الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المناطق الصناعية المؤهلة: فرصة ضائعة للتنمية في الأردن * باتر محمد علي وردم

تم نشره في الثلاثاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
المناطق الصناعية المؤهلة: فرصة ضائعة للتنمية في الأردن * باتر محمد علي وردم

 

 
بلغ حجم الصادرات الأردنية إلى مجمل الأسواق العربية في العام الحالي 930 مليون دولار أي ما يقل عن مجمل الصادرات الأردنية إلى السوق الأميركية وحدها والذي بلغ مليار دولار ، وحوالي 90% من هذه الصادرات هي من المناطق الصناعية المؤهلة.
هذه الأرقام توضح ليس فقط نجاح هذه المناطق في التصدير بل ايضا الاعتمناد الكبير للاقتصاد الأردني على السوق الأميركي والذي يشابه كل النشاط الاقتصادي مع الدول العربية بكل أسواقها الكبيرة مثل مصر والخليج. ولكن النجاح التصديري للمناطق الصناعية المؤهلة والذي وصل من 13 مليون دولار عام 2000 إلى مليار دولار العام الحالي لا ينبغي أن يذهلنا ويعمي رؤيتنا عن حقيقة مهمة جدا وهي أن هذا النجاح الهائل في التصدير لم يحقق نتائج تنموية للاقتصاد الأردني بل بقي مقتصرا على دائرة المستثمرين وحلقة العمالة والنقل الصغيرة المرتبطة بهذه المناطق الصناعية ، مما يستدعي إعادة النظر في سياسات هذه المناطق بهدف تحسين نتائجها التنموية.
المؤشر التصديري العالي يخفي حقيقة استمرار ظروف العمل السيئة والنسبة الضئيلة من العمالة الأردنية مقارنة بالعمالة الوافدة ، وقلة القيمة المضافة لهذه الصادرات واقتصار الأرباح الرأسمالية على المستثمرين في المناطق الصناعية بدون تقديم دعم مالي مناسب للموازنة الأردنية لتحقيق أهداف التنمية الوطنية حيث لا يصل إلى الخزينة الأردنية إلا 1% من عوائد التصدير حسب دراسة لوزارة الصناعة والتجارة.
تتميز اتفاقية التجارة الأردنية - الأميركية والمناطق الصناعية المؤهلة بخصائص هامة تتيح الدخول غير المقيد لمنتجاتها إلى الأسواق الأميركية والإعفاء من الرسوم الجمركية ، كما يتم في هذه المناطق إعفاء المستثمرين من ضرائب الدخل والمبيعات مما يحقق بيئة تشريعية واقتصادية وتصديرية غاية في التقدم لتحقيق النجاح في التصدير وبشكل لا تتمتع به معظم المبادرات الاستثمارية في العالم الثالث ولكن إدارة هذه الفرصة للمساهمة في تحقيق التقدم في مؤشرات التنمية المستدامة لم تكن على المستوى المأمول وتم اعتبار المناطق الصناعية المؤهلة والاستثمار فيها والتصدير منها هدفا بحد ذاته يمكن قياسه بمؤشرات زيادة حجم الصادرات بدون أن يتم التعامل معها من ناحية التخطيط التنموي كأداة للتنمية ومكافحة الفقر والبطالة يمكن قياسها في مؤشرات التنمية المحلية.
وقد ساهمت حالة الاستقطاب السياسي والإيديولوجي التي رافقت إنشاء وعمل المناطق الصناعية المؤهلة وارتباطها بمعاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية في طغيان خطابين متناقضين في تقييم هذه المناطق أولهما يعتمد على الترويج المباشر لفوائد هذه المناطق ومساهمتها في زيادة التصدير وخلق فرص العمل وهذا الخطاب الذي تدعمه الحكومة ، وثانيهما خطاب إيديولوجي يستند إلى رفض التطبيع مع إسرائيل والتركيز على سلبيات التنسيق الاقتصادي الأردني - الإسرائيلي.
وما بين خطابين ينظران إلى الأمور من زاوية واحدة كان من الصعب إجراء دراسة منصفة ومنهجية لأداء المناطق الصناعية خاصة في غياب المؤشرات التنموية الدقيقة المرتبطة بعمل هذه المناطق الصناعية.
وبالرغم من عدم وجود دراسات منهجية لتقييم الاستفادة التنموية - الاجتماعية للمجتمعات القريبة من هذه المناطق الصناعية فإن مجموعة المقاربات والشواهد التي تراكمت خلال السنوات الماضية تشير إلى عدم تحقيق استفادة واضحة على الصعيد التنموي - الاجتماعي من هذه المناطق حيث لا زالت ظروف العمل السيئة التي تتضمن عدم الالتزام بالحد الأدنى من الأجور وضعف الرقابة العمالية والصحية والبيئية وغياب الأمن الوظيفي والتأمين الصحي والمواصلات تحد من انتشار العمالة الأردنية في هذه المناطق وبالتالي المساهمة في تحقيق تقدم تنموي اجتماعي في المجتمعات المحلية.
من أجل تصحيح الوضع والاستفادة الحقيقية من هذه الفرصة التجارية للمساهمة في دعم التنمية المستدامة وإجراء دراسة تنموية منهجية حول التأثيرات الاجتماعية والتنموية المباشرة في المجتمعات المحيطة والقريبة من المناطق الصناعية لتحديد مدى مساهمة أو عدم مساهمة هذه المناطق في دعم جهود التنمية وتحديد الثغرات والأولويات المطلوب تحقيقها ، وتعديل التشريعات الخاصة بالعمالة وحماية البيئة وزيادة مستوى الرقابة على الالتزام ببنود العمالة والبيئة في اتفاقية التجارة الحرة والتشريعات الوطنية والدولية ، وزيادة حصة الخزينة والموازنة العامة من إيرادات التصدير وتخصيص هذه العائدات لجهود التنمية المحلية.
من الضروري أيضا تحسين ظروف العمل من خلال الالتزام بالحد الأدنى من الأجور وتوفير فرص التدريب والتأهيل والأمن الوظيفي من خلال دمج التأمين الصحي والضمان الاجتماعي الشامل لكافة العمال.
ولكن القضية الأكثر اهمية هي العمل على تنويع الاستثمارات الموجودة في المناطق الصناعية الحرة بحيث تتجاوز الاقتصار على المنسوجات يتم التوجه نحو الصناعات ذات القيمة المضافة التي تعتمد على الموارد ومدخلات الإنتاج الوطنية وتقلل من هشاشة الاستثمارات النسيجية تجاه التغيرات في أنظمة التجارة العالمية وقلة القدرة التنافسية للمناطق الصناعية في الأردن مع تزايد اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية في الولايات المتحدة مع الدول الأخرى ودخول الصين طرفا قويا في اتفاقية التجارة الدولية وهو ما يتيح التصدير المباشر للسوق الأميركي بدون الاستثمار في المناطق الصناعية الأردنية.
وهناك نقطة أخرى في غاية الأهمية وهي الاستغلال الرخيص للموارد الشحيحة في الأردن وخاصة المياه والطاقة مقابل زيادة نسب التلوث البيئي الناتج عن المناطق المؤهلة ، وهذا يعني ضرورة دمج الكلفة البيئية للمناطق الصناعية المؤهلة ضمن نظام حديث من الإدارة البيئية يتضمن كلفة موارد المياه والطاقة ومعالجة التلوث وتحميلها للاستثمار في المناطق الصناعية لا للاقتصاد الوطني.
في محصلة الأمر تمثل المناطق الصناعية المؤهلة في الأردن فرصة لم يتم استغلالها بشكل مناسب لتحقيق التقدم في التنمية المستدامة بأبعادها الاجتماعية والبيئية على وجه الخصوص ولا بد من إعادة تصحيح المسار لتحقيق استفادة وطنية من هذه المناطق تساهم في دعم الاقتصاد والتنمية الوطنية لا اقتصار الأرباح على فئة من المستثمرين ومعظمهم من غير الأردنيين.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش