الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فَحْم

جهاد جبارة

الثلاثاء 29 شباط / فبراير 2000.
عدد المقالات: 53

داخل قيعان صحون «الألمنيوم»، كانت قَطَرات الدلف المُتساقطة من بين القصب، تعزف لحن البَلَل في ليالي كوانين الماطرة، ومن شَرخ حديث في طين السقف وجد المطر طريقه نحو كانون النار الطيني وقد امتلأ
بالرماد بعد انطفاء آخر ضوء أحمر كان يبعثه جمر الفحم في عتمة تلك الحُجرة.
للرماد إن بَلّله المطر رائحة تختلف عن رائحة التراب المرشوش بأول مطر، رائحة الرماد أقرب ما تكون لرائحة الموت المحفوظ في أراضي المقابر البعيدة، بينما رائحة التراب أقرب ما تكون لرائحة الحياة بعد أن انتظرتها المحاريث لتُقيم للقمح، عاشق الأرض، مساكنا يتزاوج داخلها طوال الربيع لِيُنجب السَبَلَ صيفا.
رائحة الرماد كانت تهزم دفء فقراء حجرة الطين، لأنها كانت تُنذرهم بضرورة استبدال ما تبقى لديهم من بيض دجاجتهم الوحيدة، بفحم آخر لا يطول احتراقه لأكثر من ليلتين!
في حجرة الطين تلك غارت عيون القطة البيضاء جوعا بعد افتراسها لآخر فأر تخلّف عن الرحيل مع عائلته التي هجرت الحجرة نظرا لأن القمح كان قد نضب من شُوال الخيش المركون أسفل قنديل الكاز المصلوب بمسمار على جدار كان مصبوغا بسواد الأدخنة.
في نهار عاصف شديد البرودة، كانت الريح خلاله تُحيكُ شالا من نُتَف الثلج، سمع فقراء تلك الحجرة قَرعا على باب الخشب العتيق، كانت جارتهم تطلب حِساءً لزوجها الكهل الذي عَضّهَُ الصقيع!
ذَبحوا له دجاجتهم الوحيدة، فقضوا ما تبقى من شتاءٍ بلا فَحْمْ!

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش