الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قلب الأم

جهاد جبارة

الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000.
عدد المقالات: 53

]  جهاد جبارة
صباحات الخريف المحمولة على متن أجنحة الريح الشرقية، كانت تمُر ثقيلة على تلك السيدة التي تُعاني من داء أصاب مفاصل عظامها، فبالكاد كانت تقوى على النهوض من فراشها الأبيض الناصع الذي كان في زاوية من زوايا حجرة الطين ذات سقف القصب.
كان أكثر ما يؤلمها هو احتكاك عِظام عُقَد أصابع يديها النحيلة إن حاولت حتى إلتقاط نظّارتها التي تركتها أسفل الوسادة حين تمكّن النُعاس من الإيقاع بجفونها المُتعبة ليأخذها نحو سجنه الليلي المُعتِم.
كان ثمة رائحة كاز تنبعث من القنديل قد ملأت المكان ما جعلها تتذكر، أن النوم كان قد تمكن منها قبل أن تقوم بإخماد نار فتيلته.
وقبل أن تنهض لاحت على فمها ابتسامة باهتة من الرضى، حين وقع بصرها على تلك الأسياخ التي انغرزت في كومة الصوف ذات اللون الكرزيّ الداكن، فأغمضت عينيها لترى ذلك الصبي وهو يلهو سعيدا مع رفاقه داخل أسوار المدرسة، رأته يركض بلا وعي خلف الكرة ليمسكها قبل الآخرين، خشيت عليه من السقوط على أرض الساحة الترابية المليئة بالحصى، راحت شفتاها تتحركان بصمت لكن قلبها كان يُردد الأدعية لسلامة الصبي، وحمايته من السقوط.
وفرارا من حُلم عبر مُسرعا أثناء إغفائةٍ من قلق، مَدّت السيدة يدها نحو كومة الصوف ذات اللون الكرزيّ الداكن التي بقيت طوال الليل منشغلة بخيوطها، قَرّبتها من شفتيها وراحت تُقبلها بجنون، عادت فأغمَضت
عينيها وهي تَشُمّ الخيوط، أحست بأن أنفها وكأنه ينقُل لها رائحة الصبي، سقطت دمعة على الخيوط قبل أن تنهض لترتدي ثيابها على عَجل رغم قسوة آلام جسدها الرقيق.
وفي طريق القَلَق، والفزع نحو المدرسة كانت تتمنى لو أنها حَمَلت معها كومة الصوف لتُنجز للصبي الذي شَغَف قلبها تلك الكنزة ذات اللون الكرزيّ الداكن وهي تنتظره يخرج من بوابة المدرسة من دون أن يخدشه حصى الساحة الترابية!.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش