الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لعبة الخيال المدهش في تمثيلات الواقعية .. فاروق وادي في رواية «عصفور الشمس»

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 مـساءً
لعبة الخيال المدهش في تمثيلات الواقعية .. فاروق وادي في رواية «عصفور الشمس»

 

 
غ د. محمد عبد القادر

منذ المشهد الأول لرائعة فاروق وادي الروائية "عصفور الشمس" يشعر قارئ النص أنه وقع في شباك الرواية ، وأنها تمسك بتلابيبه فلا يضع الكتاب جانباً قبل أن يأتي عليه دفعة واحدة. وبدرجة عالية من الاطمئنان ، أستطيع القول أن هذه الرواية جديرة بمكانة مرموقة في مواقع السرديات العربية المتجاوزة للواقعية التقليدية ، أياً كانت التسميات التي يطلقها النقاد: حداثية ، أو بعد حداثية ، أو بعد كولونيالية وما إلى ذلك. ولو كتب هذا النص الروائي كويللو ، أو بورخيس ، أو آيندي لنال شهرة عالمية واسعة وبيعت منه ملايين النسخ. أزعم هذا استناداً الى الجماليات الخاصة التي تلوّن عالم "عصفور الشمس" ، كاشفة عن قدرات سردية واثقة ، وخيال فني واسع ، وذكاء روائي متقدم ، ومهارات لغوية متيمزة لفاروق وادي. ليس هذا فقط بل إنها تشير بوضوح شديد الى استيعاب المؤلف للتجارب الروائية العالمية بأشكالها السردية المتنوعة ، ومدارسها النقدية المختلفة ، وقدرته على الاستفادة من هذه التجارب في صياغة عمل روائي ينتمي الى بيئته الثقافية والاجتماعية ، وخصوصيته الجغرافية والسياسية ، في إطار رؤية كونية يرتبط فيها الخاص بالعام والواقع بالخيال. ولعل الانجاز الأساس في هذه الرواية لا يتمثل في القيمة السامية للمضمون - على أهميتها - بل يكمن في الشكل الفني المبدع الذي صهر في عمل واحد "واقعيات" ثلاث هي: الواقعية السحرية ، والواقعية القذرة على أرضية من واقعية اجتماعية - سياسية مرتبطة بزمان ما يقع بين عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ، ومكان ما هو قرية من قرى فلسطين. يتمازج هذا الشكل ويتماوج ليشكل عالماً روائياً ترسم لوحته الفنية لغة دقيقة الوصف الداخلي والخارجي ، وخيال واسع يمنح الرواية قدرة الادهاش المتواصل والإمتاع المستمر. فكيف أمكن لوادي أن يدهش قارئه الى هذا الحد؟

بداية لابد من القول أن روايات من هذا النوع تستعصي على الايجاز ، لا بل إن أية محاولة لتلخيص الحكاية من شأنها أن تفسد النص وتربك القارئ ، تماماً كما الشعر الذي عرفه أحدهم بأنه العمل الذي لا يقبل التلخيص. يبدأ الادهاش في هذه الرواية القائمة على خمسة عشر فصلاً بمشهد مثير لرجل "عار تماماً ، مقيد الرسغين ، بحبل من مسد ، يجري في الحقول هارباً من عريه ، يتقافز في الخلاء المفتوح عند أطراف القرية الغافلة ... يبحث عن مكان يستر فيه جسده المُعَرّى ، المكشوف لعين الشمس وعيون الكلاب".

وبهذه المشهدية السينمائية المثيرة يفتتح وادي روايته بلغز العري الفاضح في مجتمع قروي ، ثم يلحقه بلغز آخر هو لغز الخديعة ، ما يعمق من دهشة القارئ ويشده لاكتشاف سر ألغاز تترى واحداً بعد الآخر. بهذا يبدأ وادي روايته من نهايتها - على وجه التقريب - فيما يجهل القارئ كل الظروف المحيطة بعقدة الحكاية. بعد ذلك تنتقل عين الكاميرا من تصوير مشاهد الحاضر إلى إضاءة زمن مضى عاشته عائلة "ثريا" ، ثم تتحرك لتصور لنا "مسعود" القبيح ، وتعود لتنقل لنا صورة "رهيفة" ، وعند منتصف فصول الرواية يلتقي خطاًّ الحكاية الرئيسان: خط "ثريا - رهيفة" ، وخط "مسعود - شوقي" لتنبري الخديعة في أقبح صورها وأشدها قتامة وخسة ، حيث يتقدم شوقي ، الشاب الجميل ، لخطبة رهيفة ، فائقة الحُسن ، منتحلاً اسم "مسعود فؤاد الراجح" الإنسان الذئب ، أو القرد كما تصفه نساء القرية. يعود السرد ليلقي الضوء على أسرة مسعود وأبناء العمومة ، وبعدها نعلم أن والد رهيفة "سلمان" وإخوانها الثلاثة قد وافقوا على الزواج ـ الخديعة مقابل رشوة من مسعود ، لتبقى وحدها جاهلة بخيوط الخديعة المدمرة.

أما الفصول الأخيرة الأربعة فتتوالى مصورة واقع الصدمة بعد اكتشاف رهيفة للخديعة. ولتعقد العزم - على الفور - على الانتقام والتطهر.

وعن طريق هذا الحراك المثير في السرد القصصي القائم على المشهدية السينمائية المتنقلة بين النهايات والوسط والبدايات ، والمتحركة بين الماضي والحاضر يحقق وادي إدهاش القارئ من خلال المعمار الفني للرواية المتجاوز للسرد الرتيب. وبوساطة الجمع بين الخطين "المتوازيين" لعائلتين متباعدتين أصلاً يخلق حكاية جديدة تستجيب لأهداف رئيسة للرواية أهمها تحقيق شرطي الإدهاش والامتاع.

وإذا كان المبنى الفني للرواية قد أنجز جانباً هاماً من عنصري الإمتاع والإدهاش لدى المتلقي ، فلأن الأجواء الروائية والمناخات النفسية للشخصيات قد أسهمت بفعالية أيضاً في تعميق هذين العنصرين.

يمثل الخط الأول في الرواية (ثريا - رهيفة) ، الممتد ماضياً الى الجدة السابعة رابعة ، عالم البصيرة والطهرانية والرؤى "المقدسة" ، والأساطير والمعتقدات الشعبية ، والقدرات الخارقة في رؤية ما لا يُرى ، وعلى المستوى الفني والنقدي هو عالم "الواقعية السحرية". ويمثل الخط الثاني (والد مسعود ، ومسعود ، وشوقي ، وصابر ، وجمعة وسلمان وأبناؤه) عالم القبح والخسة والنذالة والخداع والتواطؤ في أشد صوره وحشية وسقوطاً ، ويمثل هذا على المستوى الفني عالم "الواقعية القذرة". وهنا يبرز وجه آخر للإبداع الفني في الرواية حين جمع وادي بين شخوص الواقعية السحرية والواقعية القذرة في حبكة فنية ولّدت عقدة الرواية ، ألا وهي الخديعة الوحشية في الزواج - المؤامرة.

بيد أن هذين اللونين من ألوان الواقعية لا يحلقان في الفراغ ، بل يقفان على أرضية واقعية اجتماعية - سياسية ذات صلة بالحالة الفلسطينية في ثلاثينيات القرن المنصرم ، وهي في الوقت ذاته لا تبقى منفصلة عن الواقعيتين الآخريين ، بل تمتزج فيهما على صعيد الشخصيات والمضمون بما يحقق في النهاية عالماً روائياً متمازجاً ومتداخلاً. فقد كتب وادي في متن الرواية نصوصاً وصفية بلغة راقية متدفقة تخلو تماماً من علامات الترقيم في إزالة مقصودة للفواصل والحواجز بين المكونات اللغوية لهذه النصوص ، فبدت مثل خفقان قلب مضطرب وذهنية قلقة ، تتداخل فيها الرؤى والأحلام وأحلام اليقظة والكوابيس والواقع. يحضر دم الأنوثة المرعب لرهيفة الصغيرة ، ويحضر فارس الأحلام الجميل ، وتجىء القدس وعراك العرب واليهود عند حائطها الشهير ، بما يمثل معادلاً خارجياً - واقعياً - لما يضطرم في نفس رهيفة من قلق وألم ورعب. هي نصوص ذات طبيعة خاصة ، تتعدد فيها الأصوات ولا تتواصل ، تشتبك فيها الجريمة الفردية مع الجريمة ـ المؤامرة التي تحاك لوطن مقبل على الضياع ، وتحضر صور لسجن عكا ، ولشهدائه الثلاثة (حجازي وجمجوم والزير) بأصداء أصواتهم ضد الظلم والطغيان والتنكيل. ترى هذا رهيفة وتسمعه "بعين القلب" ، وتشعر بالمهاجرين الغرباء "يجتاحون الأرض وجسدها" ليتبادل هذان الرمزان الدلالة والمصير: فلسطين هي رهيفة ، ورهيفة هي فلسطين. ويحضر القسام ، أصداءً لخطاباته وهي تحرض الناس على المقاومة والجهاد. يحضر الواقع نعم ، لكنه فنياً لا يحضر منفصلاً عن الأجواء الأخرى. تحضر الأصوات ولكنها تأتي أصداء متماوجة ومندمجة في سيمفونية مرعبة ومثيرة معاً.

وفي السياق ، تقتضي الضرورة رصد ملامح التوظيف الفني للواقعية السحرية في "عصفور الشمس" ، إذ يبدأ عالم الواقعية السحرية في الرواية مع ظهور شخصية "رابعة" ، الجدة السابعة لثريا (والإسمان لا يخلوان من دلالات تراثية) ، إذ يقال إنها أنجبت ابنتها الوحيدة دون أن يقترب منها ذكر (مريم). وتضيف الذاكرة الشعبية أن رابعة جاءت من بلاد المغرب البعيد على سجادة صلاة (استخدم ماركيز السجادة الطائرة في مائة عام من العزلة ، علاوة على أن بساط الريح مكوّن من مكونات الخيال الشرقي بعامة). وترى رواية آخرى أنها جاءت على حصيرة فرشتها فوق البحر وحملها الماء ليلقي بها على شاطئ تلك القرية التركية البحرية القريبة من اسطنبول. والذاكرة الشعبية واسعة وخصبة: رابعة جاءت ترتدي الغمام ، ورابعة هزمت ملك الليل وسيد الظلمات ، وأعادت الشمس مشرقة الى القرية ، ورابعة ألهمت الناس اللغة العربية دون أن يتعلموها ، ورابعة تشعل النار بعينيها (مقدرة توارثتها سلالتها من النساء دون استثناء) ، وثريا ورهيفة امرأتان من تلك السلالة بالطبع. ولثريا شيء من هذه القوى الخارقة ، فقد شهدت النساء الفلسطينيات في القرية (بعد أن تزوجت ثريا من حسّان الفلسطيني) أن ثريا كانت قادرة على التنبؤ بالأيام الماطرة ، وتعرف الأوقات المناسبة للزراعة والحصاد ، وترى وحدها ضيوفاً قادمين ، وتحلم بسقوط سنسلة أو جدار فيسقط ، وترى بعين القلب الجراد قادماً قبل أن يصل البلاد ، وتفاوض بلغتها عواصف الرمل فتبتعد مقابل الأضاحي ، وتحاور الذئاب فتنصرف ، وتفهم لغة الطير والكواسر (سليمان) ، وتخاطبها بلغة العيون ومنطق الطير (فريد الدين العطار).

لكن خوارق ثريا تذوي بعد غياب زوجها في رحلة بلا عودة ولم تر إلاّ موعد موتها. أما رهيفة ، التي لم تعش أكثر مما يقرب من ثمانية عشر عاماً ، فقد كان يخامرها شعور - كطفلة - بأنها تمتلك شيئاً من عيني جدتها وفي قدرتها على أن ترى ما لا يُرى "لكنها كانت تنجح قليلاً وتخطيء كثيراً". رأت والدها في الحلم ، وكانت ترى أمها وجدتها بعين القلب. وإذا كانت عينا ثريا قد شكلتا مصدراً للرؤية عند رهيفة ، فقد شكلت مرآة الجدة مصدراً آخر ، لكن بنورة (لاحظ الدلالة المعاكسة للإسم) زوجة أبيها تبيع المرآة الى ناسك متعبد يقيم في قمة جبل كان قد سمع - في لحظة تجل - أصواتاً من بيت بنورة وسلمان تدعو لبيع المرآة القديمة ، وأنه قد جاء لشرائها بأمر الرب. لدى بيع المرآة يتسع العالم الاسطوري للرواية ، ذلك انه ما أن وصل الناسك قمة الجبل حتى انبثقت من المرآة شمس وهاجة وطارت منها رفوف من عصافير النار. وعلى الجانب الآخر من الصفقة ، تذوب الأوراق النقدية (ثمن المرآة) في يد بنورة وتفقد بصرها تماماً. هذا العمى نجد له أثراً في نبوءة سابقة لثريا قالت فيها إن المرأة التي "تبيع ما لا تملك الى من لا يستحق" سوف تصاب بالعمى. ولعل فقدان رهيفة للمرآة - في السياق الأسطوري للرواية - كان السبب في عجزها عن اكتشاف الخديعة ـ الزواج قبل أن تقع.

ومما لا شك فيه أنه عند الحديث عن عالم الأساطير والخوارق والخرافات والسحر لابد أن نقرأ بدقة موقف المؤلف عن هذا العالم: هل يكتبه كواقع متعين؟ هل يصدقه؟ هل يريد للمتلقي أن يصدقه؟ أو لا يصدقه؟ من الواضح أن المؤلف لا يتعامل مع هذه الأدوات كحقائق ، وهو ليس مطالباً بأن يصدّق كل ما يكتب ، كما أنه لا يطالب قراءه بتصديق ذلك. على أن وادي اقترب من هذه المسألة بذكاء ومهارة حين اعتمد على ايحاءات لغوية تغوي القارئ بقبول هذا العالم لا برفضه ، وذلك ببساطة بالغة سعياً للحفاظ على تماسك الرؤية التي تقترحها الرواية ، وهو يدرك بالطبع أن العقل الواعي لن يشرع بمحاكمة هذه الخوارق باعتبارها وقائع ملموسة ، لكنه في الوقت ذاته لا يتورع عن حبك الصياغات اللغوية التي تعمل على "تمرير" هذه الخوارق على المتلقي إمعاناً في شدّه الى عالم الرواية ، والغوص في تفاصيلها ، والاحساس بتماسكها. فعلى سبيل المثال يقول "نص" ما يلي: "تحتفظ ذاكرة تلك القرية القريبة من اسطنبول بحكاية رابعة التي جاءتها من بلاد المغرب البعيد محلقة في الفضاء الواسع ...". المؤلف يعزو الحكاية الى الذاكرة (الشعبية ربما؟) لكنه في "الفعل" الثاني يبدو كما لو كان يمرر "على" المتلقي حدثاً واقعياً حين يقول "جاءتها" ، مستخدماً فعلاً ماضياً تاماً ذا صيغة تقريرية. وفي نص آخر نقرأ التالي :"ومن غير أن يخامر أحدهم الشك في حقيقة حملها وولادتها ، فقد تميزت المرأة بالقدرة على إشعال النار بعينيها ....". ويتبدى الذكاء اللغوي هنا في "نفي الشك" في إمكانية الولادة من غير اقتران برجل ، وشعور الناس باليقين إزاء هذه الظاهرة ، لينقل هذا اليقين - بالايحاء - لقارئ الرواية ، ثم يستخدم صيغة تقريرية مباشرة حين يقول "فقد تميزت المرأة .." فيجىء الفعل مقترناً مع أداة توكيد لتعميق الايحاء ، والأمثلة في النص عديدة إذا ما أمعناّ فيها النظر والتحليل اللغوي الدقيق. إن الحرص الذي يبديه وادي على أن يبدو ما هو خارق وغير مألوف في النص أمراً عادياً ومألوفاً ، إنما يتأتي من حرص المؤلف على اتساق الرؤية العامة للعالم الذي تصوره الرواية. ومن هنا فإن موقف الكاتب من استخدام مشاهد أو أحداث أو شخصيات ذات طبيعة فنتازية إنما هو في نهاية الأمر موقف فني. نقرأ في أحد المشاهد ما يلي "ويقول عجوز ماتت أجياله" بما يوحي للقارئ باحتمال غياب الصدق عن شهادة هذا العجوز الذي لم يعد هناك من يستطيع أن ينقض أقواله من مجايليه. هذا الموقف من القوى الخارقة وتوظيفاتها الفنية في الرواية لا يختلف عن مواقف ماركيز وبورخيس وآيندي وغيرهم من كتّاب الواقعية السحرية حيال هذا التوظيف.

إلى جانب الواقعية السحرية تتبدى في الرواية "واقعية قذرة" تحضر في مطالع الرواية وفي فصليها الأولين بالتحديد ، ثم ترد في الفصول اللاحقة الى أن تتلاقى الواقعيتان عند الحدث المزلزل المتمثل في الزواج - الخديعة. ويمثل هذه الواقعية القذرة في الرواية أشخاص مثل فؤاد الراجح ، ومسعود ، وشوقي ، وسلمان ، وإخوة رهيفة الثلاثة ، وإلى حد ما نستطيع إضافة "بنورة" ، زوجة سلمان الثاني بالرغم من أنها نالت عقابها "السماوي" بفقدانها البصر.

فؤاد الراجح ، والد مسعود ، واحد من رموز القذارة في الرواية لأنه باع ضميره للشيطان حين كان سمساراً في فلسطين يبيع أراضيها لمن يود الشراء ، ولهذا السبب - كما قيل - بات مقتولاً بالرصاص. وهناك سلمان ، والد رهيفة ، الذي باع ابنته (بالتواطؤ مع إخوانها الثلاثة) للشيطان في خديعة مدمرة. أما شوقي ، ذلك الفتى الجميل الذي كانت نسوة القرية يتمنينه في خيالهن ويجرحن أيديهن لمرأى جماله (يوسف) ، فقد كان أداة القذارة أو أداة الشيطان في تنفيذ الخديعة. هو (يوسف المضاد) ، الجمال القبيح المتواطئ في تنفيذ الجريمة.

ويظل مسعود (لاحظ الدلالة النقيضة للإسم) شخصية أبدع وادي في رسم ملامحها القبيحة من الداخل والخارج على حد سواء. فهو كائن لم يأت من ارض البشر ، دميم الخلق والأخلاق ، كريه ، داعر ، قرد ، شاحب ، غائر العينين ، بلا قلب. رفضت أمه أن يكون ابناً لها فتوقفت عن إرضاعه وانتحرت. عاش بلا حب ، وأنفق الكثير من ماله ووقته على البغايا. وهو الذي قرر ذات يوم أنه سيتزوج أفقر الفتيات وأكثرهن جمالاً ، فلما رأى رهيفة تحرك الشيطان المقيم فيه ورسم خيوط الخديعة بأن زج بشوقي خطيباً لرهيفة باعتباره "مسعود الراجح" ، وعند اللحظة الأخيرة في طقوس الزواج الريفي يحل مسعود القبيح محل شوقي ، أكثر شباب القرية حسناً ووسامة. مسعود يمثل قاع البشرية ، أو قل إنه الشيطان وسلوكه في الرواية ، وهو الواقعية القذرة في أقسى ملامحها وأقصى توحشها ، حالة من الخسة تذكرنا بزكريا في رواية كنفاني "ما تبقى لكم" وبالهباب في الرواية الأحدث لابراهيم نصر الله ، "زمن الخيول البيضاء". صوّره وادي شيطاناً منذ ولادته ، فانتحرت أمه كي لا تُرضع ذلك المخلوق ، ولم تكن تصدق أن بطنها الذي حمل هذا المولود يمكن أن يكون فاسداً الى هذا الحد. ولعل البطن الفاسد بحد ذاته تعبير من تعابير الواقعية القذرة التي ترصد السلوكات الوحشية والمتوحشة التي يرتكبها شيطان تحدّر من بطن فاسد أو "رحم شيطاني".

وفي تصويره لمسعود ، يصهر وادي ملامح من الواقعية السحرية في جوف الواقعية القذرة ، فعلاوة على صورة "الشيطان الوليد" أو "الوليد الشيطان" ، يتحول مسعود عند موته الى شيء آخر ، فما "أن سال دمه حتى أخذت ملامحه تكتسب شكل ذئب مغدور ، كأنما الدم كان يعيد تشكيل ملامح رجل عادت تكويناته الى موطنها الأول".

أما القابلة التي رفعت مسعود عالياً لتراه أمه ، فقد شعرت "بالغثيان وظلت تتقيأ ثلاثة أيام بلياليها ، ولقد قيل إن حبل القيء الغليظ بقي متواصلاً بلا انقطاع ، كأن بطنها كان ينطوي على بئر فاسدة تضمر أوساخاً هائلة".

وينصهر العالم السحري مع عالم القذارة في جانب آخر يتعلق ببذرة مسعود الأصلية ، إذ روت إحداهن أن شريفة - أم مسعود - اعترفت لها ذات يوم أنها كانت متزوجة "إضافة الى فؤاد الراجح ، من جنّي كان يأتيها في غياب زوجها ويعاشرها معاشرة الأزواج". ولا يكف وادي عن المضي بهذا الشيطان إلى عالم الاسطورة بغية تعميق إحساس المتلقي بالغثيان وحجم الرذيلة التي ولدت مع مسعود وظلت سمة لسلوكه على مدار حياة قوامها الخسة والخديعة. مسعود أكثر سقوطاً من دكتور فاوست الذي باع روحه للشيطان ، لأن مسعود هو الشيطان بذاته ، فيما يغدو المتواطئون معه النماذج الأقرب للدكتور فاوست ، اولئك الذين عقدو حلفاً مع الشيطان نظير شيء من المال.

في الجانب الآخر ، تحضر رهيفة ، صورة الحب والطهرانية والجمال النوراني البديع ، التي جعلت منها الخديعة زوجة للشيطان ، والتي قررت منذ مواجهتها الأولى مع مسعود أن تنتقم من الذين هيأوا مسروح الجريمة بكامل عدته. في الوقت المناسب انتقمت من المتواطئين بطريقتها الخاصة (بالاغتصاب والتعرية والفضيحة) ، أما انتقامها من مسعود فقد انتهى بغرس سكين في صدره ، وأتبعت ذلك بقطع "عضو" الجريمة وألقت بكليهما في بئر مهجورة مجاورة. وكأنها تقول جريمة وعقاب خير ألف مرة من جريمة وانكسار.

وإذا كنا نتحدث عن مصادر الإثارة والإدهاش في "عصفور الشمس" ، فلابد أن نرى في التوظيف الفني لموضوع الجنس في الرواية واحداً من هذه المصادر المتعددة ، إذ يرد في الجنس في الرواية مصوراً (بجرأة ودون ابتذال) ، ويغدو واحداً من "الثيمات" الرئيسة فيها ، وينطوي على أكثر من دلالة. فهو عند مسعود وصحبه ممارسة بغائية قذرة قبل الزواج ، وعند الزواج هو اغتصاب وحشي معمّد بجريمة ، وعند رهيفة المغتصبة شكل من أشكال الانتقام لاستعادة توازنها الداخلي من المتواطئين عليها ، هي لذة الانتقام التي تحقق لها العدالة الأرضية ، فتستعيد روحها الضائعة وجسدها المنتهك ، لتتبع ذلك بإشعال النار في ذلك الجسد متطهرة من دنس الجريمة ، ومحلقة في عالم من الطهرانية النقية وذلك عندما "ينبثق عصفور الشمس من كومة الحطب المشتعل متوجهاً نحو الشمس ... سابحاً في الفضاء الأزرق الفسيح". إنها الحياة بعد الموت ، أو الحياة عبر الموت وهذه سمة أيضاً من سمات الواقعية السحرية.

ولا يمكن لقارئ الرواية أن يتجاهل الدور الرئيس للغة في تحقيق المتعة والادهاش ، ذلك أن الرواية صيغت باقتصاد لغوي شديد ، وبصور فنية مكثفة عالية الايحاء ، وثيقة الصلة بالمشاهد والأفكار والشخصيات والأجواء العامة للرواية ما أسهم في تحقيق اتساق بديع بين اللغة ـ الأسلوب والمضمون. ولغة وادي في الرواية تتجاوز ما تقوله المفردات والتراكيب اللغوية ، لتخلق مناخات فنية غنية بالخيال والايحاء والمبالغات الوصفية المرتبطة بغايات النص. والرواية عامرة الرموز والموتيفات ذات الصلة القوية بالمعنى والدلالات مثل: عصفور الشمس ، عصفور النار ، عين الشمس ، عين القلب ، عيون الكلاب" "رجال محشوون بالكذب والغش والتبن والقش" ، "المرآة" ، "بيع من لا يملك لمن لا يستحق". وتحتشد في لغة الرواية مفردات وعبارات مستمدة مباشرة من الأثر الإسلامي وترد في سياقات الرواية من بدايتها إلى نهاياتها كقوله: حبل من مسد ، الله يعلم عددهم (أهل الكهف) ، بيضاء من غير سوء ، ستقصص رؤياها ، قلب كالحجارة ، الوسواس الخناس ، تجري لمستقر لها ، فحق عليها القول ، ماء دافق ، زاغ البصر ، يعلم السر وما يخفى ، ينفرون خفافاً ، رباط الخيل ، علاوة على عبارات أخرى نجد مراجعها في الحديث الشريف والشعر العربي. وهي ترد في سياقات مختلفة عن سياقاتها النصية الأصلية ، ولكنها تعكس "قصدية" الروائي في توظيف الأثر الديني كما لو كان يكتب الرواية في الأجواء الدينية السائدة آنذاك في القرية ، يدخل في نفق الزمن ليكتب بلغة عصر الرواية ذاته وثقافة مجتمع القرية ، وهي أيضاً وسيلة لتعميق المناخات الروحية والغيبية التي تشكل - مع وسائل أخرى - صورة للروح والزمان والمكان ، من خلال إدراك الكاتب لقوة الصورة الفنية القرآنية بشكل خاص.

في بعدها الكوني الشامل تحلم الرواية بعالم إنساني جديد ، مسعود هو الرذيلة مجسدة فكان مصيره الموت بلا رجعة ، رهيفة تولد من جديد بعد أن تطهرت وخلصت العالم من رمز الخسة والنذالة ، القبح الذي يدنس الجمال ، والرذيلة التي تفسد الفضيلة. شوقي وصابر وجمعة يعودون عراة كما ولدتهم أمهاتهم ، صورة لآدم وهو يقصف عليه من ورق الجنة ليستر عورته ، وبنّورة التي باعت المرآة ستظل عمياء الى أن تستعيد المرآة ، رمز البصر والبصيرة والرؤى الملهمة من "ناسك" كاذب وعدو ماكر. "عصفور الشمس" رواية تقيم في الذهن والخيال ولا تنتهي بعد قراءة الكتاب ، وتلك سمة من سمات الأدب العظيم.

ہ ناقد أردني



Date : 24-10-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش