الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الاردنيون يحتفلون اليوم بذكرى تعريب قيادة الجيش: القائد الاعلى منح الجيش المصطفوي جل عنايته وحرصه على تطويره وتحديثه

تم نشره في الثلاثاء 1 آذار / مارس 2005. 02:00 مـساءً
الاردنيون يحتفلون اليوم بذكرى تعريب قيادة الجيش: القائد الاعلى منح الجيش المصطفوي جل عنايته وحرصه على تطويره وتحديثه

 

 
* نشامى القوات المسلحة كانوا على الدوام الاوفياء لرسالة الثورة العربية الكبرى
* الجيش العربي دافع عن المقدسات وحمى الوطن ووقف الى جانب قضايا امته العادلة
* تطور نوعي في التسليح والتصنيع وتقديم الخدمات الصحية والتأهيلية والتدريبية
* جعل من الاردن مثلا يحتذى من خلال المشاركة في قوات حفظ السلام في مناطق مختلفة
* التعريب خطوة جريئة قابلها الشعب والجيش بحب وولاء
عمان - بترا - اعداد مديرية التوجيه المعنوي: الاول من اذار 1956 شعلة اضاءت آفاق بلادنا بالحرية وملأت قلوبنا بالايمان بهذا الثرى الطيب وقيادته الحكيمة الشجاعة وزرعت فينا نبتة ما تزال ازاهيرها تفوح بشذى الكرامة والمجد والفخار لامة العرب تتنفس عبيرها مع كل اطلالة يوم جديد حياة ومستقبلا واعدا فكان التعريب فاتحة خير لامة العرب لتنهض من سبات طويل واستعمار تعددت أشكاله.
يوم الاول من اذار 1956 ارتسمت الفرحة الغامرة على جباه ابناء الاسرة الاردنية الكبيرة كلها بقرار جلالة المغفور له بأذن الله الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه الشجاع الذي تحدى به السيطرة الاجنبية حينما اصدر قراره التاريخي بانهاء خدمات الفريق كلوب من منصب رئاسة اركان حرب الجيش العربي الاردني بعد طول عناء واسناد هذا المنصب الى ضباط اردنيين نشأوا وتربوا فوق هذا الثرى الطيب حيث قدموا ما بوسعهم في سبيل رفعة هذا الجيش ومنعته وقوته ليكون جيشا لكل العرب.
وخطوة التعريب جاءت في مقدمة عهد جلالته - رحمه الله - حيث ظلت هاجسه الوطنى منذ تسلمه سلطاته الدستورية ليعيد لهذه الامة حريتها وأرادتها وللقوات المسلحة مجدها وثقتها بنفسها للقيام بواجباتها الجسام الملقاة على عاتقها تجاه وطنها وأمتها ومقدساتها.
وفي كتاب (مهنتي كملك) يتحدث جلالة المغفور له حول هذه المناسبة الغالية فيقول: »تعود اولى تجاربي كملك للاردن الى عام 1956 فاستقالة الجنرال كلوب بعد خدمة في الاردن بلغت ستة وعشرين عاما كانت حدثا هاما جدا وينبغي ان يكون المرء اردنيا او ان يعرف مشاكل بلادي معرفة عميقة ليتسنى له ادراك اهمية هذا الحدث اذ توجد دوما في تاريخ البلدان الصغيرة لحظات حاسمة يتوجب على المرء فيها ان يكبح جماح عواطفه الشخصية وان يطلق العنان للموضوعية وكثير من الناس من اخذ علي بمرارة هذا الحل المتطرف ولقد أول موقفي تأويلا خاطئا جدا على انه اهانة متعمدة اصيب بها الحلفاء الغربيون وهذا التأويل ما هو الا محض اختلاق«.
القرار الشجاع
لنرى احداث تلك الايام التي حوت القرار الشجاع لجلالة القائد الاعلى للقوات المسلحة رحمه الله ومجريات تلك الاحداث التي شهدت ازاحة القيادة الاجنبية وجلاء الضباط الانجليز والخلاص من آخر وأهم صور الاستعمار الذي لم يخطر بباله مثل هذا القرار.
في صباح يوم 29 شباط 1956 وصل جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه الى الديوان الملكي في ساعة مبكرة مرتديا بزته العسكرية وفي عينيه تأهب وتحفز وتحد للزمن ليلتقي يومها رئيس الاركان وبدأ جلالته حديثه مستوضحا منه عن رأيه في تعريب قيادة الجيش العربي الاردني وكان رد كلوب ان هذه المسألة ليست بالسهولة.. ويقول جلالته في كتابه مهنتى كملك.. »ولما كنت خادما للشعب فقد كان علي ان اعطي الاردنيين مزيدا من المسؤوليات وكان واجبي ايضا ان اقوي ثقتهم بانفسهم وان ارسخ في اذهانهم روح الكرامة والكبرياء القومي لتعزز قناعتهم بمستقبل الاردن وبدوره ازاء الوطن العربي الكبير فالظروف والشروط كانت اذن ملائمة لاعطائهم مكانا اكثر اهمية في تدبير وادارة شؤون بلادهم لا سيما الجيش ولكن على الرغم من ان كلوب كان قائدا عاما للجيش فلم يكن بمقدوره ان ينسى اخلاصه وولاءه لانجلترا وهذا يفسر سيطرة لندن فيما يختص بشؤوننا العسكرية وقد طلبت مرارا من الانجليز ان يدربوا مزيدا من الضباط الاردنيين القادرين على الارتقاء الى الرتب العليا وكان البريطانيون يتجاهلون مطالبي«
القيادة الانجليزية تماطل بالتنفيذ
وقد أثارت هذه التراكمات سخط جلالة الملك وزادت من أصراره على أنهاء خدمات القيادة الانجليزية بأى شكل وأن هذا الامر يجب أن يتحقق مهما كلف الثمن وبأقرب وقت وبلا تراجع .. فجلالته كان على علم تام بما تخطط له القيادة الانجليزية حول التخلي عن هذا للضباط الاردنيين ومتى يمكن أن تفكر بهذا الامر .
وجاء رد الانجليز بان سلاح الهندسة الملكي في الجيش العربي سوف لن يتولى قيادته ضابط عربي حتى عام 1985 وهذا هو رد كلوب حين عبر بالقول أن المسالة ليست بالسهولة.. عندها ابتسم جلالته رحمه الله ابتسامة سرعان ما زالت عن شفتيه واخذ يسال عن احتياطى الذخائر لدى الجيش ومدى كفايته اذا ما نشبت الحرب بين الاردن والكيان الصهيوني فجاءت اجابات كلوب غير واضحة وان الاحتياطي قليل ومدة الاعتماد عليه ضعيفة.
وبقي السؤال يدور في خلد جلالة الملك وتتراكم فوقه أسئلة كثيرة وكلها تقود الى وضوح الخطوة التي يجب الاقدام عليها.
وفي ذلك يقول جلالته.. كنت أرى انه علينا في حالة نشوب حرب ان نؤمن دفاعنا عن طول الحدود الاسرائيلية الاردنية وان نصمد مهما كلف الامر حتى الموت.. لقد كنت من انصار الرد الفوري وعبثا أبنت وشرحت كل ذلك لكلوب..
فقد كان الجنرال كلوب يواصل النصح بمراعاة جانب الحكمة والحذر وكان يحبذ تراجع قواتنا الى الضفة الشرقية في حالة قيام هجوم اسرائيلي.. وهذا يعني احتلالا اسرائيليا .. كان ذلك غير معقول.. لقد ناقشنا انا وكلوب هذه النظريات الدفاعية خاصة واننا علمنا بان الذخائر كانت تنقصنا وقلت عندئذ لكلوب لماذا لا نستطيع ان نحصل على مزيد من كميات السلاح.
لقد كان جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه يعرف ان جواب كلوب سوف يكون متسما بالحيرة والارتباك والضيق لانه سبق له ان طلب ذخيرة من لندن وتعللت بضرورة توازن القوى.
ويزداد انفعال جلالته من هذا الموقف حيث حاول مرارا وتكرارا ان يسلح الاردن بقوة جوية خاصة وكما يقول.. اذ لا يعقل ان نكون تابعين لبلد اجنبى من اجل تأمين الدفاع الجوي لسمائنا ضد عدو كاسرائيل مجهزة بقوة عسكرية جوية هامة أن وضعا كهذا لا معنى له فما دام الجنرال كلوب عاجزا عن تغيير الواقع فانه سيشجع الضباط العرب والبريطانيين على قبول فكرة التخلي عن جزء من التراب القومي في حالة الهجوم لقد كان يؤكد اكثر من مرة في المحاضرات التي كان يلقيها على الضباط بان اسرائيل بحكم انها اقوى من العرب فان من الوهم ان نقاتل على الحدود.
وبادر جلالة الملك طيب الله ثراه رئيس الاركان بسؤال اخير عن رأيه في فصل الشرطة والدرك عن الجيش فجاء رد كلوب باستحالة ذلك وان هذا يتعارض مع الصالح العام .
خطوة جريئة قابلها الشعب والجيش حبا بحب وولاء بولاء
مرت لحظات صمت وجلالة الملك الحسين مقطب الجبين وفي داخله اشياء واشياء... بعدها عبر رئيس الاركان عن نيته اخراج عدد من الضباط من صفوف الجيش... ووقف جلالته فجأة اشعارا منه بانتهاء المقابلة ثم قال: على كل حال سنتحدث في هذا الموضوع مرة قادمة.
اجوبة خطيرة ارادها الحسين ان تكون الاخيرة وفي الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم اتصل برئيس الديوان الملكي وأمره ان يذهب لمقابلة رئيس الوزراء وينقل اليه رغبة جلالته في فصل الشرطة والدرك عن الجيش واتخاذ الاجراءات الاازمة لتحقيق ذلك.
وعقد الحسين رحمه الله العزم تجاه بريطانيا التي كانت تريد ان تتصرف بمقدرات الاردن حسب ميولها ونزعاتها فكان القرار وهو الامر الذي فكر فيه جلالة المغفور له منذ كان طالبا وقرر ان يضع حدا لكلوب وتدخلاته بانهاء خدماته وكان يفكر مليا ان عليه ان يعطي الاردنيين مزيدا من المسؤوليات لكي يقوي ثقتهم بأنفسهم وان يرسخ في اذهانهم روح الكرامة والكبرياء القومي لتعزيز قناعتهم بمستقبل الاردن وبدورهم ازاء الوطن العربي الكبير.
انها الخطوة الجريئة التي اقدم جلالته رحمه الله على اتخاذها والتي قابلها الشعب والجيش حبا بحب ولاء بولاء فأزالت عن الاردنيين هما كبيرا وعززت ثقتهم بقائدهم الشاب وسداد رأيه وحكمته وبعد نظره .
واملى جلالته على التاريخ ان يكتب خطوة مباركة وجريئة وقرارا مجلجلا في الداخل والخارج وليكون بذلك نهاية المعاناة وولادة المستقبل.
لم يكتمل الاستقلال الا بتعريب قيادة الجيش
ومع صباح يوم الخميس الاول من اذار عام 1956 أصدر جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه أمره لرئيس الديوان الملكي رغبته في عقد جلسة لمجلس الوزراء يرأسها بنفسه ونفذ الامر الملكي في الحال ليتحدث جلالته بصوت متزن عميق وهادىء .. »انك تتساءل عن السبب الذي طلبت عقد هذه الجلسة من اجله وانا لن اتحدث عنه بشىء ولكنني اقول انني احاول اليوم ان اصنع شيئا لامتي فاما ان احققه او اقضي دونه« .. ويتابع جلالته القول.. »اليوم اما ان نعيش شرفاء فحياة المرء ان كانت مسلوبة الكرامة فلا معنى لها ولا قيمة ولا تستحق ان يتمسك بها«.
انه خير تعريف سام للحياة الكريمة بعزة وشرف تلك التي ارادها لنا الحسين طيب الله ثراه في هذا البلد الصابر المرابط انها مجموعة امال الامة وتطلعاتها فالاردن كما قال عنه الحسين سيسجل صفحة جديدة في هذا اليوم فاما حياة حرة او ميتة بشرف.
ودخل جلالة الملك مكتبه الخاص ليخرج بعدها وبيده ورقة صغيرة ما لبث ان طواها ودسها في جيبه واتجه الى دار رئاسة الوزراء فورا ولم يكد جلالته يدخل مبنى دار الرئاسة حيث كان رئيس الوزراء والوزراء بانتظار تشريفه دار الرئاسة حتى التفت الى احد افراد الحرس الملكي وقال له »اذهب حالا وتسلم مقسم التلفون«.
وصعد جلالته درجات مبنى الرئاسة بسرعة ونشاط ودخل الى مكتب رئيس الوزراء المرحوم دولة السيد سمير باشا الرفاعي في الطابق الثاني وما كاد يأخذ مقعده حتى بادر مخاطبا رئيس الوزراء... لا اريد ان اطيل عليكم بشروح وتفاصيل ولكنني اكتفي بان اقول ان الوضع في الجيش قد كان منذ البداية وحتى قبل ولايتى العرش يدعو الى الكثير من الاسى والاسف ولقد بذلت من جهدي الكثير في سبيل اصلاح هذا الوضع وحاولت بالحسنى مرارا أن أرد رئيس الاركان الى الطريق الذي يحفظ لهذا البلد عزته ويصون لهذه الامة كرامتها.. الا ان جهودي ومحاولاتي ذهبت ويا للاسف ادراج الرياح وانا اعتقد ان الامور اذا ما تركت لهوى رئيس الاركان ورغباته فليس بمستبعد ان نجد انفسنا وجها لوجه امام كارثة جديدة تشبه كارثة العرب في فلسطين عام 1948 او تزيد عنها.
ولهذا فقد قررت انهاء خدمة رئيس الاركان مع نفر من الضباط الانجليز الذين يعتمد عليهم في تنفيذ سياسته وتحقيق مآربه كما قررت ان ينفذ ذلك بدون ابطاء وتأخير وامرت بترحيله من البلاد هذا اليوم .. وانى لعظيم الثقة انكم ستستجيبون لرغبتى هذه فورا وتتخذون الاجراء اللازم لتنفيذها في الحال.
واستجابة للرغبة الملكية عقد المجلس جلسة استثنائية لاتخاذ القرار وغادر جلالة المغفور له دار الرئاسة الى الديوان الملكي قائلا.. سيبقى رئيس ديواني معكم ليحمل لى قراركم والله الموفق وهو نعم المولى ونعم النصير.
وفي الساعة الثانية والنصف ظهرا اتخذ المجلس قراره بتنفيذ الرغبة الملكية واستدعى رئيس الوزراء الفريق كلوب والزعيم راضى عناب وعن تلك اللحظات يقول كلوب: دق جرس الهاتف وكان المتحدث على الطرف الاخر وزير الدفاع فقال هل تستطيع أن تحضر الى مكتب رئاسة الوزراء فورا قلت له بالطبع وعندما وصلت الى المكتب قادوني الى غرفة جانبية وقالوا لي وزير الدفاع في الاجتماع انتظر لحظة وانتظرت بعد دقائق فتح الباب ودخل رئيس الوزراء سمير الرفاعي يتبعه وزير الدفاع فلاح المدادحة وكان سمير الرفاعي بادى العصبية وقال لي اخبرك ان سيدنا حضر الى رئاسة الوزراء صباح اليوم وقال انه آن الاوان لكي تستريح وادركت بالطبع ما يعنيه رئيس الوزراء بكلامه فقلت له لماذا هل بدر أى شيء مني وما هى الاسباب فاجاب لا اعرف فقد طلب مني الملك ان ادعو مجلس الوزراء الى الانعقاد وقال اريد ان يطرد كلوب من الاردن على الفور هذه اوامري واريدها ان تنفذ فورا وامل أن لا يزعجك ذلك.
قلت لمن تريد ان اسلم مهماتي ومتى تريدني ان ارحل فاجاب هل تستطيع ان تغادر خلال ساعتين وقلت له قطعا لا استطيع فقد عشت هنا 26 سنة وكل ما املكه من متاع الدنيا موجود في الاردن وزوجتي واولادي.
فقال لى: ارحل وسيلحقون بك واتفقنا في النهاية على ان اغادر في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي.
مفاجأة غير مسبوقة للعاصمة الانجليزية
وفي هذا اليوم انهى جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه فترة خدمة كلوب الطويلة لينتهي معه وجوده كله نهائيا في الاردن ولم يعد يفكر الا بحال الرحيل وكيفيته.
واتخذت جميع الاجراءات اللازمة والضرورية لعدم تمكن الفريق كلوب من أية اتصالات كانت خشية ان يفسد قرار عزله بحيله والاعيبه ووصل بعد قليل الزعيم راضي عناب فابلغه رئيس الوزراء قرار المجلس الصادر بناء على الرغبة الملكية السامية ثم هنأه بترفيعه الى رتبة امير لواء واسناد رئاسة اركان حرب الجيش اليه وطلب منه التوجه لاستلام مهام منصبه الجديد واتخاذ الخطوات التي تقتضيها الاجراءات الجديدة للخطوة التاريخية.
ثم جاء السفير البريطاني فنقل اليه دولة رئيس الوزراء قرار المجلس وابلغه ان مغادرة كلوب قد تقررت في الساعة الثامنة من صباح الغد وخرج السفير البريطاني متجهم الوجه شارد الذهن يفكر بما سترد به حكومته في لندن على هذه المفاجأه غير المسبوقة والتي تقلب التخطيط البريطاني رأسا على عقب وتفتح أمام عيون العرب أبوابا لم يفكروا بفتحها وفعلا كان التعريب فاتحة خير لتأميم قناة السويس وبداية خير لنهوض أبناء الامة العربية للخلاص من كل بقايا الاستعمار .
وفي الساعة الثالثة والنصف حمل رئيس الديوان قرار المجلس الى جلالة الملك في الديوان الملكي الهاشمي فوشحه بالتوقيع السامي وطلب منه اعادة القرار الى الرئاسة ثم قام جلالته بزيارة لرئيس الاركان الجديد في مقر القيادة.
ويقول دولة العين بهجت التلهوني رئيس الديوان الملكي - انذاك - في نفس اليوم الذي اتخذ فيه القرار طلب السفير البريطانى في عمان السير تشارلزيوك مقابلة الملك حسين ونقل اليه رسالة رئيس الوزراء البريطاني انتونى ايدن والتي جاء فيها ان الملك يتحمل المسؤولية ونتائج هذا القرار .. ورد الحسين قائلا انا اقدمت على هذا العمل واعرف نتائجه وهذا حقي فأنا مارست هذا الحق ولا رجعة فيه مطلقا ووقف جلالة الحسين موقفا حازما وصارما في رده على اتخاذ هذا القرار والمضى فيه.
وفي معرض سرده لوقائع ذلك اليوم يقول دولة العين بهجت التلهوني .. اخذت الاوراق - قرار المجلس - لجلالة الملك وعرضنا الامر كذلك على مجلس البرلمان وحدث فيه كما حدث في مجلس الوزراء حيث استغرقت مناقشة القرار عدة ساعات قبل ان يقرر المجلس موافقته على طرد كلوب وكذلك كوكهيل مدير المخابرات.
وغادر كلوب دار الرئاسة الى بيته على السفح الجنوبي من جبل عمان كما يقول دولة العين بهجت التلهوني في مذكراته .. وانطلقت سيارته الى بيته في جبل عمان وسط الشوارع التي ازدحمت بالسكان ولم يكن احد منهم يعلم ان هذه السيارة ستختفي بمن فيها الى الابد ولم تتجه السيارة هذه المرة الى رئاسة الاركان بل اتجهت الى بيت الرجل الجالس فيها وكان من ورائه وأمامه حرسه الخاص الذي كان يجب ان يجرد منه وان يستبدل بحرس آخر يتلقى أوامره من رئاسة الاركان وهيئة القيادة الجديدة كما تقضى بذلك ابسط المبادىء العسكرية .
وفي الصباح الباكر اتصل جلالة الحسين طيب الله ثراه بمعالي بهجت التلهوني ليقول... لقد بعثت لك بسيارة ملكية لتنقلك انت ووزير الدفاع الى دار الفريق كلوب حيث تنقلانه الى المطار قبل الوقت المحدد بساعتين.
ويقول العين التلهوني... اتصل بي الملك الحسين بعد لحظات من اتصال السفير البريطاني واخبرني ان السفير البريطاني طلب من كلوب التوجه الى المطار العسكري في عمان فذهبت بالسيارة الى المرحوم فلاح المدادحه الذي كان بالانتظار وتوجهنا الى بيت كلوب.
وهنا يذكر العين بهجت التلهوني في مذكراته .. انه وامام البيت كان يقف المرافق الخاص للفريق كلوب الملازم مبرد سليمان ومن حوله حرس كلوب بسيارته اللاند روفر المسلحة وهى تحيط بسيارة رئيس الاركان الخاصة وقد وضع في مقدمتها علم رئاسة الاركان وهبطت من السيارة والقيت التحية على الحرس وتقدمت الى الملازم المذكور وافهمته انني أرغب في رؤية رئيس الاركان والتحدث اليه .. واثنيت على الحرس ورحت اتحدث اليهم عن معنى هذه الخطوة التي قرر جلالة قائدهم الاعلى أن يخطوها في سبيل عزتهم وكرامتهم وقلت لهم ان الجيش بعد اليوم سيكون منهم واليهم وان جلالته قد وضع ثمنا لذلك روحه ودمه.
وخرج كلوب من البيت فتقدم منه رئيس الديوان الملكي وحياه واوضح له انه قادم لنقله في سيارة ملكية الى المطار وأنه سيكون في وداعه مندوبا عن جلالة الملك كما سيكون وزير الدفاع أيضا مندوبا عن الحكومة الاردنية .
وتكلم ببطء شديد وكأنه يقف ساعة بين كل كلمة وأخرى وقال شكرا على كل حال ولكني أريد أن أذهب الى المطار بسيارتي الخاصة ويصور العين بهجت التلهونى تلك اللحظات بالقول .. أحسست ان كلوب قد طوى نفسه على نية مريبه فقلت له في شىء من الحزم وعيناي لا تفارقان عينيه من الانسب ان تصعد معي الى السيارة الملكية المعدة لنقلك ولكنه عاد يراوغ انني ارغب في الذهاب مع عائلتي وأولادى في سيارتي الخاصة فأجبته على الفور ان التعليمات التي تلقيتها تحتم علي ان اصطحبك انا ووزير الدفاع في السيارة الملكية الخاصة فلم يجد بدا من الاستجابة ومشى الى السيارة وأخذ مكانه بيني وبين وزير الدفاع ..وانطلقت السيارة تواكبها مصفحتان وسيارات حرس كلوب ومن ورائها قسم من سيارات الحرس الاضافي وكانت السماء تمطر بغزارة والرياح تهب بشدة وعنف .. وكان الناس ينظرون الى هذه السيارة دون أن يعرفوا الى اين يسير من بداخلها أنها رحلة سنين المتاعب مع الفريق المطرود وأخذ الصمت يلف من هم بداخل السيارة لم يقطعه الا حين بدأ كلوب حديثه الى وزير الدفاع عن ذكرياته في لواء عجلون وينتقل من حديث لاخر والامطار تهطل بغزارة والرياح يقوى هبوبها والسيارة تلتهم الارض وصولا الى المطار.
وفي اللحظة الاخيرة كان رئيس الاركان الجديد والسفير البريطاني وعدد من الجنود ممن جاءوا للحراسة بانتظار مغادرة كلوب ثم ودع كلوب من حوله وتقدم منه السيد بهجت التلهوني وقال له .. انني مكلف من جلالة الملك بأبلاغك تقديره للجهد الذي بذلته خلال سنوات خدمتك واذا كان جلالته قد أنهى خدماتك اليوم فلان مصلحة بلاده ووطنه قد قضت بذلك وأنني باسم جلالته اتمنى لك سفرا سعيدا وحياة طيبة.
وصعد كلوب درجات سلم الطائرة التي يقودها الطيار على شقم ومن خلفه عائلته وأولاده في الساعة السادسة والدقيقة الخمسين من صباح يوم الجمعة الثاني من اذار 1956 ودارت محركات الطائرة وازداد ارتفاعها لترتفع في السماء متوجهة الى قبرص حيث قضى ليلة هناك ثم غادرها الى لندن .
خرج كلوب وخرج من الاردن بعد خروجه 76 ضابطا بريطانيا كانت خطط بريطانيا تقضي ببقاء الكثير منهم حتى عام 1985 على أقل تعديل فانقلب السحر على الساحر وتغيرت خطط وتطلعات وأضيفت الى التاريخ صفحات سطرها أهل العزم والمروءة واصحاب القيادة وأهل السقاية والرفادة .
كل هذا حدث وجلالة الملك الحسين يتابع لحظة بلحظة فعندما حاول رئيس الديوان ان يسرد التفاصيل على مسامع جلالته ابتسم جلالته وقال .. لا داعى لذلك فقد تتبعتها حركة حركة وكنت معكم خطوة خطوة وانا على علم تام بما حدث بكل تفاصيله، ثم قام جلالة الملك الحسين رحمه الله وأدى ركعتين شكرا لله تعالى .
تلك كانت الخطوة الجريئة والمباركة التي اتخذها الحسين طيب الله ثراه خدمة لوطنه وجيشه العربي الابى الباسل ولابناء أمته العربية والشعب في الاردن لا يعلم والجيش في معسكراته ومواقعه على الحدود لا يدري بأحداث الليلة الماضية حيث سجل الحسين عملا جبارا وفريدا فالفريق كلوب لم يدر بخلده أو بخلد غيره ان ذلك حدث أو قد يحدث حيث جاءت الساعة السابعة والنصف حين نقلت الاذاعة الاردنية من القدس التي ظلت تذيع لمستمعيها انها بعد قليل ستذيع كلمة هامة سيلقيها صاحب الجلالة للشعب والجيش وترقب الجميع ماذا عسى ان يكون الخبر الى ان جاء صوت الحسين طيب الله ثراه يزف للدنيا بنبراته القوية وصلابته الوطنية النبأ العظيم في بيان تاريخى يبشر بالحرية والكرامة والسيادة .
فالجنرال المخلوع كما قال عنه الحسين على الرغم من أن كلوب القائد العام لجيشى فلم يكن في مقدوره ان ينسى أخلاصه وولاءه للانجليز لم يكن هناك خيار اخر ان كلوب يجب ان يرحل .. كما يقول كلوب نفسه في مقابلة معه والله انا لم انكر بلحظة من اللحظات انى انجليزى .
وجاء الخبر اليقين على لسان الحسين طيب الله ثراه لشعبه وجيشه في كلمة ملكية هذا نصها .. ايها الضباط والجنود البواسل احييكم اينما كنتم وحيثما وجدتم ضباطا وحرسا وجنودا وبعد فقد رأينا نفعا لجيشنا وخدمة لبلدنا ووطننا ان نجرى بعضا من الاجراءات الضرورية في مناصب الجيش فنفذناها متكلين على الله العلى القدير ومتوخين مصلحة امتنا واعلاء كلمتها .. وأننى امل فيكم - كما هو عهدى بكم - النظام والطاعة وأنت أيها الشعب الوفي هنيئا لك جيشك المظفر الذي وهب نفسه في سبيل الوطن ونذر روحه لدفع العاديات عنك.. مستمدا من تاريخنا روح التضحية والفداء .. ومترسما نهج الالى في جعل كلمة الله هى العليا ان ينصركم الله فلا غالب لكم .. والسلام عليكم.
ثم تليت الارادة الملكية السامية الصادرة بالموافقة على قرار مجلس الوزراء المتضمن انهاء خدمات كلوب ورفاقه .
نتائج تعريب قيادة الجيش العربي
لقد كان قرار الحسين هذا خطوة على المسار الصحيح لاستقلال الاردن من النفوذ الاجنبي ونقطة تحول هامة في تاريخ العرب الحديث ودافعا قويا للاردن للدفاع عن استقلاله وكرامته وحريته وقد اتاح هذا القرار للاردن بسط سيادته السياسية على كل اقاليم الدولة ومؤسساتها وأعاد الهيبة للجيش والامة بامتلاك حريتها وصنع قرارها بعيدا عن التهديدات والضغوطات التي كانت تمارس بحقها واعطى الفرصة لابناء الوطن لتولى المسؤولية والتدريب على القيادة العسكرية وخلق القادة من أبناء الاردن.
كما أدت خطوة تعريب قيادة الجيش الى توظيف جميع قدرات الجيش وامكانياته لخدمة أمن الوطن وصون حقوقه والمحافظة على ترابه ومكتسباته كما مكن القرار صانعه جلالة المغفور له الملك الحسين من بناء مؤسسة عسكرية حديثة امتازت بالانضباط ومشاركة القوات المسلحة بالخطط التنموية وبناء الوطن والمشاركة الفاعلة لجيشه في رفد مسيرة البناء والعطاء .
هذا الجيش الذي ساهم في استقرار الكثير من الدول العربية وتمكن من بناء الروابط القوية مع جيوش المنطقة من خلال تبادل الخبرات وفتح مدارس التدريب لجميع الصنوف والمعاهد العسكرية العليا التي أهلت ضباط وأفراد هذا الجيش ليكونوا في الطليعة كما ارادهم الحسين رحمه الله الذي هو قائدهم الاعلى وقرة عيونهم وأملهم وصانع مجدهم والرمز لهذه الامة ولهذا الجيش .
وبعد فأن ابناء القوات المسلحة الاردنية وهم يتفيأون ظلال هذه الذكرى العطرة فأنهم يبتهلون الى المولى عز وجل ان يشمل بمنه وكرمه جلالة المغفور له بأذن الله الملك الحسين بن طلال بواسع رحمته ورضوانه وسيذكرون دائما صاحب القرار الشجاع والخطوة الجريئة التي كان لها كبير الاثر في بناء الجيش المصطفوى ويعاهدون قائده الاعلى جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين ان يبقوا درع الامة وأملها في الدفاع عن الحق وصون الكرامة يعملون بكل ما اوتوا من قوة وعزم في سبيل الحفاظ على أمن واستقرار الوطن جنودا أوفياء ورجالا أقوياء يسيرون على ذات النهج وذات الطريق سائلين العلى القدير أن يحفظ جلالة القائد الاعلى سندا وذخرا للامتين العربية والاسلامية أنه نعم المولى ونعم النصير.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش