الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

زهر الربيع

جهاد جبارة

الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000.
عدد المقالات: 53


أدمَنَ عابرُ البيداء دُخان النار التي كان يُشعِلها لتؤنِس ليله الصحراوي، كان يَراها خيوطاً رمادية، لا تلبث أن أن تسرق من آخر أزرق في السماء قُبيل المَغيب بعض زراق، ثم يَخالها تحتالُ على ناقة وَضحاء تؤمُ الغدير لتخطف من بياض عينيها بياضا لتمحو به الرماديّ، والأزرق.. كانت تلك الألوان وكأنها تتلوّى وَجعا لأن الريح قد ألقَت عليها القبض لتحملها عُنوة وبكل قسوة بعيدا عن الحَطب المُشتعل.
خيوط الدخان تلك، خالها عابر البيداء ذاكرته التي تَبحث عن فَكاكٍ من أسرها كلما اشتعلت في قلبه الأشواق إلى ماضٍ بعيدٍ بَعيد، فالخيط الرمادي كان يُذكره بتلك الكنزة الرمادية التي كانت تُصر جدّته أن تترك له في جيوبها بعض زَبيب أشقر حال يرتديها، مُدّعية ان سُكّر الزبيب سيحميه من عَضّة برد صباحية أثناء طريقه للمدرسة، أما الخيط الأزرق فكان يلوحُ له كَخيط من قميصه الأزرق الذي تَمَزّق ذات صِبا حين حاول التسلّل من بين أسلاك السِياج الذي كان يُطوّق بُستاناً من بساتين أشجار الكرز الأحمر،  الذي كان يسطو على بضع حبات منه قبل أن يصحو كلب الحِراسة الكسول في ذلك البُستان.
الخيط الأبيض هو ما عذّب عابر البيداء، فقد كان يسحب به بعيدا نحو شهور رضاعته، حتى يكاد خَدّاه أن يُكويا بحرارة ملح دمع الجوع قبل أن تُسارع أمه لفك أزرار قَبّة ذلك الفستان لتُخرج له حَلمتها على مائدة صدرها الأكثر دفئا من سريره الحديدي المتأرجح ذات اليمين واليسار.
الخيط الأبيض كان يُدخلُ عابر البيداء بغيبوبة الشبَع ما بعد فيض الحليب، كانت أجفانه تتراخى بلا وعي لتُطبق على عينين إمتلأتا بالمشهد الأخير لألوان فستان أمه.
وبكل ما وسع ذاكرة عابر البيداء من تذكر لم يتمكن من رؤية شكل ولون ذلك الفستان الذي كانت أصابعه اللينة تُطبِقُ على أطراف قَبّته وشفتاه مُمعنتان بعلك الحلمة التي كانت تُدّر حليباً.
وحينما حَلّ الربيع، وتلاشى خيط الدخان الأبيض، استردّت ذاكرته شكل وألوان فستان أمه، لقد كان من زهر الربيع!

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش