الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية : إلى متى الصمت عن الجرائم المرتكبة بحجة الشرف؟

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2008. 03:00 مـساءً
قضايا محلية : إلى متى الصمت عن الجرائم المرتكبة بحجة الشرف؟ باتر محمد علي وردم

 

 


سمح الإنفتاح الديمقراطي النسبي في السنوات الماضية بمناقشة العديد من القضايا الساخنة في الأردن بطريقة تضمن وجود عدة مواقف ووجهات نظر تجاه القضية مثار البحث وبمستوى مقبول من احترام الرأي الآخر.

ولكن التحول النوعي من المناقشة إلى التنفيذ كان يشوبه التلكؤ في معظم الأحيان خاصة عندما يتعلق الأمر بتعديل قوانين وتشريعات لتتماشى مع المعطيات الجديدة.

ولكن أحدى القضايا التي فشل المجتمع الأردني ووسائل إعلامه في مناقشتها بالمنطق المطلوب هي قضية جرائم القتل المرتكبة ضد بعض الفتيات والسيدات بحجة "الشرف" - وهي المرة الأولى والأخيرة التي سوف أستخدم فيها كلمة الشرف في هذا المقال - والتي يذهب ضحيتها ما معدله 25 قتيلة سنويا. ربما يكون العدد النهائي للضحايا قليلا مقارنة بضحايا حوادث السير مثلا ، أو ببعض الدول مثل سوريا والتي يقدر عدد ضحايا هذه الجرائم فيها 200 ضحية سنويا ، ونتمنى أن لا تأخذ الحمية ذكورنا في محاولة التنافس مع هذا الرقم. ولكن الأبعاد الثقافية والنفسية والاجتماعية والدينية المرتبطة بهذه الظاهرة السلبية تجعل من المهم جدا مناقشتها ، ولكن الأهم من ذلك كله الأبعاد القانونية.

هذه الجرائم هي جرائم قتل مع سبق الإصرار والترصد ومع ذلك فإن القانون الأردني يقدم للقاتل ذريعة للتهرب من مسؤولية الجريمة بحجة "العذر المخفف" عندما ينتاب القاتل الغضب بسبب "السلوكيات الخاطئة" للضحية ويفقد السيطرة على أعصابه ويرتكب الجريمة ويتيح له القانون الحصول على عقاب مخفف خاصة إذا تنازل أهل الضحية عن حقهم الشخصي وهذا ما يحدث في معظم الأحيان. من الصعب الحديث اجتماعيا عن تفاصيل الحالات لأنها تمس خصوصيات العائلات ، ولكن مراجعة سريعة للتفاصيل التي سمح بنشرها في وسائل الإعلام وأحيانا من محاضر الشرطة والطب الشرعي تعطي إنطباعا مباشرا بأن ما يحدث هي جرائم قتل منظمة ومبرمجة مبنية على الشبهة وليس الحقائق في أغلب الحالات ، وبالتالي فإن العذر المخفف يفقد دوره وتصبح الجريمة بحاجة إلى أن يتم التعامل معها كجريمة قتل متعمدة. في معظم الحالات يكون القاتل قد هيأ نفسه مسبقا إما بمسدس محشو بالطلقات أو بأداة حادة أو حتى بالخنق باليدين وتحت الماء وهي كلها ممارسات تحتاج إلى تخطيط وتنفيذ وهدوء أعصاب وإرادة ووضوح في الرؤية.

وفي واقع الأمر من الصعب لأي شخص يحمل قدرا من الذكاء أن يقتنع بأن هذه الجرائم تتم بفعل "سورة غضب" فورية، ولكن الضغوطات الاجتماعية التقليدية التي تحيط بسمعة الفتاة في مجتمعنا تجعل من هذه الجرائم موضع إشادة اجتماعية وبالتالي حماية قانونية. هذا الواقع يغضب مجموعة كبيرة من المؤيدين لحقوق الإنسان والديمقراطية وحتى من المتدينين الذين يعرفون حقيقة أن الدين الإسلامي لا يقبل ابدا هذه الجرائم ويحتاج إلى أدلة وبراهين لحظية اثناء وقوع جريمة الزنا المفترضة من أجل القصاص. ولكن المشكلة أن أغلبية المجتمع وحتى الكثير من الشخصيات السياسية والاجتماعية تدافع عن هذه الممارسات ، ويمكن لنا أن نعود إلى بعض تصريحات وخطابات ومقالات أعضاء في البرلمان وأقطاب سياسية بعضها يدعي أنه يساري ليجد العجب العجاب من الاتهامات المسبقة للمرأة ومنح الذكر ترخيصا بالقتل تلافيا للفتنة. الكثير من حالات القتل كان سببها الشك والمعلومات الخاطئة ، وبعضها كان بسبب خلافات عائلية مالية لا تمت بصلة لا للشرف ولا للأخلاق ولكن تم إستخدام هذا العذر لإرتكاب جريمة التخلص من الأنثى وقتلها مرتين بتشويه سمعتها أيضا. وحتى لو كان القضاء التشريعي قد إستدرك تلك الحقيقة في إيقاع عقوبة أكبر على الجاني في هذه الحالات فإن القضاء الإجتماعي الأشد وطأة بقي محتفظا بالحجة التي تم إستخدامها لتبرير الجريمة. من الصعب الحديث عن حلول ديمقراطية في هذا الصدد ، ولا يوجد إلا واحد من طريقين. الأول هو الإستسلام للمنطق الاجتماعي السائد وإستمرار منح القانون رخصة للقتل بحجة العذر المخفف .

أما الحل الآخر فهو فرض تعديل جديد على القانون يلغي تماما العذر المخفف ويعامل هذه الجرائم كما تستحق من جرائم قتل متعمد وليحمل الجاني سمعة القاتل لا سمعة البطل المنقذ للشرف كما هي الحالة. منع الإنحراف في المجتمع لا يتم بقتل الإناث. جريمة الزنا إن حدثت يرتكبها شخصان وفي مجتمع تقليدي مثل المجتمع الأردني فإن الذكر الشريك في الجريمة يكون هو صاحب السلطة فقد يكون عشيقا خدع الفتاة ، أو حتى من العائلة نفسها في كثير من الحالات أو قد يكون مستغلا ومنتهزا لظروف نفسية واقتصادية سيئة للفتاة ومن المعيب أن يخرج الذكر بدون عقوبة بينما تدفع الأنثى الثمن كاملا. في حالة فريدة حديث قبل اشهر اقدمت فتاة على قتل شاب حاول الإعتداء عليها ، ولكن لا أذكر نوعية الحكم الذي صدر ضد الفتاة.

في المنطق ينبغي أن يتم تبرئتها تماما لأن الحادثة هي دفاع عن النفس ولو لم تقم الفتاة بقتل المعتدي لدفعت هي الثمن اجتماعيا وقانونيا وثقافيا.

في حال رفض المجتمع للتخلي عن العذر المخفف للشاب بحجة غسل الشرف من المهم تزويد الفتاة بنصوص تشريعية تحميها في حال قيامها بالدفاع عن شرفها سواء بالإبلاغ عن شخص إعتدى عليها من الاقارب أو في حماية نفسها من الإعتداء الجسدي عن طريق حملها لسلاح يتم إستخدامه بشرعية ضد المعتدين. حملات الضغط والتوعية الكثيفة التي تمت في السنوات الماضية لم تغيرشيئا في قناعات الناس حول هذه الجرائم والتي لا يزال ينظر إليها بعين العطف والقبول خاصة من قبل الذكور الذين يعتبرون القانون أداة اساسية في قيامهم بدور الوصاية والردع السلوكي على الإناث. ولكن هذه الجرائم هي في نهاية الأمر جرائم قتل ولا يجوز الإحتفاء بها وكأنها بطولة ما إلا أردنا ترسيخ صورة مشوهة عن الأردن وقوانينه وهذا ما يتعارض تماما مع كل الطموحات والشعارات التي تنادي بها الحكومة يوميا.



[email protected]

Date : 15-05-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش