فعلا بحاجة الى مراكز صحة نفسية على غرار الصحة البدنية.

Date : 12-12-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش