الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إقرار الموازنة : الانتقال من عهد الدعم إلى زمن التحرير

تم نشره في الأحد 27 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 مـساءً
إقرار الموازنة : الانتقال من عهد الدعم إلى زمن التحرير باتر محمد علي وردم

 

 


شهدت مناقشة الموازنة العامة لهذه السنة بعض الظواهر الإيجابية التي تستحق التوثيق ، خاصة من خلال آلية النقاش في مجلس النواب واللجنة المالية. الصورة المتطورة ظهرت في عقد اللجنة لعشرات وربما أكثر من مئة اجتماع حول بنود الموازنة مع وزارات مختلفة كل على حدة ومع مؤسسات حكومية ومدنية وخبراء مختصين من أجل إشراك معظم القوى المعنية بالموازنة وتضمين معظم الآراء الاقتصادية الموجودة في البلد.

هذه العملية وإن تسببت في وقت أطول في النقاش ولكنها كانت تمرينا مفيدا للجميع وتمكنت في النهاية من الوصول إلى حلول وسط بين اللجنة والحكومة ، وقدمت تقريرا متوازنا ومبنيا على ملاحظات علمية ، وهذا يختلف تماما مع مناقشة العام الماضي والتي شهدت حالة غريبة في قيام معظم أعضاء اللجنة المالية بالتصويت ضد قرارات اللجنة اثناء المناقشة تحت القبة، وعلى كل حال فإن الصورة الإيجابية المنطقية لم تكتمل ، حيث شهدت جلسات الثقة ماراثونا طويلا من الخطابات التي تركزت على مطالب محلية من الواضح أنها جاءت لحفظ سمعة النواب أمام قواعدهم الإنتخابية بعد أن ثبت إستحالة تضمين هذه الطلبات في الموازنة. وكانت المفارقة أن النواب في خطاباتهم المنفردة طالبوا بزيادة النفقات العامة لتحقيق كل هذه المتطلبات بالرغم من أن توصيات اللجنة المالية في المجلس ركزت على أهمية تخفيض النفقات ، والتي أبدت الحكومة إستعدادا لها. مع تمرير الموازنة في المجلس ببعض التعديلات التي تعلقت بتأجيل تحرير اسعار الغاز وعدم رفع أسعار الأعلاف والخبز والكهرباء على المواطنين الذين يقل إستهلاكهم عن 160 كيلو واط في الساعة شهريا ، يمكن القول بأن الحدث الأهم إستراتيجيا كان هو الإنتقال من عهد الدعم إلى زمن التحرير للسلع الاساسية مثل النفط والأعلاف وإسدال الستارة ربما للمرة الأخيرة على سياسات الدعم في المملكة والتي ميزت العقود الماضية منذ استقلال المملكة وحتى الآن. هناك إحباط مفهوم في الشارع الأردني من إقرار الموازنة ، وبالرغم من أنه لا توجد لدى المواطنين أوهام حول القدرة الحقيقية والمفترضة لمجلس النواب على إجراء تغييرات جذرية في نوعية صياغة الموازنة وقراراتها ذات التأثير الكبير على المواطنين فإن نوعا من الأمل كان موجودا في أن يكون هناك تأجيل إضافي لكل أنواع رفع الدعم وتحرير الأسعار إلى ما بعد إنتهاء الشتاء.

ربما لا تكون الحكومة قد نجحت فقط في إقرار الموازنة ولكن أيضا في ترسيخ النظرية القائلة بأن الأردن وصل إلى مرحلة الضرورة في تحرير السلع وتغيير أنماط الدعم وإستبدال دعم المحروقات بشبكة الأمان الإجتماعي كآلية دفاع اقتصادية. الجدال الاقتصادي الاجتماعي بين فلسفة التحرير الاقتصادي وما بين المعارضة المستندة إلى آليات الدفاع عن الدولة الريعية إنتهى بإنتصار للتيار الأول.

هذا الإنتصار ربما كان سببه الأساسي فتح معظم وسائل الإعلام ابوابها أمام اصحاب هذه النظرية والمدافعين عنها ولكن الطرف الثاني في المعادلة هو أن دعاة العودة إلى الدولة الريعية لم يقدموا حججا رقمية واقعية بقدر ما طرحوا خطابات سياسية ركزت على إنتقاد السياسات الليبرالية ورموزها بدون تقديم بدائل واقعية يمكن تنفيذها. القضايا الثلاث الأساسية في الإنتقال الحرج للسياسات الحكومية نحو التحرير هي الأسعار والطاقة والأعلاف وهي التي سادت معظم نقاشات النواب ، وكل هذا القضايا تحتاج إلى إستجابات جديدة وخلاقة لحماية الأمن الإجتماعي والاقتصادي.

أحد تلك الإستجابات أعلن عنها رئيس الوزراء أمام مجلس النواب وهي إجراء تعداد جديد للمواشي وبطريقة منطقية وعلمية تحدد العدد الحقيقي وليس الوهمي الذي تم الإبلاغ عنه في التعداد الأخير.

إجراء التعداد الجديد سيحدد بالضبط الحاجة الوطنية للأعلاف وكيفية دعم زراعتها محليا وتوفيرها من مصادر رعوية داخلية من خلال استحداث صندوق خاص لتمويل زراعة الاعلاف يتم دعمه بمبلغ"40" مليون دينار تتوزع مناصفة بين العام الجاري والعام المقبل أو تحديد آلية لدعم صغار المزارعين بدلا من دعم اصحاب الحيازات الكبيرة والملايين الذي تم على حساب خزينة الدولة طوال السنوات الماضية.

بعض الوسائل الأخرى المنطقية تضمنها رد رئيس الوزراء على تقرير اللجنة المالية وخاصة في المجالات التالية: تكثيف مراقبة الاسواق ومنع الاحتكار ، وتعزيز دور المؤسسات الاستهلاكية من خلال تكثيف انتشارها في كافة ارجاء المملكة ، وتشجيع المواطنين على زراعة مادتي القمح والشعير من خلال تحديد اراض مملوكة للخزينة لهذا الغرض وكذلك الالتزام بشراء الانتاج بالاسعار العالمية ، والاعتماد على مصادر الطاقة البديلة مثل طاقة الرياح والصخر الزيتي واليورانيوم وغيرها ، واعفاء السلع الموفرة للطاقة من الرسوم الجمركية والضرائب ، وتبني برنامج شمولي لترشيد نفقات الحكومة التشغيلية مثل الماء والكهرباء والوقود والسفر في المهمات الرسمية واستخدام السيارات الحكومية وغيرها. بإمكان الجدل الأكاديمي والسياسي أن يستمر حول سياسات الدولة الريعية مقارنة بسياسات التحرير الاقتصادي ولكن هذه المرحلة سوف يتم تجاوزها في الأردن مثلما تم تجاوزها في معظم دول العالم في السنوات القليلة الماضية.

والبحث الذهني والعقلي الأفضل هو الخاص بتطوير مقترحات لسياسات بديلة تحاول حماية القدر الأكبر من الأمن الاجتماعي وتقسيم كلفة العبء الاجتماعي للسياسات الاقتصادية الجديدة بشكل عادل على بين المواطنين والحكومة ورفع الدعم عن ممارسات الهدر وإضاعة المال العام في المؤسسات العامة كما تم رفع الدعم عن السلع الأساسية. ستكون الحياة مختلفة تماما وصعبة جدا في هذه السنة وما يليها والكثير من المجتمعات في العالم مرت بهذه النقلة القاسية ، وبعضها تمكن من التكيف وإستعادة النمو وبعدها انغمس تحت طاحونة استمرار الهدر والفساد ومن المفيد دراسة التجارب الناجحة وتجاوز الجدال الإيديولوجي والسياسي العقيم إلى التفكير بالحلول التنموية الناجحة في عهد ما بعد الدعم.



Date : 27-01-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش