الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية : الموازنة العامة.. أولوية تخفيض النفقات العامة وأهمية استمرار التنمية

تم نشره في الخميس 10 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 مـساءً
قضايا محلية : الموازنة العامة.. أولوية تخفيض النفقات العامة وأهمية استمرار التنمية

 

 
باتر محمد علي وردم

مطالبة اللجنة المالية في مجلس النواب للحكومة بتقليص النفقات العامة تبدو فكرة منطقية ، بل ومطلوبة لتخفيض التوسع المبالغ به في الإنفاق الحكومي. ولكن اللجنة تطالب الحكومة بتقليص الإنفاق الرأسمالي بنسبة %15 وليس النفقات الجارية ، علما بأن النفقات الرأسمالية المتمثلة في المشاريع التنموية هي التي يمكن أن تساهم في تحقيق أهداف مكافحة البطالة والفقر وتحسين الخدمات وليس النفقات الجارية التي لم تمسها مطالبة اللجنة. لا أحب أن أكون من المؤمنين بنظريات المؤامرة وسوء النية ولكن لا أستطيع أن أتجنب فرضية أن يكون النواب مهتمين بالإبقاء على النفقات الجارية وخاصة الرواتب للحفاظ على مساحة الفرص الممكنة للتعيينات من خلال الواسطات النيابية ، التي سوف تبدأ فور إقرار الموازنة ولن تنتهي إلا مع نهاية الدورة النيابية الحالية.

الموازنة التي قدمتها الحكومة تتميز هذه المرة بثلاث ظواهر إيجابية ينبغي عدم تجاهلها في خضم النقد الشديد لإزالة الدعم المخصص للمحروقات والأعلاف ، أو تعديل أوجه استخدامه.

هذه الموازنة ثلاثية السنوات وتغطي الفترة من 2008 - 2010 وبالتالي تشكل لأول مرة محاولة في التخطيط الاقتصادي المركزي لأطول من سنة واحدة ، وهي كذلك أول موازنة ترتبط بمؤشرات أداء رقمية تعتمد على نسبة الإنجازات وثالث الميزات أنها تعتمد على وثيقة تخطيط اقتصادي وتنموي شاملة وهي الأجندة الوطنية. بهذه الميزات تكون الموازنة الحالية هي أول محاولة في تاريخ الاقتصاد الأردني الحديث لإدارة الدولة وفق خطة عمل محددة بأطر زمنية ونواتج قابلة للقياس.

الموازنة التي قدمتها الحكومة ، والتي تمثل الإنفاق المركزي للوزارات وليس المؤسسات العامة المستقلة تبلغ 5,225 مليار دينار ، منها 1,2 مليار نفقات رأسمالية و4 مليارات نفقات جارية. وإذا ما أضفنا الإنفاق المتوقع للمؤسسات المستقلة فهذا يعني أن حجم الإنفاق العام يتجاوز 6 مليارات اي أكثر من %50 من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة إنفاق كبيرة. المطالبة بتخفيض الإنفاق واقع حتمي ، ولكن المستهدف من الأفضل أن يكون الإنفاق الجاري وخاصة في الرواتب والتنقلات والأثاث بدلا من استنزاف النسبة القليلة المتاحة من النفقات الرأسمالية.

النواب وبحكم وجود قاعدة شعبية تطالب باستمرار الدعم والحضانة الحكومية للعمالة الأردنية لن يطالبوا بتقليص النفقات الجارية حتى لا يتم إغلاق ابواب التعيينات الجديدة في الحكومة. ولكن حتى في حال تثبيت التعيينات بل وزيادتها فإن مجالات التقشف في هدر الموارد العامة الأخرى ممكنة. في بعض الوزارات هناك أمناء عامون ومسؤولون يسيطرون على أكثر من 4 سيارات لكل منهم ، وهناك مصاريف تنقلات واستضافة مبالغ بها إضافة إلى تغيير الاثاث وإذا كان ثمة أوجه لتقليص الإنفاق لا تؤثر على الأمن الوظيفي والاجتماعي للعاملين في القطاع العام أو مستوى الخدمات التنموية فهي النفقات الجارية ، وهذا ما أكده رئيس الوزراء مؤخرا في كتب وتوجيهات للوزارات بضرورة الترشيد في استهلاك البنزين والطاقة والأثاث.

حوالي %70 من الموازنة العامة يذهب للرواتب والتقاعد ، وإذا ما تم تثبيت كل عمال المياومة الذين جاءت النسبة الغالبة منهم عن طريق ضغوطات نيابية فإن هذه النسبة سوف تزيد ايضا وهناك %10 أخرى لسداد الديون وتبقى النفقات الرأسمالية التي يفترض أن تحقق خدمات التعليم والصحة والمياه والإسكان والطاقة والنقل والزراعة لا تتجاوز %15 من الموازنة العامة في أفضل الحالات ، ومع ذلك تركز اللجنة المالية على هذه الشريحة من الإنفاق للمطالبة بضبطها. مع توسع الحاجة إلى الإنفاق الرأسمالي وتقلص المساعدات الخارجية تتجه الحكومة إلى الضرائب وخاصة ضريبة المبيعات لرفد الخزينة بالأموال الكافية ، وهذا ما يشكل إرهاقا شديدا على المواطن من كل الطبقات. ولكن ضغطا آخر يحدث على المواطنين من الطبقة الوسطى والذين يدفعون الضرائب ولكنهم غير مشمولين في شبكة الأمان الإجتماعي والتي تحاول التوجه إلى الفئات ذات الأولوية من الفقراء خاصة إذا ما نجحت هذه الآلية بشفافية وبدون واسطات وتزوير في عملية إيصال الدعم لمستحقيه.

لست خبيرا اقتصاديا ولا أدعي ابدا أنني أفهم تفاصيل الإحصاءات المالية الموجودة في الموازنة ولكنني أعرف الحقيقة البسيطة والتي مفادها أن الحكومة معنية اساسا بتقديم خدمات ذات نوعية جيدة لكافة المواطنين وخاصة المناطق الأقل حظا في التنمية وهذه الخدمات تنفذ عبر التمويل المحدد في النفقات الرأسمالية وبالتالي فإن نجاح الحكومة في هذا الهدف مرتبط بزيادة الموارد المخصصة للنفقات الرأسمالية ، وإذا كان هذا الإستنتاج خاطئا أتمنى من اللجنة المالية في المجلس الكريم أن توضح لنا كيف يمكن لتخفيض النفقات الرأسمالية وتثبيت النفقات الجارية وزيادة الإنفاق على الرواتب أن يقدم خدمات تنموية ميدانية.

في الأسبوع الماضي اقر البرلمان الكوبي الموازنة السنوية للدولة الشيوعية الوحيدة في العالم حاليا ، وكانت نسبة الإنفاق الحكومي العام تصل إلى نسبة الإنفاق في الأردن بحوالي %57 من الناتج المحلي الإجمالي ، ولكن الملاحظ أن الخدمات التنموية في مجال الصحة والتعليم والنقل والإسكان والمياه والزراعة وصلت إلى %55 من الموازنة وليس %15 كما في الأردن ، قبل مطالبة النواب بتخفيض النفقات ، علما بأن كوبا تحتل مركزا أفضل من الأردن بكثير في ترتيب التنمية البشرية في العالم لأن الحكومة الكوبية هي حكومة خدمات تنموية وليست وكالة توظيف كبرى. ولكن كوبا هي مثال متطرف على حكومة تنفق نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي ، لأن معظم الاقتصادات الناهضة في العالم تتميز بحكومات أقل إنفاقا ومنها إيرلندا (34%) وكوريا (20%) وتشيلي (21%) وماليزيا (28%) وتايلند (16%) ورومانيا (30%) أما الاقتصادات الناجحة ذات الحكومات "الكبيرة" فلا تصل نسبة الإنفاق الحكومي فيها أكثر من %45 مثل إسبانيا (39%) وسلوفينيا (43%) وجمهورية التشيك (41%) وبلغاريا (40%) وكلها من الدول التي تحولت من اقتصاد مركزي كبير إلى اقتصاد سوق مع معدلات تنمية عالية.

في المحصلة النهائية فإن هذه الأرقام لا تعني الكثير للمواطن العادي الذي اعتاد طوال عقود طويلة على دعم الحكومة للموارد والتوظيف والخدمات وتسبب التردد الحكومي في الانتقال التدريجي نحو سوق مفتوح بسرعة تتناسب مع الاقتصاد الوطني في أن نصبح الآن مجبرين على انتقال مؤلم عبر نار الغلاء الفاحش سيدفع ثمنه المواطن ، ولكن أولويات التنمية تحتاج إلى الإبقاء بل وزيادة نسبة النفقات الرأسمالية وتقليص النفقات الجارية والبدء بالتفكير الجدي في تقليص حجم القطاع العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي ليس بالضرورة من خلال تقليص الوظائف بل زيادة الإنتاجية من القطاع الخاص.



[email protected]

Date : 10-01-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش