الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مستشار الرئيس السوداني : الاهتمام الأردني بالشأن السوداني ليس جديداً والأردن كان حاضراً رسمياً وشعبياً في كل أزماتنا

تم نشره في الخميس 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 مـساءً
مستشار الرئيس السوداني : الاهتمام الأردني بالشأن السوداني ليس جديداً والأردن كان حاضراً رسمياً وشعبياً في كل أزماتنا

 

عمان - الدستور

قال الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل ، مستشار الرئيس السوداني ، وزير الخارجية السوداني الأسبق ان السودان ظل يواجه أزمات تلو الأزمات ، مشكلات تلو المشكلات ، هذه ليست اعتباطاً ، والبعض يظن أن عدم الاستقرار السياسي الموجود في السودان ، والأزمات الموجودة في السودان ، البعض يظن أنها هذا نتيجة للتركيبة السكانية أو نتيجة للانقلابات العسكرية أو نتيجة للأحزاب السودانية الضعيفة ، هذا كله يمكن أن يكون صحيحاً ، ولكن الأصح أن هناك استراتيجية في أن لا يستقر هذا السودان ، وأن لا يستفيد من إمكانياته

واضاف في محاضرة القاها في منتدى الدستور الثقافي الاثنين الماضي: عندما نتحدث عن التحديات التي يواجهها السودان ، من الصعب جداً أن نتحدث عنها بمعزل عن التحديات التي تواجهها الأمة ، أو التحديات التي يواجهها العالم أجمع. العالم أصبح مثل القرية الصغيرة بفضل وسائل التكنولوجيا ، ووسائل الاتصالات الحديثة ، فأصبح ما يجري في السودان يؤثر بشكل أو بآخر على ما يجري في مناطق بعيدة.

واوضح أن إسرائيل تدخلت في إنتاج الأزمة في دارفور وفي تصعيدها ، وأن ذلك كان ضرورياً حتى لا يجد السودان المناخ والوقت ليركز جهوده في اتجاه تعظيم قدراته بعد أن تم التوقيع على اتفاقية السلام مع جنوب السودان ، مشيرا الى أن تحركاتها تجاه دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمي ، وعلى نشاط أجهزة معينة ، بل إن المجتمع الإسرائيلي ومنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها في الخارج يقومون بواجبهم تجاه دارفور.. للعلم إسرائيل أصلاً لم تكن تقبل لاجئين ، لأول مرة إسرائيل تقبل لاجئين من دارفور.

من جانبه في البداية اكد رئيس التحرير المسؤول الدكتور نبيل الشريف في معرض ترحيبه وتقديمه للدكتور اسماعيل إن المؤامرة على السودان قديمة ومستمرة ومتوالية الفصول والحلقات ، ويبدو أن آخر حلقاتها هو استهداف الرئيس السوداني نفسه ، وقد جاء ذلك نتيجة طبيعية لحالة الضعف والهوان العربي ، وما لم تدرك الأمة العربية هذه الحقائق فإننا سندفع الثمن جميعاً..

ولا شك أن ما يؤلم إخواننا هناك يؤلمنا هنا في الأردن ، ولا يساورنا شك أن مؤامرات الأعداء سترد في محصلة الأمر إلى نحرهم بفضل ووعي وحكمة الاخوة في السودان..

وفيما يلي نص كلمة الدكتور الشريف:

أهلاً وسهلاً بكم جميعاً في دار الدستور.. لا يخفى عليكم أن السودان الشقيق يتعرض لمؤامرة كبرى منذ عقود ، وقد استهدف في وحدة ترابه الوطنية ، ودارت حرب مستعرة دامت عقوداً لمحاولة سلخ جنوب السودان عن شماله ، ولما اصطدمت هذه المؤامرة بوعي أهل السودان وحرصهم على وحدة مصيرهم وأرضهم ، فتح جرح غائر آخر في منطقة دارفور ، وتواصلت حلقات التآمر الخارجي على السودان الشقيق ، وليس من المبالغة القول إن استهداف السودان هو استهداف للأمة العربية وللقارة الإفريقية في آن معاً فهو أكبر دولة في إفريقيا وفي العالم العربي من حيث المساحة ، وهو سلة الغذاء للمنطقة العربية وإفريقيا ، وهو يحتضن أكبر الممرات المائية في العالم ، وقل مثل ذلك عن النفط والغاز والموقع الاستراتيجي المميز وهو يمثل البوابة الرئيسية للقارة الإفريقية ، كما أنه من أهم دول منطقة القرن الإفريقي.

إن المؤامرة على السودان قديمة ومستمرة ومتوالية الفصول والحلقات ، ويبدو أن آخر حلقاتها هو استهداف الرئيس السوداني نفسه ، وقد جاء ذلك نتيجة طبيعية لحالة الضعف والهوان العربي ، وما لم تدرك الأمة العربية هذه الحقائق فإننا سندفع الثمن جميعاً..

آسف للإطالة ، ولكن للسودان العزيز مكانة خاصة في قلوبنا جميعاً ، ولا شك أن ما يؤلم إخواننا هناك يؤلمنا هنا في الأردن ، ولا يساورنا شك أن مؤامرات الأعداء سترد في محصلة الأمر إلى نحرهم بفضل ووعي وحكمة الأخوة في السودان..

على العموم ، لا يفتى ومالك في المدينة ، ونحن سعداء أن يكون معنا اليوم ضيف عزيز على الأردن وعلى الدستور معالي الأستاذ الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل ، مستشار الرئيس السوداني ، وزير الخارجية السوداني الأسبق ، فأهلاً وسهلاً به.

ومعاليه أحد أبرز أعلام الدبلوماسية العربية ، وقد عرفناه في كل المواقع التي شغلها ، سياسياً مخضرماً ومجاهداً غيوراً على مصالح وطنه وأمته ومكافحاً بكل ما أوتي من جهد لخدمة السودان والأمة العربية وتجنيبهما الأذى وحقد الحاقدين ، وستكون محاضرة معاليه بعنوان "السودان في مواجهة التحديات" ، فأهلاً وسهلاً بكم معاليكم وأدعوكم للتفضل بالبدء في إلقاء المحاضرة.

د. اسماعيل

وأعرب د. مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس السوداني في بداية كلمته التي استعرض فيها الاوضاع في السودان الشقيق عن كل الشكر والتقدير للإخوة في صحيفة الدستور على هذه الفرصة ، وعلى هذا الاهتمام بما يجري في السودان ، الشكر والتقدير لاهتمامكم ومشاركتكم. الاهتمام الأردني في السودان ليس جديدا ، كل الأزمات التي مر بها السودان كان الأردن رسمياً وشعبياً حاضرا في هذه الأزمات ، بل حتى مواقف الأردن والسودان في العديد من المشكلات الإقليمية والمشكلات الدولية ، لا أستطيع أن أقول يتطابق ، ولكن إلى حد كبير يتشابه ويقترب من بعضه البعض.

وفيما يلي نص الكلمة:

أنا سعيد جداً أن يكون الحديث اليوم عن السودان والتحديات التي يواجهها السودان ، لأن في تقديرنا أن تحديات السودان هي تحديات للأمة ، كما قال الدكتور نبيل الشريف ، ولا بد من إبراز هذه التحديات وفهمها بصورة جيدة حتى نستطيع معاً أن نواجه هذه التحديات وأن نضع الأسس لمعالجتها.

وعندما نتحدث عن التحديات التي يواجهها السودان ، من الصعب جداً أن نتحدث عنها بمعزل عن التحديات التي تواجهها الأمة ، أو التحديات التي يواجهها العالم أجمع. العالم أصبح مثل القرية الصغيرة بفضل وسائل التكنولوجيا ، ووسائل الاتصالات الحديثة ، فأصبح ما يجري في السودان يؤثر بشكل أو بآخر على ما يجري في مناطق بعيدة. في السابق لم تكن تسمع ما يجري في السودان أو تعرف حد السودان في خريطة العالم ، ولكن هذه هي وسائل التكنولوجيا ، البعض يسميها العولمة ، والبعض الآخر يسميها النظام العالمي الجديد ، شئنا أو أبينا نحن جزء من هذا العالم ، لا بد أن نتأثر به سلباً أو إيجاباً.

كما ذكر الأخ الدكتور نبيل الشريف ، السودان هذا القطر الأكبر مساحة عربياً وإفريقياً يتمتع ويتميز بمميزات عديدة ، أهم هذه المميزات: موقعه الجغرافي ، فهو يحادد تسع دول ، وربما إذا تحدثنا عن المملكة العربية السعودية فلا يفصل بيننا وبينها إلا البحر الأحمر ، لقلنا عشر دول تحادد السودان.

من حيث المساحة ، مليون ميل مربع ، أرض خصبة فيها حوالي 200 مليون فدان من الأراضي الخصبة ، مياه بكميات وافرة جداً ، مياه الأنهار والمياه الجوفية ومياه الأمطار ، مناخات متعددة ، فيمكن أن تزرع قمحا وذرة وقطنا وسمسما وهكذا ، مناخات متعددة وثروات ضخمة جداً في باطن الأرض وفي خارج الأرض.. الثروة الحيوانية في السودان تقدر بأكثر من 150 مليون رأس من الماعز والأبقار والجمال.. وكمية البترول المخزون المقدر للسودان من النفط فقط وصلت بعض الأبحاث لتقول أنه يقارب أو يماثل المخزون الموجود في المملكة العربية السعودية ، دراسات أولية.

إذا نظرنا لبلد بهذا الحجم ، وبهذه الإمكانيات ، ما هي مشكلاته ، ما هي التحديات التي تواجه هذا البلد ، لأنه بهذه الإمكانيات وبهذه الوصفة السودان يمكن أن يكون بلداً عملاقاً في محيطه الإقليمي ، إن لم نقل في محيطه الدولي.

التركيبة السكانية للسودان تركيبة متعددة ، متعددة عرقياً ، متنوعة ثقافياً ، متعددة دينياً ، وبالتالي أصبح هناك تنوع وتعدد في المكون السكاني للسودان. السودان كبلد في الخارطة الدولية ، كبلد مستقل بهذه التركيبة ، ظهر في منتصف القرن الماضي.

في تقديري لو أتيحت له الفرصة والاستقرار لاستطاع أن يشكل هوية وطنية موحدة لهذا التنوع الموجود ، ولأصبح التنوع الموجود في السودان إثراء لقوة السودان ، لكن ذلك لم يحدث. وفي تقديري لو سمح له أن يستقر وأن يستفيد من ثرواته لأصبح فعلاً عملاق ، ولأصبح بلد قادر جداً أن يؤثر في محيطه الإقليمي وفي محيطه الدولي ، لكن ظل السودان يواجه أزمات تلو الأزمات ، مشكلات تلو المشكلات ، هذه ليست اعتباطاً ، البعض يظن أن عدم الاستقرار السياسي الموجود في السودان ، والأزمات الموجودة في السودان ، البعض يظن أنها هكذا نتيجة للتركيبة السكانية أو نتيجة للانقلابات العسكرية أو نتيجة للأحزاب السودانية الضعيفة..الخ ، هذا كله يمكن أن يكون صحيحاً ، ولكن الأصح أن هناك استراتيجية في أن لا يستقر هذا السودان ، وأن لا يستفيد من إمكانياته.

استراتيجية اسرائيلية

في يوم 28 سبتمبر الماضي ، أي قبل حوالي أقل من شهرين ، وزير الامن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر ، قدم محاضرة في واحدة من الجامعات الإسرائيلية ، في هذه المحاضرة تحدث عن تقريره حول الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه سبع دول ، تحدث عن سورية وعن العراق وعن لبنان وعن مصر وعن إيران والدولة السابعة الأخيرة التي تحدث عنها كانت السودان ، وكانت مداخلته في الحديث عن السودان بدأت بأن البعض في إسرائيل يتساءل: لماذا الاهتمام بالسودان؟ بالرغم من أن السودان ليس بلداً مجاوراً لإسرائيل. هو ذكر أن الاستراتيجية الإسرائيلية قائمة تجاه السودان وتجاه بلدان أخرى على أساس أن هذه البلدان إذا استقرت ستكون هي لمصلحة الأمن القومي العربي ، وذكر ثروات السودان وإمكانات السودان وقدرات السودان ، ثم أوضح أن السودان إذا ما أتيحت له الفرصة لكي يستفيد من هذه القدرات سيكون بلدا ضخما وسيستفيد منه الأمن القومي العربي والاستقرار الإفريقي ، وهذا ضد استراتيجية ومصلحة إسرائيل. وذكر تحديداً: أن السودان رغم هذا الضعف في الحربين ، حرب 1967 وحرب 1973 ، السودان كان يشكل العمق بالنسبة لمصر ، الكلية الحربية انتقلت إلى السودان ، كانت موجودة في جبل أبو الأولياء في السودان ، المطارات السودانية كانت تحت تصرف سلاح الجو المصري ، بالإضافة إلى ذلك في الحربين السودان كان لديه كتائب قتالية في الجبهة والرئيس البشير نفسه كان أحد قادة هذه الكتائب التي كانت موجودة الجبهة. إذن هو يقول أنه: إذا ترك للسودان أن يستقر سيكون إضافة للامن القومي العربي وبالتالي الاستراتيجية الإسرائيلية هي خلق أزمات مستمرة بالنسبة للسودان حتى لا يستقر..

يقول: سياسة إسرائيل تجاه السودان منذ بداية الاستقلال في منتصف عقد الخمسينات كانت قائمة على أن لا يسمح لهذا البلد ، أي السودان ، رغم بعده عن إسرائيل وتأثيره المباشر على الأوضاع ، أن لا تتاح له الفرصة لكي يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي.. حيث ذكر أن موارد السودان إذا استثمرت في ظل أوضاع مستقرة ستجعل من السودان قوة يحسب لها ألف حساب. وعلى ضوء ذلك قامت السياسة الإسرائيلية تجاه السودان ، على خلق الأزمات ومفاقمتها ، وإضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة.

تعتبر إسرائيل أن السودان يشكل عمق استراتيجي لمصر ، وبالتالي فإن إضعافه يشكل ضرورة من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القومي الإسرائيلي..

استطرد ديختر وزير الأمن الإسرائيلي قائلاً: إن كافة الحكومات في إسرائيل كانت استراتيجيتها تجاه السودان تنبني على تفجير بؤر وأزمات مزمنة ومستعصية ، في الجنوب وفي أعقاب ذلك في دارفور.

واعترف أن إسرائيل تدخلت في إنتاج الأزمة في دارفور وفي تصعيدها ، وأن ذلك كان ضرورياً حتى لا يجد السودان المناخ والوقت ليركز جهوده في اتجاه تعظيم قدراته بعد أن تم التوقيع على اتفاقية السلام مع جنوب السودان. وذكر أن تحركاتهم تجاه دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمي ، وعلى نشاط أجهزة معينة ، بل أن المجتمع الإسرائيلي ومنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها في الخارج يقومون بواجبهم تجاه دارفور.. للعلم إسرائيل أصلاً لم تكن تقبل لاجئين ، لأول مرة إسرائيل تقبل لاجئين من دارفور ، ما لا يقل عن ألف من لاجئي دارفور سمح لهم الآن بالإقامة في دارفور وتشكيل مجموعة موجودة في داخل إسرائيل.

واشار الى أن جولدا مائير أول من وضع هذه الاستراتيجية عندما كانت ممسكة بملف العلاقات الإفريقية في وزارة الخارجية الإسرائيلية ، وأن إسرائيل بعد حرب الـ67 وعندما اكتشفت بأن الدول الإفريقية في مجملها وقفت داعمة للحق العربي وقطعت علاقاتها بإسرائيل ، وضعت إسرائيل استراتيجية التدخل والعمق في إفريقيا. بل بيافرا الإنفصالية التي انفصلت عن نيجيريا في السبعينات إسرائيل كانت الدولة الوحيدة التي اعترفت بها والتي قدمت لها الدعم العسكري ، واستمر التدخل الإسرائيلي في القارة الإفريقية. كما أن شارون دعا في عام 2003 عندما تفجرت مشكلة دارفور لاجتماع لمجلس الوزراء ، وفي هذا الاجتماع قال: آن الأوان لأن تتدخل إسرائيل بقوة في غرب السودان.. وكان هذا هو بداية تدخل إسرائيل في هذا الجانب.

التحديات

أنا ذكرت هذا كمثال بأن القضية ليست فقط قضية داخلية بالنسبة للسودان.. السودان في إطار معالجة هذه الأزمات خطا عددا من الخطوات. أنا أريد أن ألخص في نقاط محدودة ما هي التحديات التي تواجه السودان لمعالجة هذه الإشكالات وهذه الأزمات ، لكني واضع في الاعتبار أيضاً الوضع الإقليمي الذي هو للأسف الشديد يتحرك من سيىء لأسوأ ، والوضع الدولي الذي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي انتهى بتفرد قوة واحدة وهيمنة واحدة وسيطرة واحدة. أمامنا الآن في هذه الفكرة التي عمرها ثلاث سنوات تحديات يمكن أن نجملها في تحديات داخلية في أربعة عناوين رئيسية ، ثم التحديات الخارجية.

أولى هذه التحديات تحدي تنفيذ اتفاقيات السلام التي تم التوقيع عليها ، لأن هذه الاتفاقيات كان القصد منها ، وما زال ، والمؤمل أن تقود إلى استقرار يسمح للسودان ببناء وحدته الوطنية. هذه الاتفاقيات هي حتى الآن أربع اتفاقيات رئيسية: الاتفاقية الأولى هي اتفاقية السلام الموقعة مع الحركة الشعبية في جنوب السودان في يناير ,2005 والاتفاقية الثانية هي الاتفاقية الموقعة مع حركة شرق السودان ، وما سمي باتفاق سلام شرق السودان. ثم اتفاق السلام الموقع مع التجمع الوطني الديمقراطي في القاهرة. والاتفاق الرابع هو اتفاق دارفور أو اتفاقية أبوجا التي تم التوقيع عليها في مايو عام ,2006

هذه الاتفاقيات باستثناء اتفاق دارفور خففت إلى حد كبير جداً من الاستقطاب السياسي الذي كان موجودا في الساحة السياسية السودانية والذي وصل إلى درجة المواجهة العسكرية. لو نظرنا الآن نجد أن كل القوى التي كانت تقاتل خارج السودان هي الآن في داخل السودان ، لو تحدثنا عن المعارضة الجنوبية هي الآن ليست فقط في داخل السودان بل هي تشارك في الحكم ، سواء كان على مستوى النائب الأول لرئيس الجمهورية أو على مستوى المؤسسات الاتحادية والمؤسسات الولائية التي تشارك فيها الآن الحركة الشعبية.

القتال توقف ، صحيح ما زال هناك مناوشات هنا وهناك ولكن نستطيع أن نقول أن القتال قد توقف ، وبدأت حركة المواطنين بين الشمال والجنوب التي كانت متوقفة تماماً والتي جعلت من الجنوب عملياً منفصلا ومعزولا عن الشمال. وبدأ الجنوبيون يشاركون في الحكم سواء على المستوى المركزي أو على كل ولايات السودان ، فهم الآن يشاركون على المستوى التشريعي وعلى المستوى التنفيذي.

اتفاقية سلام شرق السودان أيضاً انتهت بمشاركة في الحكم على مستوى رئاسة الجمهورية ، على مستوى رئاسة الوزراء ، على مستوى الولايات الشرقية ، والأهم من ذلك أنها أوقفت التوتر الذي كان حادثاً بين السودان واريتيريا ، وقادت إلى تطبيع كامل في العلاقات بين البلدين.

اتفاقية القاهرة مع التجمع الوطني الديمقراطي أهم ما يميزها أن هذه الاتفاقية نقلت كل قيادات المعارضة التي كانت موجودة في الخارج إلى داخل السودان ، البعض منها يشارك في الحكم ، والبعض منها موجود في البرلمان يعمل كمعارضة ، ولكن نستطيع أن نقول الآن لا توجد معارضة خارج السودان ، باستثناء قضية دارفور التي سنأتي إليها بطريقة أكثر تفصيلاً..

إذن هذه الاتفاقيات ساعدت إلى حد كبير في تخفيف حدة الاحتقان السياسي ، ساعدت إلى حد كبير في مشاركة سياسية واسعة ، الآن لديها حكومة وحدة وطنية ، يشترك في هذه الحكومة 17 حزبا سياسيا. أعطت إلى درجة كبيرة من الانفراج السياسي موجودة الآن في الساحة السياسية السودانية ما يقارب 42 حزبا سياسيا. فتحت مجالات الالتقاء بين الشمال والجنوب ، وهذا كان مهما جداً.

التحدي في دارفور

التحدي الثاني هو قضية دارفور ، وهذه تأتي من حيث الأهمية ومن حيث الخطورة ، دارفور الآن تعتبر أكبر مهدد للأمن القومي السوداني ، لأنها فتحت نافذة من خلالها تدخل كل القوى الخارجية وتعمل على تخريب الامن والاستقرار ، بل وتعمل على تخريب علاقات السودان بدول الجوار.

في مايو 2006 جرى حوار تحت مظلة دولية إفريقية انتهينا إلى ما أسميناه "اتفاق أبوجا" ، لكن هذا الاتفاق الذي وقع عليه فصيل واحد ، فصيل رئيسي ، تخلفت عنه فصائل أخرى ، مما جعل هذا الاتفاق ناقصا ، ساهم في عدم تمكنه من عودة الأمن والاستقرار لدارفور التدخلات الأجنبية التي ذكرتها. تصبح قضية دارفور قضية تحدْ أمام السودان والسودانيين.

في أكتوبر 2007 رضينا بأن نجلس مرة أخرى تحت مظلة دولية في "سرت" في ليبيا ، للحوار مع الذين رفضوا التوقيع على اتفاق أبوجا حتى نستوعب انشغالاتهم وأن نجعل من دارفور بيتا آمنا يضم كل أبناء دارفور. لكن الذي حدث هو أن الفصائل التي كانت موجودة في دارفور بدل من أن تكون فصيلين انتهت إلى 12 - 14 فصيلا. لم يعد لهذه الفصائل رؤية محددة ، وبالتالي عندما ذهبنا ، وبالرغم من أن مؤتمر الحوار الذي عقد في ليبيا كان تحت رعاية الأمم المتحدة ، وتحت رعاية الاتحاد الافريقي ، ولكن رغم ذلك لم تأت هذه الفصائل ، بل واحد من قادة الفصائل موجود في باريس ، والآخر موجود في تشاد ، وفصائل أخرى منتشرة في دول الجوار ، ولكنها لم تأت لكي ندخل في حوار جاد ونصل إلى حل لمشكلة دارفور ، وظلت قضية دارفور تتصاعد ومزيد من التدخلات الإقليمية والدولية ، واستمرت مشكلة دارفور حتى الآن.

عندما شعرت الحكومة أن المجتمع الدولي غير جاد في أن يصل إلى حل لقضية دارفور بادرت وطرحت ما سميناه بمبادرة أهل السودان ، هذه المبادرة التي اجتمع حولها أكثر من 90 بالمائة من أهل السودان ، ترأسها المشير عبدالرحمن سوار الذهب في جزء كبير من جلساتها ، وكانت موجودة قيادات الحكومة وقيادات المعارضة ، لأول مرة تجد حكومة ممثلة في رئاستها ، سواء كان الرئيس البشير وهو رئيس المؤتمر الوطني ، أو الفريق سلفا كير النائب الأول وهو رئيس الحركة الشعبية ، السيد محمد عثمان الميرغني رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي ، السيد الصادق المهدي رئيس حزب الامة ، وبقية الأحزاب حول طاولة واحدة يلتقون وظلوا يتحاورون لعدة أسابيع حتى توصلوا إلى ما سمي بـ"مبادرة أهل السودان لمعالجة قضية دارفور".

هذه المبادرة جاءت أساساً لأننا شعرنا بأن دارفور أصبحت قضية وطنية تهدد الامن القومي السوداني ، وبالتالي لا بد من رؤية وطنية لمعالجة قضية دارفور ، وانتهى أهل السودان إلى هذه المعالجة. وكانت رسالة للعالم بأن الحل في قضية دارفور قد انتقل من العواصم الغربية وأتى إلى السودان ، وأن أهل السودان المشاركين في مبادرة أهل السودان كان قرابة 300 شخص ، أكثر من 50 بالمائة منهم بمكونات دارفور ، مجتمع دارفور. هذه الوثيقة سيحملها وفد يشكل مبادرة أهل السودان ويذهب إلى الدوحة ، حيث المبادرة العربية - الافريقية بقيادة قطر لكي يلتئم الشمل مرة أخرى ، مفاوضو الحكومة مع ممثلي الحركات للتفاوض والوصول إلى حل لمشكلة دارفور ، وحتى نزيل هذه المشكلة من أمام الفضائيات ، وحتى نستطيع أن نعيد كل أهل السودان إلى داخل السودان ، هذا هو السبيل الوحيد لمواجهة التدخلات الأجنبية في الشأن السوداني والتي لن تتوقف ، ولكن صمام الأمان في مواجهتها إزاء هذه الأوضاع الدولية والإقليمية هو مزيد من توحيد الجبهة الداخلية.

تحدي الانتخابات

التحدي الثالث هو تحدي إجراء انتخابات في السودان. اتفاقية السلام نصت على أن تجري الانتخابات في منتصف الفترة الانتقالية ، وتحديداً في يوليو 2009 ، والقضية ليست فقط قضية الانتخابات لكي يقرر الشعب السوداني من يقود دفة الحكم في السودان في الفترة المقبلة. ولكن التحدي أمام السودانيين هو كيف يمكن أن نختار نظاما انتخابيا يستطيع أن يضيف إلى الاستقرار والامن في السودان. منذ الاستقلال قانون الانتخابات بالنسبة إلينا مستمد من قانون west minister ، الانتخاب الحر المباشر ، هذا يجعل أن 51 بالمائة يساوون 100 بالمائة حسب النظام الانتخابي ، وبالتالي مجموعات كبيرة جداً ، خاصة المجموعات الطرفية والجهوية التي لا تجد نفسها في هذا النظام الانتخابي ، خاصة إذا لم تجد اهتماما في مجال التنمية ، هذه المجموعات تلجأ إلى حمل السلاح خاصة إذا وجدت دعما خارجيا ، وبالتالي نريد أن نحكم القوانين التي يمكن أن تأتي بنظام انتخابي يجعلنا ننتقل بالحوار ، من الحوار بالبندقية إلى الحوار باللسان ، والحوار من الشارع إلى الحوار تحت قبة البرلمان. وإذا استطعنا أن نشكل حكومة ذات قاعدة عريضة ، بالرغم من أن البعض يقول أن مثل هذه الحكومات حكومات ضعيفة ولكنها قد تكون ضرورية في هذا الظرف الذي يمر به السودان ، ولذلك نريد أن تأتي هذه الانتخابات بقوانين تضيف إلى الاستقرار ، مقبولة من كافة الأطراف ، وأن تتم هذه الانتخابات في إطار وفاق وطني ، هذا هو الجانب الثاني ، الجانب القانوني.. والجانب الثاني هو الجانب السياسي ، إمكانية إحداث وفاق وطني لتخفيف حدة الاحتقان السياسي وللدخول لهذه الانتخابات بحد أدنى يؤمن الجبهة الداخلية وأن لا ينفلت عقد الأمن فيها ، ولذلك تشكلت جبهة ، والتي يقودها المشير سوار الذهب ، سميت بـ"هيئة جمع الصف الوطني" ، فهذه الهيئة يقودها المشير سوار الذهب وتضم قيادات الأحزاب السياسية السودانية. مهمة هذه الهيئة هي إحداث نوع من التقارب ونوع من التوافق الوطني يمكن أن يقود إلى مزيد من الأمن والاستقرار في السودان. حتى نستطيع أن نجري الانتخابات في جو مواتْ ، وهذا تحدْ كبير يواجه السودانيين جميعاً ، وليس فقط الحكومة.

التحدي الرابع بالنسبة لتحدياتنا الداخلية هو تحدي الاستفتاء عام 2011 ، وهذا التحدي تحدْ كبير وتحدْ خطير ، لأن هذا التحدي يعني أن يكون السودان أو لا يكون ، أو يكون لدينا سودان واحد أو أكثر من سودان ، ولا يظنن ظان أن انفصال الجنوب يعني استقرار السودانيين ، في تقديري أن انفصال الجنوب يعني بداية الانفصالات ، كم سودان سننتهي به لا أحد يعلم،

ننظر في الانفصالات التي حدثت على مستوى العالم ، سنغافورة انفصلت من ماليزيا ، كان الاخوة في ماليزيا يظنون أن انفصال سنغافورة سيفيد ماليزيا ، ولكن النتيجة هي أن سنغافورة الآن أصبحت تشكل طعنة في خاصرة ماليزيا.. الذي حدث الآن في تيمور الشرقية من اندونيسيا ، مرد ذلك سنكتشفه في المستقبل ، مزيد من زعزعة الاستقرار في اندونيسيا ، اندونيسيا البلد الإسلامي الذي كان مستقراً ، وكان واحدا من النمور الآسيوية السبعة الآن بإمكانك أن تراقب ماذا يجري في اندونيسيا ، بدأت الحركات الاستقلالية في مناطق مختلفة من اندونيسيا ولم يختصر الانفصال فقط على تيمور الشرقية.

البعض يظن الانفصال الخيار الافضل

هذه المهمة إذا تركناها للسودانيين فقط ستكون مهمة صعبة جداً ، لأن البعض في الشمال يئس من استمرار الحرب وتكاليفها على السودان ، وأصبح يميل إلى الظن أن الانفصال قد يكون هو الخيار الأفضل. والجنوب هناك من يظن أيضاً أن بانفصال الجنوب ستكون لهم دولة مستقلة ، وأنهم سينعمون بخيرات هذه الدولة ، وبالتالي هناك انفصاليون في الشمال مثلما هناك انفصاليون في الجنوب ، هناك وحدويون في الشمال ، وفي تقديري هم الغالبية العظمى ، مثلما أن هناك وحدويين في الجنوب. كيف نعزز وضع الوحدويين في الجنوب ، هذا يتم عبر مزيد من الاتصال بين الشمال والجنوب ، مزيد من الوجود العربي في الجنوب ، العرب هم الأقرب جغرافياً للجنوب ، هم الأقرب ثقافياً للجنوب. أذكر عندما كان الدكتور عبدالسلام المجالي رئيساً للوزراء في الأردن ، زار السودان على رأس اللجنة الوزارية المشتركة ، وكنت زرته مع أحد القادة الجنوبيين ، فشرح له أخ من الجنوب وقدم له شرحاً عن الجنوب والدكتور عبدالسلام قال له: نحن منزعجون من أن الجنوب قد ينفصل.. فماذا كان رد الأخ من الجنوب ، قال له: دولة الرئيس ، إذا أنت خرجت من أبوين ، ولكنك تربيت على أبوين آخرين ، إذا لم يكن ولاؤك للأسرة التي قامت بتربيتك ، فعلى الأقل ستكون مزدوج الولاء أو مقسوم الولاء.. قال له: إذا كان الجنوبي يخرج ويجد الغربيين أمامه في أشكال متعددة ، يجد أمامه الطعام من الغرب ، يجد أمامه اللباس من الغرب ، يجد أمامه التعليم من الغرب. وقال له أيضاً: العالم العربي هو الأقرب لنا جغرافياً ، والأقرب لنا ثقافة ، ولكن عندما نجد هؤلاء الغربيين هم الأقرب إلينا بإمكانك أن تقدّر كيف سيكون موقفنا.. ولذلك الزيارة التي قام بها الرئيس مبارك ولو كانت لساعات لكن نأمل أن تكون قد ضربت في عمق العقل العربي من أن الجنوب في اتجاه الانفصال ، والعرب يمكن أن يفعلوا الكثير ، لأنه إذا شعر الجنوبي أن الاستثمار الذي سيتم هو استثمار عربي ، وأنه إذا انفصل هذا الاستثمار على الأقل سيتأثر ، وأن الخدمات التي تقدم الدول العربية تشارك بها ، وأن البنى التحتية التي تقام تشارك الدول العربية بها ، الشمال محسوب على الدول العربية قطعاً ، وليس محسوبا على العمق الافريقي كما هو الجنوب المحسوب على العمق الافريقي ، نظرة الجنوبي تجاه الشمال ستتأثر وتتغير ، ولذلك هذا أكبر تحدْ يواجه الأمة السودانية ، كيف يمكن أن نحافظ على السودان ، ولكنه تحدْ فوق طاقة السودان ، يحتاج إلى طاقات ، صحيح نحن نريد أن نستقطب الأفارقة ، ونريد أن نقول لهم أن الجنوب إذا فصل فهذا يعني بادرة ، هذه البادرة ستنتقل إلى الدول الافريقية الأخرى الموجودة ، وأن ما كان ينادي به الآباء المؤسسون في منظمة الوحدة الافريقية وغيرها من الحفاظ على الحدود الاستعمارية هذه البادرة إذا حدثت في السودان فيمكن أن تحدث لأي دولة افريقية ، خاصة أن دول الجوار الافريقي ، فلو أخذنا اثيوبيا مثلاً ، أثيوبيا موجود في دستورها حق تقرير المصير لكل الأقاليم الاثيوبية ، وبالتالي خطورة هذا المنحى هو أنه يمكن أن ينقل الصراع إلى افريقيا كلها ، ونقول أيضاً بأنه إذا كان واحد من مشاكل السودان القبلية الموجودة بحدة ، سواء في دارفور أو غير دارفور ، فإنها في الجنوب أشد ، ونخشى على الجنوب أن يكون الوضع فيه أسوأ مما كان الوضع في رواندا ، بأن تحترب هذه القبائل وتبيد بعضها البعض ، كل هذه نحن نستخدمها ، بالإضافة إلى ذلك نحرص أن نشرك الجنوبيين في كل ، الجنوب الآن كله محكوم بالجنوبيين ، لا يوجد أي شمالي يحكم في الجنوب. بالإضافة إلى ذلك الجنوب يشارك بنسبة 30 بالمائة في السلطة المركزية ، الوزارات الرئيسية الموجودة ، سواء كان وزير الخارجية أو وزير التعليم العالي أو وزير التجارة أو وزير مجلس الوزراء أو وزير الاستثمار أو غيرها من الوزارات في يد الجنوبيين ، الولايات الشمالية الـ15 لا توجد ولاية ، حتى الولاية الشمالية المحاددة لمصر ، لا توجد ولاية إلا وللحركة الشعبية وزراء فيها ، كل هذا في سبيل أن نقنع الجنوبيين أن الوحدة خيار أفضل ، ستحكم الجنوب بكامله وستشاركه في حكم بقية السودان ، وفي يوم ما يمكن أن تحكم السودان بكم ، لأن التعددية السياسية هي المعتمدة ، وأي مواطن سوداني بإمكانه أن يترشح لموقع رئيس الجمهورية ، وبالتالي نحن نقول لهم: حتى لو لم تفوزوا بالانتخابات القادمة أو التي تليها ففي يوم ما يمكن جداً للجنوبي أن يكون رئيساً للسودان ، فلماذا الانقسام؟ هذه الرسالة لا بد أن تعزز في جهود اخواننا في الدول العربية.

التحديات الخارجية

بالنسبة للتحديات الخارجية ، هذه التحديات ليست جديدة كما ذكرت ، لأن السودان محسود في موقعه الجغرافي وفي ثرواته ، ولكن إذا نظرنا على الحالة الدولية من منظور قريب نجد أنه عندما قامت الانقاذ الوطني في 1989 ووجهت بأسوأ وضع دولي منذ سنين ، هذا تمثل في انهيار الاتحاد السوفيتي ، وبالتالي اختل توازن القوى ، وإذا كان في منطقتنا كنا نشهد نوعا من التوازن ، إسرائيل تدعم من قبل الغرب ، والدول العربية مثل مثلاً مصر وسورية وغيرها كانت تجد دعماً من الاتحاد السوفيتي ، فكان هناك نوعاً من التوازن ، اختل هذا النوع تماماً وانهار الاتحاد السوفيتي وانفردت الولايات المتحدة بهيمنة كاملة في المجال الاقتصادي والمجال السياسي والمجال العسكري ، ولم تعد هناك مساحة لسياسة خارجية لأي دولة يمكن أن تقوم على الاستقلالية ويمكن أن تقوم على شعارات داخلية بحتة. ومعروف أن الشعارات التي رفعها النظام في السودان شعارات إسلامية ، جاءت بعد انهيار الشيوعية ، وجاءت في وقت الغرب الآن يبحث عن عدو جديد ، فوجد في هذه الشعارات مجال للاستهداف ، كما أن السياسة الأميركية قائمة على أن إما قسمت الدول لمحور الشر ، أو معنا أو ضدنا خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر ، وبالتالي لا تريد أن ترى دولة لديها سياسة استقلالية بعيدة عن المحور الأميركي ، لأنها كما تقول هي يمكن أن تعطي نموذجا للآخرين ، نموذج جاذب وهي لا تريد هذا النموذج الجاذب.

أضف إلى ذلك ، كما ذكر أحد السفراء الأميركان عندما كان يتحدث في وزارة الدفاع الأميركية وسئل عن سياسة أميركا تجاه السودان ، قال: في المنطقة هناك ثلاثة مرتكزات أساسية تحكم سياسة الولايات المتحدة مع أي دولة ، الأول نظام الحكم ، هل هو نظام متفاهم مع السياسة الخارجية الأميركية ، ومنسجم معها ، أم أنه لا يدور في الدائرة الاميركية ، وبالتالي مثل هذا النظام لا بد من محاصرته ، محاصرة إما أن تنتهي بترويضه أو بزواله ، وطبعاً هذه المحاصرة أخذت أبعاد مختلفة ، غزو من دول الجوار ، فرأينا ما حصل عام 1995 وبعد ذلك كانت الضربات من الصواريخ الأميركية لمصنع الشفاء للأدوية عام 1998 وعقوبات اقتصادية بواسطة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والكونغرس الأميركي يصدر قرار تلو القرار لعقوبات على السودان إلى حد ، كما طلب من كولن باول في آخر أيامه بأن يقدم وجبة أخرى من العقوبات على السودان ، حيث قال: "لم يبق شيء ،"، كل ما يمكن أن نفرضه من عقوبات على السودان قمنا به ، حتى أذكر عندما كنت وزيراً للخارجية كانت طالبة سودانية تدرس في نيويورك ، وزوجها طبيب بيطري ، كان مريضا وطلبت بأن يسافر للعلاج ، وعندما وصل إلى نيويورك توفي ، فهي أرادت أن تعيد إرسال الجثمان للسودان ، فالموظف الموجود في وزارة الخزانة المتابع للسودان أرسل لهم ورقة وقال لهم: "ممنوع الاستيراد والتصدير مع السودان".. فاضطرت أن ترسل الجثة إلى الرياض في المملكة العربية السعودية وتعيد إرسالها من الرياض للسودان ، بمعنى حصار مطبق بكل شيء ، لا نستورد من الولايات المتحدة أي شيء ، وهي لا تستورد منا أي شيء سوى الصمغ العربي لأنها محتاجة لهذا الصمغ لاستخدامه في انتاج الكوكا كولا..

التحديات الخارجية هذه بين النظام والولايات المتحدة الأميركية صعبت على النظام كثير من برامجه وخططه في النهوض بالأمة السودانية ، رغم هذا الحصار استطاع النظام ، فهذا النظام عندما أتى في 1989 ، وأنا كنت موجودا في السودان لفترة من الزمن ، الحالة الأمنية انفرط العقد الأمني لحد أن أهل الخرطوم ، العاصمة ، كانوا يقسمون الليل بينهم ، وكل مجموعة تحرس الحي عندها ، فكما يقال "تحول حاميها إلى حراميها" الشرطة نفسها جاءت مساهمة في عدم استتباب الأمن ، فالمواطنون أنفسهم قاموا بحراسة أنفسهم طوال الليل لحراسة البيوت والأسر والمؤسسات.

الوضع الاقتصادي

كنا نسمي أهل الخرطوم "أناس الصفوف" ، لأنه إذا كنت تريد بنزين فيجب عليك قبل صلاة الصبح أن تقف في الصف ، وعندما تصل إلى آلة البنزين فإما أن تجد بنزين أو أنك تجد ان البنزين نفذ من آلة التعبئة ، وبالتالي تصبح السيارة متوقفة.. الرغيف أيضاً تقف في الصف لتجلب الخبز ، وهكذا ، فكل شيء كان بالتمويل ، عندما قامت هذه الحكومة الخزينة لم يكن فيها إلا 28 ألف دولار ، ولذلك السودانيين جلسوا شهراً كاملاً ، حيث لم يكن هناك سكر ، لأننا كنا نستورد السكر والسكر أيضاً بالتمويل ، بلد فيها سكر كنا نستورد السكر من الخارج ، ولذلك عندما قامت هذه الحكومة السودانية بقوا شهراً كاملاً يشربون الشاي بدون سكر ، ولكن ما الذي ولّده ذلك؟ أنظر إلى السودان الآن ، البنزين الذي كنا نقف له بالصف نحن الآن نصدر البترول ، خطورة هذا أنه بقي 60 بالمائة من الميزانية من عائدات البترول ، نحن كنا نستورد السكر ، الآن انتاجنا من السكر وصل إلى 600 ألف طن في العام ، فبدأنا نصدر السكر. رفعنا شعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" واستطعنا تقريباً أن نكتفي ذاتياً من الحبوب ومن الدقيق ، كنا نستورد أي شيء من الصناعات ، مثلاً الذخيرة التي تستخدم للبندقية كنا نستوردها من الباكستان وغيرها ، الآن القطاع الصناعي في الجانب العسكري بدأ ينتج الذخيرة والبندقية والدبابة..الخ ، وفي الجانب المدني الآن نحن ننتج السيارات والشاحنات الكبيرة والباصات وآليات الزراعة..الخ ، الهجمة الأولى جعلتنا ننكفي على أنفسنا والطرق التي رصفت ، التعليم في السودان كان عدد الطلاب الذين يدخلون التعليم العالي لا يزيد عن 5 آلاف طالب ، هذا العدد ضوعف الآن أكثر من 10 مرات ، كان لدينا في السابق 5 - 6 جامعات ، الآن يوجد لدينا أكثر من 30 جامعة ، قمنا بالتوسع في التعليم واستثمرنا في الإنسان السوداني ، ووسعنا في مجال البنية التحتية ، ووسعنا في مجالات مختلفة.

التحدي الذي أمامنا الآن هو تحدي انهيار أسعار البترول ، الأزمة المالية التي أصابت العالم ستنعكس على السودان إذا لم نحسن استغلالها.. سأقف عند هذا الحد وأقول أن هذه التحديات التي نواجهها في السودان ، سواءً تحديات داخلية أو تحديات خارجية الفرصة في مواجهتها ، هناك تحدْ وهو التحدي القانوني ، والذي هو تحدي إجراءات المحكمة ، محكمة الجنايات الدولية ، وهذه قفزة أيضاً ، فالغرب حاول كل المحاولات ، حاول أن يؤلب الشعب السوداني على الحكومة فإذا بالشعب السوداني يتناصر ويقف مع الحكومة ، حاول أن يستخدم العقوبات الاقتصادية فإذا بالاقتصاد السوداني يتحول أفضل وأفضل وأفضل مما كان عليه في السابق ، حاول أن يستخدم العقوبات العسكرية فإذا بالسودان ينتج ما يريده ، حاول أن يستخدم حركات تمرد فإذا بالسودان يستطيع أن يواجه حركات التمرد هذه ، حاول أن يستخدم العقوبات السياسية من قبل الأمم المتحدة ، العقوبات الاقتصادية من قبل صندوق النقد الدولي ولكن ، ولله الحمد ، استطعنا أن نتجاوز هذه العقوبات ، فلجأ إلى استخدام العقوبات القانونية ، ما يسمى بمحكمة الجنايات الدولية ، التي نحن لسنا عضواً فيها ، دارفور تمرد ، العالم كله يعرف بأن هذا التمرد بدأ بحركات التمرد في دارفور ، فهم الذين بدءوا والحكومة جلست ستة أشهر ، ستة أشهر لم تتدخل القوات المسلحة السودانية في سبيل أن نصل إلى حل أهلي في هذه القضية ، فإذا بهم يقومون ويهجمون على المطار ، مطار الفاشر ، ودمروا سبع طائرات موجودة في المطار ، فحينها تدخلت الحكومة ، لكن إذا لم تتدخل الحكومة المتمردون سيحتلون دارفور ، وعندئذ ستتحول إلى حرب أهلية. رغم أن هذا كله معروف ، لكن القوى التي أصلاً هي تستهدف السودان عندما عجزت عن استخدام كل هذه الأساليب لجأت إلى استخدام محكمة الجنايات الدولية ، وهذا أيضاً تحدْ يواجهنا في المرحلة القادمة.

توحيد الجبهة الداخلية

مواجهة هذه التحديات بالنسبة إلينا ، أولاً مزيد من توحيد الجبهة الداخلية وتقويتها. ثانياً مزيد من إصلاح العلاقات مع دول الجوار. ثالثاً الانفتاح على محيطنا الإقليمي ومحاولة الاستفادة من القدر المتبقي مما يمكن أن نسميه التكامل الإقليمي أو الوحدة الإقليمية سواء كان من الجانب العربي او الجانب الافريقي أو جانب عدم الانحياز ، عندما صدر قرار محكمة الجنايات الدولية نشطت الدبلوماسية السودانية ، فأخرجت إدانة من الجامعة العربية ، وإدانة من الاتحاد الافريقي ، وإدانة من عدم الانحياز ، وإدانة من منظمة المؤتمر الإسلامي ، وحقيقة كانت إدانة قوية جعلت حتى أولئك الذين يقفون خلف محكمة الجنايات الدولية يعيدون النظر ولو إلى حين حتى يستعيدوا أنفاسهم ويبدءوا خطوتهم القادمة ، إذن هذه هي الحالة في السودان ، وهذه هي التحديات التي نواجهها ، ولكننا نتكل على الله سبحانه وتعالى ولا نتواكل ، "الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" ، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الشريف يشكر

باسمكم جميعاً نقدم وافر الشكر والتقدير للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل على هذا العرض الوافي للتحديات التي تواجه السودان داخلياً وخارجياً ، وهو لم يكتف بذلك بل أيضاً تحدث عن مواجهة هذه التحديات والقدرة الكامنة في السودان وفي علاقات الجوار وفي المحيط العربي والافريقي للتغلب على هذه التحديات بإذن الله.

الآن نفتح باب النقاش لعرض الأسئلة والمداخلات حول ما تفضل به معالي الدكتور مصطفى..

د. محمد العتوم

شكراً لجريدة الدستور صاحبة الرسالة الهادفة وشكراً لمعالي الدكتور مصطفى عثمان الذين تناول الوضع بأسلوب الطبيب البارع ، وهو دبلوماسي مشهود له عندما تسلم وزارة الخارجية السودانية ، كان ثماني من تسع دول تعاني السودان ، وعندما سلم الوزارة لخلفه أيضاً كانت جميع هذه الدول تقيم علاقات جيدة مع السودان ، لكن أعتقد أن التحديات التي ذكرها معالي الدكتور هي تحديات فرعية ، أعتقد أن التحدي الرئيسي والأساسي الذي يواجه السودان هو أن الحركة الإسلامية هي التي تحكم السودان ، فالحركات الإسلامية هي حركات مستهدفة بعد أن تمكن الإسلاميون من أن يديروا دفة الحكم في إيران بنجاح ملحوظ ، أيضاً نجحت الحركة الإسلامية السودانية في الوصول إلى الحكم ، ومن هنا قامت الهجمة والحملة على السودان ، وأنا عملت دبلوماسياً في السودان لمدة أربع سنوات وزرت معظم مناطق دارفور واطلعت كشاهد عيان على أنها قضية مفتعلة هي في جوهرها عبارة عن صراع بين المزارعين وبين الرعاة وبلغت ذروتها في السبعينات أيام حكم الصادق المهدي ، لكن استثمار هذه القضية وبعض الإعلام السوداني خلق منها هذا الواقع. ما أريد أن أصل إليه فمطلوب من الاخوة في السودان الشقيق وعلى رأسهم معالي الدكتور مصطفى عثمان وزملائه القادة الأذكياء كالدكتور صلاح الدين وغيره أن يقوموا بإعادة الوحدة إلى الحركة الإسلامية ، وإذا كان هناك ضيق يخشونه من بعض الدول العربية والكبرى على هذا التوجه ، فإن المكاسب التي سيحققونها كبيرة.

الفريق المتقاعد فاضل علي

شكراً للشرح المفصل والضوء الذي سلطته بهذا الوقت المتاح على كافة الجوانب في السودان.. أعتقد أن الثروة الطبيعية في السودان والنظام الاجتماعي الموجود إضافة إلى دخول الصين في هذه الاستثمارات والعلاقات السودانية الروسية وعدم الانسجام -كما ذكرت - مع السياسة الغربية وخاصة سياسة الولايات المتحدة ، هذه من الأمور التي أفزعت أميركا والغرب بشكل عام ، ونحن نعرف أن إسرائيل هي الذراع الممتدة في المنطقة للدول الاستعمارية التي أنشأتها. مقابل هذا الدول العربية من المؤسف أن كثيرا من الدول العربية وخاصة المجاورة للسودان لم تقم بأي موقف سوى المواقف العاطفية كما نشهدها في كثير من الساحات الدولية والمواقف والأزمات العربية.. أرجو من معالي الدكتور مصطفى أن يبين مدى وجود العوامل الثلاثة وأيضاً مدى التفاعل الحقيقي العملي من قبل الدول العربية فيما يتعلق بالتحديات السودانية؟

م. جمال أبو زيد

تفضلت وذكرت أن التحديات التي تواجه السودان علاقاتها مع دول الجوار ، نحن نتابع الأخبار منذ سنوات عديدة ، هناك توتر في العلاقات بين السودان ومحيطه ، مع اثيوبيا واوغندا وتشاد وحتى مع مصر ، فما مدى هذه التوترات مع دول الجوار؟ وهل هناك طريقة لحلها حتى يستقر السودان؟

محمد الملكاوي

تفضلت وتحدثت عن دارفور ، وقلت بأن هناك أكثر من 12 فصيلا في دارفور ودعوا إلى اجتماع في ليبيا ولم يحضر إلا فصيل واحد ، ولكن من أقوى الفصائل في هذا الإقليم هو فصيل "عبدالواحد" وعبدالواحد موجود في فرنسا ، وله مكتب في إسرائيل ، ومدعوم مالياً وأيضاً سياسياً من إسرائيل وأميركا ، وأيضاً فرنسا تدعمه وهو مقيم فيها بشكل كبير ، وله قوة كبيرة ، لماذا عبدالواحد يقود هذا التمرد بشكل كبير ومتميز عن بقية الفصائل السودانية في هذا الإقليم ، فما هي مطالبه بشكل رئيسي؟ له مطالب أكبر من قدرة السودان على تحمل الجلوس والتفاوض معه ، فهل يريد انفصال دارفور انفصالا كليا عن السودان كدولة؟

د. مصطفى العماوي

شكراً لمنتدى الدستور على هذه المبادرات القيمة ، وشكراً لمعالي الضيف. ما سمعناه شيء مؤلم من مؤامرات على القطر السوداني الشقيق ، ولكن الانفتاح عند معالي الضيف ، نتمنى على الحكومة السودانية أن تسبق الغرب بما تفكر به من حيث الإصلاحات السياسية ومن حيث العلاقات العربية والإقليمية والدولية وأن يكون هنالك انفتاح تعددي ، سياسي ، حزبي ، انتخابي ، ديمقراطي ، لكن بما أن الغرب يفكر في المؤامرات فيجب أن تسبقوه بشعاراته المزيفة ، الإعلام للأسف ضعيف جداً في السودان ، ونتمنى أن يكون هنالك قوة إعلامية أكثر وأن يكون هنالك تركيز سوداني عربي ، لأنه بالنتيجة لا بد من الرجوع للجامعة العربية أو للقوة العربية كونها إقليمية وقطرية.

د. مجلي محيلان - الجامعة الأردنية

ذكر معالي الدكتور مصطفى عثمان في بداية حديثه عن الثروات الهائلة الموجودة في السودان ، وشيء مذهل أن كمية احتياطي النفط في السودان تعادل النفط الموجود في المملكة العربية السعودية ، بالإضافة إلى الثروات المائية والزراعية.. لكن عندما يتابع أي شخص وسائل الإعلام ويرى الفقر الشديد الموجود في مناطق مثل دارفور يستغرب مدى اهتمام الحكومة المركزية في عمل مشاريع تنموية وبسرعة فائقة على المدى القريب لاستثمار بعض هذه الثروات والتي قد تساهم إيجابياً في حل المشاكل الداخلية ومشاكل الوحدة الوطنية.

لؤي الخشمان - سفير سابق

أرحب بمعالي الدكتور مصطفى عثمان في بلده الثاني ، وأشكر صحيفة الدستور على استضافة معالي الدكتور مصطفى الذي أعطانا المزيد من المعلومات وإثراء المعلومات القيمة التي تفضل بها.. في البداية لا يوجد شك بالنظرة إلى ما ورد في المحاضرة القيمة ، بداية شعرنا بنوع من التشاؤم ، فقد أعطانا الدكتور مصطفى في بداية حديثه صورة مؤلمة ، لكن في نهاية المحاضرة ، وعندما عرفنا بالإنجازات التي قامت بها الحكومة والنظام السوداني انشرح صدرنا فوجدنا هناك تغييرا كبيرا.. الطرح الذي أود معرفته هو ما مدى تعليق آمال الاخوة في السودان على مؤتمر الدوحة؟ وإذا لمست من حديث معاليه على أنكم تعلقون آمالا كبيرة على دور عربي في الجنوب ، لكن أتصور أن التجارب الموجودة ، حيث أن معالي الدكتور مصطفى كان وزيراً للخارجية السودانية ، فيعرف بأنه يجب أن لا يعلقوا آمالاً كبيرة على الدور العربي..

حمدان الحاج - جريدة الدستور

لدي ثلاث أسئلة ، أولاً تفضلت وتحدثت عن آفي ديختر وحديثه ، ما رأيك في حديثه ، حيث أنك عرضت آراء آفي ديختر ولكنك لم تعلق عليها؟ ثانياً ، ما هي الاستثمارات المرجوة من الدول العربية حتى تعين السودان على واقعه للحافظ على مواقفه ومواجهة الحصار؟ ثالثاً ، في الفترة الأخيرة زار الأردن عدد من المستشارين والشخصيات السودانية البارزة تطلب مساعدة الأردن وتوظيف موقف جلالة الملك لخدمة القضايا السودانية ، وخاصة موقف المحكمة الجنائية الدولية ، خاصة أن جلالة الملك له حضور عالمي ويستطيع أن يخدم السودان في هذا المجال؟

ردود الدكتور إسماعيل

الموضوع الذي ذكره الدكتور محمد العتوم موضوع مهم ، فأحد أسباب إضعاف الوضع في السودان هو الانشقاق الذي حصل في الحركة الإسلامية ، ويبدو أن هذه سنة بقيت موجودة باستمرار في أنه يسهل الدخول في أجسام القوى السياسية وانقسامها ، لكن في السودان ليس فقط الحركة الإسلامية ، الحركة الإسلامية منقسمة قسمين ، وحزب الأمة منقسم قسمين ، والإتحاد الديمقراطي منقسم قسمين والحركة الشعبية كذلك ، أي لا يوجد حزب في السودان إلا منقسم قسمين أو أكثر ، فقطعاً إذا استطعنا أن نعيد اللحمة إلى الحركة الإسلامية في السودان فهي تشكل رافدا قويا جداً من مكونات الشعب السوداني القادر على المقاومة والقادر على الصمود والقادر على التضحية.. ولن يهدأ لنا بال ومحاولاتنا ستستمر ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا التوفيق حتى تصب في مصلحة الوطن.

اما ما ذكره الفريق المتقاعد فاضل علي بالنسبة لي من الصعب أن أتحدث وأسترسل فيه ، لأن موضوع الدول العربية لم تقم بشيء ، ودورها دور عاطفي ، وعاجزة عن أن تفعل الكثير. أريد أن أجيب هنا بقول الشاعر "وما علموا أني سكت لأنني أرى عيبهم ، عيبي فلا أتكلم"..

التوتر مع الجوار

اما بالنسبة للتوتر في علاقات السودان مع محيطه الإقليمي هو أولاً الدول الافريقية دول خارجة من استعمار ، واستعمار سيىء جداً ، وهذا الاستعمار بالرغم من أنه سياسياً الآن حرر الدول الافريقية لكن اقتصاديا فهي مستسلمة للمؤسسات الغربية مثل صندوق النقد الدولي ، فهل سمعتم بأن الجيش في دولة من الدول يضرب لعدم استلام مرتباته؟ فواحدة من دول الجوار السوداني الجيش أضرب لأن الحكومة لم تستطع تسليمه رواتبهم ، فالوضع الاقتصادي السيىء يعطي فرصة للتدخلات الخارجية واستغلال هذه الدول ، فعندما حصل الغزو الاثيوبي في عام 1997 ، أميركا نسجت في الجوار السوداني شبكة في ارتيريا واثيوبيا واوغندا والكونغو الديمقراطية ورواندا ، بحيث أن هذه المجموعة منها يتم تغيير النظام في السودان ، وربطت معها أيضاً المعارضة السودانية ، ودعمتها وقدمت لها السلاح والمال ، وهذا معروف ومعلن ، فأولبرايت في كمبالا عندما التقت القيادة قالت بأنهم يريدون إزالة النظام في السودان سلماً أو حرباً. أحياناً ليس كل الحسابات الدقيقة هي حسابات دنيوية ، فقد قال تعالى "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" هناك الكثير من الناس لا يستوعبون هذا. هذا الحشد نجد فجأة تقوم حرب بين ارتيريا واثيوبيا ، وهاتان الدولتان تشكلان رأس الرمح في غزو السودان ، حرب بين ارتيريا واثيوبيا حرب قتل منها ما يقارب 100 ألف نسمة ، وحتى الآن هذه الحرب لم تضع أوزارها ، والحرب بين اوغندا ورواندا وما زال الخلاف مستمرا ، حرب بين اوغندا والكونغو وحتى الآن ، فالله سبحانه وتعالى شتت شملهم ، وجعل حلفاء الأمس ضد السودان هم أعداء حتى اليوم ، وما كان لنا يد في ذلك ، فلا يوجد لدينا استخبارات قوية تدخلت في المسألة لكن هذه حكمة الله سبحانه وتعالى.. أستطيع أن أقول الآن أن علاقاتنا مع دول الجوار ، مع مصر ، ومع العالم العربي كله ، لا يوجد دولة الآن تستطيع أن تقول أن علاقاتها مع السودان سيئة ، بالعكس ، هذه الدول تقف معنا سياسياً ، وإلى حد ما تقف معنا اقتصادياً ، فعلاقاتنا جيدة ، ويمكن لا يوجد دولة في الجامعة العربية تجمع عليها الدول العربية في قضاياها مثل السودان ، لكن الفعل هنا نستطيع أن نقدم هذا الفعل ، ولكن علاقاتنا مع دول الجوار جيدة وممتازة ، عدا ربما تشاد ، حيث أن تشاد لديها بعض التوتر ، أنا قبل أن أحضر إلى الأردن ذهبت إلى تشاد وقابلت الرئيس التشادي ، والاستراتيجية قائمة كنت أقول للرئيس البشير بأن تشاد مستخدمة لأجل أن تستنزف السودان ، فيجب أن ننزع هذا الفتيل المستخدم حتى لا تستنزفنا حتى ولو ببعض التنازل ، ولذلك سافرنا وقابلنا الرئيس التشادي وجلسنا معه وعملنا على عودة العلاقات الدبلوماسية ونعمل من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين ، لأن هذا الجوار ممكن أن يستغل ضدنا ، إذا كان ضعيفاً فممكن أن يأتي آخرون ويقووا هذا الجوار وعبره يشكلون لنا طعنة ، ولذلك أستطيع القول أن علاقاتنا مع دول الجوار كلها جيدة ما عدا تشاد وتشاد في إطار التحسين الآن ، وكل هذا استعداد لمستقبل الأيام ، فلا نعلم ما الذي سيفعله أوباما ، ولذلك أفضل شيء أن نقوم بتحصين الداخل ونحصن الجوار ونستعد بعد ذلك للخارج ، فواحدة من سياستنا القائمة أن لا نستعجل المواجهة ، فبقدر الإمكان ندفع بهذه المواجهة ونؤخرها ، وإن لم تأت فذاك هو الأفضل ، لكن إذا جاءت فيجب أن نواجهها ونقف ضدها.

الانفتاح السياسي

اما بالنسبة لما ذكره محمد الملكاوي عن فصيل عبدالواحد ، صحيح أن عبدالواحد موجود في فرنسا ، عبدالواحد مستخدم ومستغل لأجل أن يشكل المشاركة الإسرائيلية في طاولة المباحثات القادمة ، عبدالواحد هو الآن الوحيد الذي يعلن بأنه لو جاء إلى السلطة في السودان فسيقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل ، وهو فتح مكتب في إسرائيل ، ويعتقد بأنه يجب أن يرتفع العلم الإسرائيلي في السودان ، فاستراتيجيته في هذا الأمر واضحة جداً.. فرنسا بعد ساركوزي سياستها لم تعد كما هي في زمن شيراك ، فرنسا أيام شيراك كان هناك درجة من التوازن في علاقاتها العربية وعلاقاتها مع إسرائيل ، لكن واضح جداً أن استراتيجية ساركوزي جاءت مقاربة للسياسة الخارجية الأميركية ولا بد أنها وضعت في الاعتبار أيضاً المصالح الإسرائيلية ، فلذلك فرنسا أخذت عبدالواحد عندها لتستخدمه كقناة لمصلحة إسرائيل.

وأتفق مع الدكتور مصطفى العماوي بأنه لا بد من عمل وعمل كبير في الانفتاح السياسي.. وأتمنى أن تكون هناك فرصة للدكتور العماوي لزيارة السودان حينها سيقول بأن هذا الانفتاح أكثر من اللازم ، فالصحف في السودان أكثر من 30 صحيفة ، الأحزاب السودانية الآن يوجد 42 حزبا ، والأحزاب الموجودة في الحكومة الآن 17 ألفا وفي المعارضة أكثر من ذلك ، فلو تابع أي شخص الجزيرة وسمع ما يقوله الدكتور الترابي الذي يشتم الجميع ابتداءً من الرئيس البشير وما دون ، وينام في بيته وتحرسه القوات الأمنية التابعة للرئيس البشير ، فتكون مسؤوليتنا كحكومة أن نحميه كمواطن من حقه أن يقول ما يشاء ، فهذا ما هو حاصل ، فيجب أن يقتنع المواطن بأنه في بلده يكون آمنا أكثر من خارج بلده ، لكي تستطيع بعد ذلك أن تستقطبه وتأتي به للداخل.

وبالنسبة لسؤال الدكتور مجلي ، الفقر الشديد في دارفور موجود لكن عندما تقارن ، فدارفور كان فيها 6 مدارس ثانوية ، فقط في عهد هذا النظام الآن دارفور فيها 117 مدرسة ، و3 جامعات ، وفي كل ولاية من ولايات دارفور الثلاث جامعة ، وأكبر محطة للكهرباء والسدود في دارفور ، وكل ولايات السودان شهدت تنمية بهذا الحجم ، لكن مثلما بدأت حديثي بأن الغرض من هذه الأزمات أن لا تحدث تنمية في السودان يستطيع من خلالها أن يبرز السودان كقوة إقليمية.

مؤتمر الدوحة

مؤتمر الدوحة نحن ننظر له بتفاؤل ، أولاً مبادرة أهل السودان جمعت أهل السودان حول الحل السياسي بالنسبة لقضية دارفور ، مثلما ذكرت شارك فيها من أهل دارفور أكثر من 50 بالمائة ، القوى الاجتماعية في دارفور شاركت فيها ، القوى الدولية كانت موجودة ، المبعوث الدولي. الدوحة لو نظرنا لقطر ، فقطر بالنسبة للسودان مقبولة من الحكومة ومن الفصائل الموجودة ، قطر علاقاتها الدولية تتيح لها الفرصة بأن تتحرك على المستوى الدولي ، فلديها علاقات مع فرنسا وبريطانيا وأميركا ، وأيضاً لديها تجربة ، فلو أخذنا تجربة لبنان نجد أنها نجحت فيها ، وبالتالي نتصور أنها إذا استخدمت علاقاتها وإمكانياتها المادية وحاولت أن تأخذ معها العرب بأن هذا الحل السلم وسيعقبه برنامج طموح تنمية وخدمات يقدم لأهالي دارفور فأعتقد أننا يمكن أن نصل إلى حل عبر الدوحة.

وبالنسبة للدور العربي في الجنوب ، نأمل ذلك الدور ، الجنوب به خيرات كثيرة جداً ، والسودان ممكن أن يشكل فعلاً سلة غذاء العالم العربي ، لكن مشكلة العرب التردد الكبير وأتمنى أن الأزمة المالية التي حصلت في الغرب تكون جزءا منها أن نقول بأن الأفضل أن نعيد نظرتنا في توظيف فائض أموالنا في السودان ، السودان الآن التأثير بالنسبة للأزمة المالية هو انخفاض أسعار البترول ، لكن لا تأثير على الإطلاق فيما عدا ذلك على السياسة المالية السودانية لأنها ليست مرتبطة ارتباط وثيق بالسياسة الغربية.

أقول للأخ حمدان الحاج بالنسبة للآراء التي ذكرها ديختر هي أكثر ما يلفت الانتباه أن إسرائيل لم تكن تخرج للعلن في مثل هذه الخطط والبرامج ، كانت دائماً تجعلها سرية ، لكن لأول مرة تقوم بالكشف عن هذا المستور ، لكن نحن قلنا لعل هذا يجعل اخواننا العرب ينتبهون لهذا المخطط الموجه للسودان ، فهو ليس المقصود السودان وحده ، ولكن مثلما قال ديختر نفسه بطريقة واضحة جداً بأن المقصود به الأمن القومي العربي ، وأن هذا السودان لو تركناه ليقوم على قدميه فسيكون إضافة للأمن القومي العربي ، وأن هذه هي استراتيجيتنا التي نعمل عليها إن كان في الجنوب أو في الغرب ، وقال بأنه حتى لو عولجت مشكلة دارفور فسياستهم ستستمر في إضعاف المركز من خلال خلق مزيد من الأزمات. أعتقد أن اهم ما في محاضرة ديختر أنه كشف المستور الذي تقوم به إسرائيل ولكنه أوجده الآن على العالم وبصورة واضحة جداً.

الموفدون الذين زاروا الأردن في الفترة السابقة ، ومثلما ذكر السيد حمدان الحاج ، أولاً الأردن تقريباً هي الدولة العربية الوحيدة ، إذا اعتبرنا جزر القمر وجيبوتي دول افريقية ، الأردن هي الدولة العربية الوحيدة العضو في محكمة الجنايات الدولية ، ونحن لسنا أعضاء ولكن "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها" نحن وجدنا الاخوة في الأردن أعضاء ، فنريد أن نستفيد من عضوية الأردن في محكمة الجنايات الدولية ، وهي تقوم بهذا الدور ، فنحن نريد أن نملكها المعلومات المطلوبة وجلالة الملك وجه وزير الدفاع ووزير الخارجية للتعاون معنا ، ولذلك ترون المبعوثين الذين يترددون على عمان بين الحين والآخر فهم يجلبون معهم إما وثائق أو مقترحات أو بعض الأفكار يتشاورون بها مع الاخوة في الأردن.

د. نبيل الشريف

شكراً لمعالي الدكتور مصطفى عثمان ، فقد كانت أمسية مميزة ومحاضرة قيمة ، والآن أنتم جميعاً مدعوون لحفل استقبال تكريماً لمعالي الدكتور مصطفى عثمان.

التاريخ : 20-11-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش