الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الناس والسياسة: رب ضارة نافعة: صدمة رفع الأسعار تكشف خفايا سوء الإدارة الاقتصادية.

تم نشره في الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 مـساءً
الناس والسياسة: رب ضارة نافعة: صدمة رفع الأسعار تكشف خفايا سوء الإدارة الاقتصادية.

 

 
* نسبة عالية من الازمة النفطية ليست بسبب ارتفاع سعر برميل النفط بل
بسبب سوء الادارة الاقتصادية

* هذه هي المرة الاولى التي تنكشف فيها وبالارقام الموثقة الاثار
والنتائج الاجتماعية السلبية لبرنامج الاقتصاد الليبرالي المعتمد
غلى الخصخصة

- باتر محمد علي وردم: بدأ سريان قرار رفع اسعار المحروقات بالرغم من المطالبات النيابية والشعبية بتأخير الإعلان عنه إلى حين استكمال دراسة البدائل المتاحة وتعديل الإجراءات التي يمكن أن تساهم في ضخ الأموال إلى الخزينة بحجة عدم وجود الوقت الكافي للدراسات في مواجهة الارتفاع الهائل لاسعار النفط العالمي.
الوقت يسرقنا إذا كما تؤكد الحكومة ولا بد من إجراءات سريعة وفعالة وعلاج بطريقة الجراحة لا الطبابة الطويلة، وهذا منطق مبرر لو كان متماشيا مع كل البدائل المطروحة، فكيف يمكن لنا أن نقتنع أن "رفع ضريبة الدخل على القطاع الخاص" يتطلب إجراءات ودراسات مستفيضة بينما لا يتطلب رفع الأسعار على المواطنين أكثر من جولة اسبوع من الإقناع؟
من الصعب جدا أن تتراجع الحكومة عن هذا القرار، وهذه ليست قضية جوهرية في واقع الحال، لأن هناك ما هو أكثر أهمية من ذلك، فقد تم تحقيق اختراق كبير وللمرة الأولى في الأردن منذ بداية تطبيق سياسات الخصخصة والانفتاح الاقتصادي، وهذا الاختراق الكبير إنجاز يجب حمايته والحفاظ عليه وهو الكشف وللمرة الأولى عن اسرار وخفايا سوء الإدارة الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة والتي تمثلت في عدة مجالات لم تكن معروفة للخبراء
الاقتصاديين والمؤسسات السياسية والشعبية ناهيك عن المواطن العادي.
عملية كشف الحقائق التي تتم حاليا هي في حد ذاتها نتيجة مهمة لصدمة رفع الأسعار، لان المحاولات المحمومة لترحيل مسؤولية الأزمة الاقتصادية من الحكومة الحالية إلى السابقة، ومن وزراء إلى آخرين ستكون مفيدة في كشف خفايا وحقائق أوصلتنا إلى هذا الوضع، وخاصة في قضايا مفصلية مثل إعداد الموازنة، وذمم الخزينة، والإعفاءات الضريبية والجمركية، وسوء تحصيل الضرائب والسياسات والتشريعات التي تدعم فئات ثرية على حساب الأغلبية الفقيرة، ووضع دور القطاع الخاص في التنمية على طاولة البحث للمرة الأولى.
ما يخضع للمحاكمة حاليا ليست الحكومات السابقة والحكومة الحالية فقط،
بل مجمل السياسات الاقتصادية والدور السلبي للقطاع الخاص في التنمية،
وهذه كلها حقائق ونقاشات في صلب الاقتصاد الأردني، كنا نكتب عنها في
السنوات السابقة بدون أرقام وإحصائيات معلنة ونتهم بالبعد عن الواقع،
ثم نحصل على إحصائيات سرية ونتهم بتشويه سمعة البلد، وعندما نقارن
مشاكلنا بكل النتائج السلبية للخصخصة في دول العالم الثالث الأخرى نتهم
بالديماغوجية والسذاجة الاقتصادية.

أنظروا ماذا يحدث الآن، الحكومة نفسها تكشف الحقائق وتذهلنا بأرقام لم
نكن نتوقعها في أشد تقديراتنا سوءا. كنا نعرف بأن هناك خللا في
الموازنة في تقدير حجم المساعدات ولكننا لم نتوقع أن يصل الخلل إلى 500
مليون من أجل الوصول إلى سقف عجز موانة 3,3% لإرضاء صندوق النقد
الدولي. كنا نعرف أن ضريبة المبيعات التي تؤثر على الطبقات الوسطى
والفقيرة تعطي مردودا للخزينة أكثر من ضريبة الدخل ولكننا لن نتصور أن
يكون الفارق أكثر من الضعف. كما نعرف أن مساهمة ضريبة الدخل في الناتج
المحلي الإجمالي قليلة ولكننا لم نتصور أنها في الأردن اقل من سوريا
ومصر. وكنا نعرف أن هناك تهربا ضريبيا ولم نتصور أن تكون قيمة التهرب
حوالي 600 مليون دينار. كنا نعرف أن هناك ذمما غير مستحقة للخزينة
ولكننا لم نتصور وصولها إلى رقم فلكي هو مليار و 260 مليون دينار. كنا
نعرف أن نسبة ما في الناتج المحلي الإجمالي لا تخضع الضريبة وفوجئنا
بأن هذه النسبة تصل إلى 66%.

بدأت تطرح اسئلة غاية في الأهمية. مجلس النواب يسأل ويطالب بتفاصيل حول
جميع عقود النفط الموقعة في السنوات الماضية وهذا سؤال جرئ وسيفتح
حقائق مهمة جدا، والإعلام يسأل الحكومة لماذا لا تدون محاضر اجتماعاتها
حتى يتنسى معرفة المسؤول عن القرارات الخاطئة، وهل سبب عدم التدوين هو
بالذات للتهرب من المساءلة والاكتفاء بتبادل الاتهامات اللفظية كما هو
سائد حاليا.

في محصلة الأمر فإن نسبة عالية من الأزمة النفطية الحالية ليست بسبب
الارتفاع المستمر في سعر برميل النفط بقدر ما هو سوء الإدارة
الاقتصادية الذاتية، وهذا يعني أن على الحكومة التقدم بخطتين مستقلتين
لمواجهة الأزمة واحدة متعلقة بالفاتورة النفطية وهي إجراءات رفع الدعم
الحكومي عن المحروقات وهي قد تكون في نهاية الأمر سياسة مفيدة للأردن
على المدى البعيد لأنها ستضعه في الحجم الطبيعي له كبلد يعتمد على
النفط الخارجي وعليه أن يواجه تحدي الطاقة بالاعتماد على الذات. ولو
فرضنا أن المجتمع الأردني سوف يتقبل هذه الشروط من أجل إعادة هيكلة
قطاع الطاقة ليتناسب مع موارد الأردن الذاتية، فإن علينا جميعا أن لا
نتراجع لحظة واحدة ولا خطوة واحدة في المطالبة بتقديم خطة وطنية
لمواجهة أزمة سوء الإدارة الاقتصادية.

يمكن للمجتمع الأردني أن يقبل سياسات الطاقة الجديدة بشرط العمل لجدي
على محاسبة المسؤولين عن سوء الإدارة المالية واتخاذ خطوات سريعة
لتصحيح الخلل الهائل في توزيع عبء الخزينة على القطاعات المختلفة
وتنفيذ كل الإجراءات المقترحة في مجالات الإصلاح الضريبي وإجبار القطاع
الخاص المدلل على تنفيذ مسؤولياته تجاه الاقتصاد الوطني كما ينفذها
المواطن الأردني من الطبقات الفقيرة والوسطى.

هذا الحوار وكشف الحقائق صحي جدا لمصلحة المجتمع الأردني، وهذه هي
المرة الأولى التي تنكشف فيها وبالأرقام الموثقة الآثار والنتائج
الاقتصادية والاجتماعية السلبية لبرامج الاقتصاد الليبرالي المفتوح
المعتمد على الخصخصة، وعلى المجتمع الأردني بكل مؤسساته الإعلامية
والسياسية والمدنية أن لا يتنازل ابدا عن حقه في معرفة الحقائق كخطوة
أولى نحو ممارسة سياسات ضاغطة على السلطات التنفيذية والتشريعية لتصحيح الاختلالات الاقتصادية عن طريق تعديل التشريعات التي تتيح كل سبل التهرب الضريبي للنشاطات الرأسمالية للقطاع الخاص وتضغط على موارد القطاع العام الشحيحة، وإذا ما ترافق ذلك مع جدية حقيقية في محاربة الفساد فإننا نكون قد حققنا اختراقا اقتصاديا استراتيجيا بوضع السياسات الاقتصادية التي كانت تعتبر "عقيدة" للمبشرين بها من اتباع الفكر الاقتصادي الليبرالي الجديد في محاكمة علمية تعتمد على الأرقام والإحصائيات الرسمية للمرة الأولى.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش