الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في محاضرة ألقاها في اسطنبول * هنتنغتون: تركيا تتقدم باتجاه علماني.. وأوروبا باتجاه ديني

تم نشره في الاثنين 20 حزيران / يونيو 2005. 03:00 مـساءً
في محاضرة ألقاها في اسطنبول * هنتنغتون: تركيا تتقدم باتجاه علماني.. وأوروبا باتجاه ديني

 

 
* اسباب العنف الاسلامي ليست متأصلة في الدين بل وليدة صعود الوعي والهوية الاسلامية
* السياسة العالمية المعاصرة هجين من قوة عظمى واحدة والعديد من القوى الاساسية
* السؤال ليس: »هل تركيا جاهزة لأوروبا؟« بل: »هل أوروبا جاهزة لتركيا؟«
* حروب المسلمين مع غيرهم ومع انفسهم شكلت خلال العقد الماضي ثلثي الحروب في العالم
ألقى الكاتب والمفكر الاميركي صموئيل هنتنغتون مؤخراً محاضرة في اسطنبول بدعوة من بنك »اي كيه بانك« تحدث فيها عن التحديات التي تواجه تركيا سواء بالنسبة لانضمامها الى الاتحاد الاوروبي او دورها في النظام العالمي الجديد. وتطرق صاحب اشهر كتاب في العقد الماضي »صدام الحضارات« الى الدين الاسلامي والمسلمين على طريقته التي تحمل نظرة غير عادلة وربما معادية الى درجة اعتبر فيها ان المسلمين مسؤولون عن معظم الحروب في العالم.
في ما يلي نص المحاضرة التي نشرت ترجمة لها صحيفة »النهار« اللبنانية:

طُلِب منّي التحدّث عن »السياسة العالمية ودور تركيا في المستقبل القريب«. سأتطرّق في هذا الإطار إلى أربع نقاط:
أولاً، تحدّد الهويّات الثقافية والدينية أكثر فأكثر مصالح المجموعات الناشطة والدول وخصوماتها وصداقاتها.
ثانياً، تتميّز هيكليّة النفوذ في السياسة العالمية المعاصرة بوجود قوّة عظمى واحدة والعديد من القوى الإقليمية الكبرى وعدد أكبر من القوى الإقليمية الثانوية وكذلك الكثير الكثير من البلدان الأخرى.
ثالثاً، يغلب على النزاعات في هذه السياسة العالمية الجديدة طابع الحروب الفئوية لا سيما تلك التي تشارك فيها مجموعات إسلامية.
أخيراً، يجعل التفاعل بين قوى الثقافة والنفوذ والحرب الأدوار التي أدّتها تركيا في الحرب الباردة غير متناسبة إلى حدّ كبير مع الزمن الحالي، لكنّه لا يحدّد أدواراً جديدة واضحة لها.
أثناء الحرب الباردة، كان لتركيا وضع محدّد جيداً كأحد أقوى الأعضاء في حلف شمال الأطلسي وأقرب الحلفاء إلى الولايات المتحدة. لكنّ السياسة العالمية الجديدة مختلفة جداً والسؤال المحوريّ الذي يواجهه قادة تركيا وشعبها هو الآتي: كيف سيُحدَّد الدور التركي في هذا العالم الجديد؟ ولئلا أولّد لديكم آمالاً غير مبرّرة، أسارع إلى القول بأنني لا أملك جواباً سهلاً عن هذا السؤال لكنّني سأحاول الإشارة إلى بعض العوامل الأكثر أهمّية التي تؤثّر في مكانة تركيا في السياسة العالمية الجديدة.

الثقافة
قبل اثنَي عشر عاماً، نشرت مقالاً في المجلّة الأميركية »فورين أفيرز« اعتبرت فيه أنّ العوامل الإتنية والدينية واللغوية والتاريخية والمؤسّسية تحلّ مكان الأيديولوجيات السياسية كعناصر أساسية في هويّة الشعوب والدول. في مختلف أنحاء العالم، بدأ الناس يحدّدون هويّتهم أكثر فأكثر من خلال عضويّتهم في مجموعات إتنية أو طوائف دينية أو مجموعات لغويّة أو تاريخية. تتحوّل السياسة المحلّية سياسة الإتنيّات في حين أنّ السياسة العالمية تتحوّل سياسة الحضارات التي هي أوسع مجموعات ثقافية يتماهى الناس معها.
للمرة الاولى في التاريخ البشري، السياسة العالمية متعدّدة القطب والحضارة بكلّ معنى الكلمة. في كتابي عن صدام الحضارات، عرضت بشيء من التفصيل الدليل الذي يدعم هذا التفسير حول تطوّر السياسة العالمية. أعادت بلدان كانت في السابق شريكة في الحرب الباردة ضمن الكتلة الغربية أو السوفياتية، صوغ تحالفاتها على أسس ثقافية. لم يولّد هذا خطوط نزاع جديدة محتملة وحسب بل أيضاً ركائز جديدة للتعاون بين بلدان شعرت أنّ قيمها وأنماط حياتها المشتركة تخلق أساساً للثقة والتفاهم وتعزيز الأهداف الواحدة. أما في الحالات التي غاب فيها الطابع الثقافي المشترك، فقد كان التعاون صعباً. لنأخذ على سبيل المثال الجهود المبذولة لإنشاء منظّمات إقليمية لتعزيز الاندماج الاقتصادي. كان الاتحاد الأوروبي ناجحاً جداً في هذا الإطار بما أنّ كلّ أعضائه مع استثناء واحد محتمل هو اليونان، يتشاطرون ثقافة مشتركة. وكانت سوق الجنوب المشتركة (مركوسور) في أميركا اللاتينية ناجحة جزئياً بمساعدة من الثقافة الإيبيرية المشتركة لشعوبها. أما الجهود لتحقيق اندماج اقتصادي إقليمي في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا فكانت غير ناجحة إلى حدّ كبير كونها تتعلّق ببلدان ذات ثقافات وحضارات مختلفة جداً.
كان صعود الدين عنصراً أساسياً في هذا الدور الجديد للثقافة. من الثورة الفرنسية إلى النصف الأخير من القرن العشرين، بدا أنّ البلدان والشعوب في كلّ مكان تقريباً يبتعدون عن الديانة. لكن قبل بضعة عقود، تلاشت هذه النزعة وبدأ باحثون يصدرون كتباً تحمل عناوين مثل »انتقام الله« و»إلغاء العلمانية في العالم«.
يبدو لي أنّ هذه الميول العالمية طرحت تحدّيين أساسيين على الهويّة العلمانية لتركيا الحديثة كما حدّدها مصطفى كمال أتاتورك. أولاً أدّى التديّن الجديد إلى تركيز جديد على الرموز والطقوس والممارسات الإسلامية في العديد من فئات المجتمع التركي بما في ذلك الطبقة الوسطى المدينية والمهنيون ومتعهّدو الأعمال. ولا شكّ في أنّ الأهمّ سياسياً كان تشكيل مجموعة من الأحزاب الموجّهة دينياً، الأمر الذي تُوِّج بانتصار »حزب العدالة والتنمية« عام 2002. والأهمية نفسها يكتسبها المدى الذي بلغه رئيس الوزراء أردوغان في رفضه المتأنّي للتعصّب الديني، وتحديده لحزبه بأنّه النظير الإسلامي للأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، وترويجه الناشط لعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.
لا شكّ في أنّ هذا كان هدفاً أساسياً في السياسة الخارجية التركية منذ عام 1957 حاولت تركيا سنة تلو الأخرى إزالة العوائق أمام تحقيق ذلك الهدف من حيث توسيع نطاق حماية الحرّيات الفردية وسيادة القانون، وفرض قيود على تدخّل العسكر في السياسة التركية واعتماد سياسة أكثر تساهلاً وتكيّفاً تجاه الأقلّية الكردية. ومع ذلك، يُؤخَّر باستمرار قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي في حين انضمّت إليه عشرة بلدان أخرى تقدّمت بطلب العضويّة بعد تركيا. كيف يمكن تفسير هذا؟ السبب الرئيس الذي لا يتحدّث عنه علناً سوى قلّة من القادة الأوروبيين لكنّه متداول بقوّة في أوساط الجماهير الأوروبية والعديد من النخب الأوروبية هو أنّه على الرغم من الجهود التي تبذلها تركيا لاعتماد القيم والممارسات الأوروبية، فإنّ مجتمعها وثقافتها وتاريخها تجعل منها في شكل أساسي بلداً غير أوروبي.
طالما أنّ النخب والجماهير الأوروبية تتشاطر هذه الآراء على نطاق واسع، ستبقى عضويّة تركيا في الاتحاد الأوروبي أمراً بعيد الاحتمال. أقحم الأوروبيون أنفسهم في وضع حيث يشعرون أنّه لا يمكنهم رفض تركيا لكن في الوقت نفسه لا يمكنهم قبولها. لذلك اتّبعوا، وسيستمرّون برأيي في اتّباع سياسة التأجيل والمماطلة.
ثمّة عامل يبرز في الآونة الأخيرة ويقلّل أكثر فأكثر من احتمالات حصول تغيير في السياسة. قبل وقت قصير، نشرت مجلّة »فورين أفيرز« مقالاً بعنوان »هل تركيا جاهزة لأوروبا؟« يمكن طرح السؤال معكوساً: هل أوروبا جاهزة لتركيا؟ الجواب هو لا، ويتأكّد أكثر فأكثر مع مرور الوقت. حاولت تركيا بشجاعة إلقاء الضوء على النواحي العلمانية في مجتمعها وثقافتها لتلبية ما تعتبره شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن بينما تتقدّم تركيا في اتّجاه علماني، يبدو أنّ أوروبا تتقدّم في اتّجاه ديني. حتى الآونة الأخيرة، كانت أوروبا بلا شكّ المنطقة الأكثر علمانية في العالم. لكنّ هذا الواقع بدأ يتغيّر، والسبب هو هجرة المسلمين الكثيفة إلى أوروبا والتفاعلات المتزايدة بين البلدان الأوروبية والبلدان الإسلامية المجاورة. وقد أرغمت هذه التطوّرات الأوروبيين على مواجهة السؤال الآتي من جديد: »من نحن؟«. اعتبر بعض الباحثين أنّ الوجود الإسلامي المتنامي في صدد تحويل أوروبا الى Eurabia حيث ستكون للمسلمين وغير المسلمين أدوار متشابهة إن لم يكن متساوية، وحيث ستُحدَّد السياسة الخارجية أكثر فأكثر انطلاقاً من معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن في شكل عام، يفتقر المسلمون في أوروبا إلى الشهادات الجامعيّة، وهم فقراء ولا يزالون معزولين في غيتوات، وقد أصرّوا على الإبقاء على ممارساتهم الإسلامية وطالبوا بأن تستوعب السياسات الحكومية هذه الممارسات، مما يولّد ردّ فعل ضدّهم. فعلى حدّ قول ألماني بارز »جاء المهاجرون إلى أميركا لأنّهم أرادوا أن يصبحوا أميركيين. أما الأتراك فلم يأتوا إلى ألمانيا لأنّهم أرادوا أن يصبحوا ألماناً«.
يواجه الأوروبيون الآن السؤال الآتي: إلى أيّ مدى يجب أن يحدّدوا هويّات بلدانهم وهويّة الاتحاد الأوروبي على أسس دينية؟ دار نقاش حادّ في المؤتمر الدستوري الأوروبي عمّا إذا كان يجب إدراج إشارات إلى الله و/أو المسيحية في مسودّة الدستور. برز ائتلافان أساسيان من البلدان المؤيّدة والمعارضة، وفي النهاية فاز الائتلاف المعارض ولم يأتِ الدستور على ذكر الله والمسيحية. كما برزت مسائل الهويّة الدينية داخل بعض البلدان الأوروبية. ففي فرنسا، اعتُبِر الحجاب وممارسات إسلامية أخرى تحدّياً للتقليد الفرنسي في العلمنة. أعلن رئيس اللجنة الرئاسية حول الديانة في فرنسا »هناك بلا شك مجموعات مسلمة تسعى إلى امتحان قدرة الجمهورية على المقاومة، وتضمر حقداً لقيم الجمهورية ولا تريد أن تبقى فرنسا كما هي. لا يمكننا قبول ذلك«.
وفي خطوة تعكس هذه المخاوف، اقترح الرئيس شيراك قانوناً يحظّر الرموز الدينية »الواضحة« في المدارس الرسميّة، ووافق عليه البرلمان الفرنسي بغالبيّته الساحقة.
في إيطاليا، حصل ردّ فعل مختلف لكن موازٍ. ليس الإيطاليون المسيحيون الكاثوليك الأكثر تديّناً في العالم غير أنّ تدفّق المهاجرين المسلمين الشرعيين وغير الشرعيين ولّد مشاعر عداء قويّة تجاه المسلمين في أوساط السكّان والسياسيين، وإعادة تأكيد على الهويّة الكاثوليكية لإيطاليا، الأمر الذي اكتسب طابعاً دراماتيكياً في حادثتين وقعتا أخيراً. عام ،2001 نزعت معلّمة الصليب الذي يوضَع عادةً على الجدار في كلّ قاعات الصفوف في المدارس الإيطالية، كي لا يشعر تلميذ مسلم في صفّها بالإساءة. فكانت النتيجة موجة عارمة من الغضب في إيطاليا بأسرها. وأعلن مدير المدرسة أنّه ينبغي على المسلمين أن »يعرفوا... أنّها دولة كاثوليكية«، وأضاف أنّ الكاثوليكية »جزء من تاريخنا«. وقد أعيد الصليب إلى مكانه على الجدار.
بعد عامين، حصل ردّ فعل مماثل عندما أمر قاضٍ بنزع الصليب عن جدار إحدى قاعات الصفوف. وبحسب التقارير، أثار هذا القرار الذي طغى على الأخبار طوال أيام، »غضباً شديداً« لدى الإيطاليين. أعلن أحد قادة الحزب الشيوعي الإيطالي »لا أعرف رمزاً في العالم أعلى شأناً من صليب المسيح«. وقال الرئيس الإيطالي »ليس الصليب رمزاً مميِّزاً لعقيدة دينية معيّنة وحسب بل أيضاً وقبل كلّ شيء هو رمز للقيم التي هي في أساس هويّتنا الإيطالية«. باختصار الديانة والدولة لا تنفصلان.
هناك أيضاً ميول نحو إعادة تأكيد الهويّات الدينية في بلدان أوروبية أخرى ومن الواضح أنّها تحفّز معارضة انضمام سبعين مليون تركي إلى الاتحاد الأوروبي. في شكل عام، وبحسب استطلاعات الرأي، لا تدعم الغالبية عضويّة تركيا في الاتحاد. القادة السياسيون أكثر حذراً في العلن لكن غالباً ما يتشاطرون هذا الرفض. غير أنّ قادة الحزبَين المحافظين في ألمانيا طرحوا علناً تساؤلات حول عضويّة تركيا، وبالطبع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان أعلن بطريقة دراماتيكية أنّ قبول تركيا »سيشكّل نهاية أوروبا« معتبراً أنّ لتركيا »ثقافة ومقاربة ونمط حياة مختلفة. ليست عاصمتها في أوروبا، و95 في المئة من سكّانها يعيشون خارج أوروبا. ليست بلداً أوروبياً«. المحاولات التي تبذلها تركيا للتأهّل للعضوية في الاتحاد الأوروبي من خلال التوجّه أكثر فأكثر نحو العلمانية يُقوّضها تحوّل أوروبا أكثر فأكثر نحو التديّن.

النفوذ
سأنتقل الآن للحديث عن هيكليّة النفوذ العالمية الجديدة ومضاعفاتها المحتملة على تركيا.
أثناء الحرب الباردة، كان هناك نظام دولي ثنائي القطب مؤلّف من قوّتين عظميين تسيطر كلّ منهما على جزء من العالم وتتنافس على النفوذ في الجزء الباقي. كان التنافس بينهما ملازماً للوضع القائم ويشتدّ نتيجة ترويج كلّ منهما لأيديولوجيّتها السياسية الخاصة في مختلف أنحاء العالم. كانت تركيا تحتلّ مكانة راسخة في حلف شمال الأطلسي وأدّت دوراً أساسياً في ردع العدوان السوفياتي في الشرق الأوسط والخليج الفارسي.
الآن ثمّة قوّة عظمى واحدة. لكن يدور الكثير من الجدل حول ما إذا كان عالم اليوم أحادي القطب أو متعدّد القطب أو غير ذلك. في العالم الأحادي القطب تكون هناك قوّة عظمى واحدة ولا وجود لقوى كبرى مهمّة بل للعديد من القوى الصغرى. في هذا العالم، تستطيع القوّة العظمى التي تتصرّف بطريقة أحاديّة مع قليل من التعاون مع دول أخرى أو بدون أيّ تعاون معها، أن تحلّ بفاعليّة مسائل دولية أساسية، ولا تملك مجموعة من الدول الأخرى النفوذ لمنعها من القيام بذلك. لقرون عدّة، قاربت روما، وفي حقبات معيّنة من التاريخ شرق آسيا تحت سيطرة الصين، هذا النموذج. أما في العالم المتعدّد القطب فتكون هناك دول كبرى عدّة ذات قوّة متشابهة تتعاون وتتنافس في ما بينها في نماذج متغيِّرة، ويكون الائتلاف بين الدول الكبرى ضرورياً لحلّ المسائل الدولية المهمّة. وقد قاربت السياسة الأوروبية هذا النموذج لقرون عدّة.
لا تتلاءم السياسة العالمية المعاصرة مع أيّ من هذين النموذجَين بل هي مزيج أو هجين مؤلّف من قوّة عظمى واحدة والعديد من القوى الأساسية يمكن تسميته نظاماً أحاديّاً- متعدّد القطب. يعني هذا أمرين. أولاً، في ما يتعلّق بالمسائل الدولية الأساسية، تستطيع القوّة العظمى الوحيدة عادةً أن تضع فيتو على أفعال المجموعات المؤلّفة من القوى الكبرى الأخرى. ثانياً، لا تستطيع القوّة العظمى الوحيدة أن تجد حلاً فاعلاً للمسائل الدولية الأساسية إلا من خلال التعاون مع بعض الدول الكبرى الأخرى. عندما لا يتحقّق ذلك التعاون، يعاني النظام أزمة كبيرة، وهو درس تعلّمته إدارة بوش على الأرجح. في هذا العالم الأحادي-المتعدّد القطب، لهيكليّة النفوذ العالمية أربعة مستويات. في المستوى الأول، الولايات المتحدة هي القوّة العظمى الوحيدة مع تفوّق في كلّ ميادين النفوذ.
في المستوى الثاني هناك قوى إقليمية كبرى هي الفاعلة المسيطِرة في مجالات مهمّة في العالم لكن ليس لمصالحها وإمكاناتها امتداد عالمي بقدر مصالح الولايات المتحدة وإمكاناتها. وتشمل هذه القوى الاتحاد الأوروبي (أي في شكل خاص ألمانيا وفرنسا) وروسيا والصين والهند وإيران والبرازيل ودول أخرى. وفي المستوى الثالث هناك قوى إقليمية ثانوية تأثيرها في منطقتها أقلّ من تأثير القوى الإقليمية الأساسية. أخيراً يضمّ المستوى الرابع البلدان المتبقّية وبعضها، على غرار تركيا، مهمّ جداً لأسباب عدّة لكنّه ليس جزءاً لا يتجزّأ من هيكليّة النفوذ العالمية.
كان من المحتّم أن تولّد الهيكلية الثنائية القطب في الحرب الباردة نزاعاً بين قوّتين عظميين. أما الهيكلية الأحادية-المتعدّدة القطب الجديدة فتخلق نماذج نزاع مختلفة جداً. لدى الولايات المتحدة، بصفتها القوّة العظمى الوحيدة، مصالح عالمية وتحاول جاهدةً تعزيز مصالحها في كلّ منطقة من العالم. لكنّ هذا يجعلها في نزاع مع القوى الإقليمية الكبرى التي تنظر إلى الولايات المتحدة كدخيلة وتعتبر أنّها هي من يجب أن تؤدّي الدور الأساسي في تحديد ما يجري في مناطقها. وهكذا يوجد تنافس طبيعي بين الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الكبرى. لكن في كلّ منطقة، لا تريد القوى الثانوية أن تقع تحت سيطرة القوّة الإقليمية الكبرى، وتحاول أن تحدّ من قدرة هذه القوّة على رسم الأحداث في تلك المنطقة.
تولّد هذه العلاقات التنافسيّة أساساً للتعاون بين الولايات المتحدة وقوى إقليمية ثانوية، وهذا ما حصل بالفعل. في سبيل خلق توازن في مواجهة الصين، عزّزت الولايات المتحدة تحالفها مع اليابان وسعت إلى تعزيز إمكانات الجيش الياباني، وانضمّت اليابان إلى الولايات المتحدة في حماية أمن تايوان. تحافظ الولايات المتحدة وبريطانيا على علاقتهما المميّزة التي تمنحهما فعالية ضدّ النفوذ الصاعد لأوروبا موحّدة تسيطر عليها ألمانيا وفرنسا. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت بولندا الحليف الأوروبي الأقرب إلى الولايات المتحدة بعد بريطانيا، وانتهزت دول أوروبا الوسطى والشرقية من وقت لآخر الفرصة للوقوف بجانب الولايات المتحدة ضدّ ألمانيا وفرنسا وروسيا.
طوّرت الولايات المتحدة علاقات وثيقة مع أوكرانيا وجورجيا وأوزبكستان للتصدّي للتوسّع الروسي، وتحافظ على تعاون وثيق مع السعودية لإرساء توازن مقابل نفوذ إيران في الخليج. وفي أميركا الجنوبية، كانت للولايات المتحدة تاريخياً علاقات ودّية مع البرازيل وعدائية مع الأرجنتين. لكن في التسعينات، برزت البرازيل كمنافس للولايات المتحدة على النفوذ في أميركا الجنوبية، وبنت الولايات المتحدة علاقات أوثق مع الأرجنتين. في كلّ هذه الحالات وفي حالات أخرى محتملة، يخدم التعاون المصالح المشتركة للولايات المتحدة والقوى الإقليمية الثانوية في احتواء نفوذ القوى الإقليمية الأساسية.
للقوى الإقليمية الأساسية من جهتها مصلحة مشتركة في التعاون في ما بينها للحدّ من نفوذ الولايات المتّحدة. وحاول العديد منها فرنسا وروسيا والصين وإيران والهند العمل معاً من وقت لآخر للترويج لمصالحه ضدّ الولايات المتّحدة كما فعلت ألمانيا وفرنسا وروسيا في مجلس الأمن. لكن في الوقت نفسه، تريد كلّ من القوى الإقليمية الكبرى، ما عدا فرنسا وألمانيا، الحصول عادةً على أشياء من الولايات المتحدة العضوية في منظمات دولية، التكنولوجيا، الأسلحة، المساعدة الاقتصادية، الدعم الديبلوماسي، دعوة قادتها إلى البيت الأبيض. وقد حدّ هذا حتى الآن من قدرتها على تشكيل تحالف مستقرّ مناهض للولايات المتحدة. لكنّ نظريّة العلاقات الدولية تتوقّع بروز تحالف كهذا، وقد يتحقّق ذلك فعلاً بينما يتراجع النفوذ النسبي للولايات المتحدة.
ما هي علاقة تركيا بهذه الهيكلية العالمية؟ لديها مصالح في البلقان والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى لكنها ليست في أيّ منها القوّة الإقليمية الأساسية. إنّها في بعض النواحي قوّة إقليمية ثانوية بالنسبة إلى روسيا في آسيا الوسطى والقوقاز، وبالنسبة إلى إسرائيل في الشرق الأوسط، وإيران في الخليج وكلّ ما تختار القوى الغربية توريط نفسها فيه في البلقان. من الواضح أنّ الأهمّية التي ترتديها عضويّة تركيا في الحلف الاطلسي تتضاءل نظراً إلى تبخّر مهمّة الناتو الأساسية، وفي ما يتعلّق بتركيا تحديداً، رفض بعض الدول الأعضاء في الناتو اعتبار الهجوم السوري على تركيا، في حال حدوثه، هجوماً على الحلف. وهذا في تناقض حادّ مع إعلان الحلف الذي تمّ اعتماده بالإجماع في 12 أيلول 2001 والذي ينصّ على اعتبار الهجمات على الولايات المتحدة هجوماً على الحلف.
هكذا أصبحت تركيا في وضع متقلّب بعد نهاية الحرب الباردة في ما يتعلّق بترتيباتها الأمنيّة. لكنّها اتّخذت خطوتين إقليميّتَين مهمّتين. أولاً وبمساعدة من الزلازل المتبادلة، تحرّكت تركيا لخفض التوتّر مع اليونان وتعزيز التفاهم والتعاون بين مؤسّستَيهما العسكريّتَين. ثانياً، عملت تركيا على تكثيف ترتيباتها الأمنية مع إسرائيل وتعزيزها انطلاقاً من إدراكهما بأنّهما تواجهان تهديدات متشابهة وفي معظم الأحيان التهديدات نفسها على أمنهما الداخلي. كلتاهما ديمقراطيتان مستقرّتان ومزدهرتان في منطقة غير ودودة وغير مستقرّة. كما أنّهما القوّتان العسكريّتان الأقوى في الشرق الأوسط وكانت لكلتيهما ولا تزال علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة. يمكن أن يولّد التعاون بينهما معارضة لدى البلدان العربية وتقارباً بينها لكن نظراً إلى الصعوبات التي كان العرب يواجهونها في الماضي عندما يحاولون العمل معاً، تبدو مجازفة منطقيّة.

الحرب
يتعلّق التغيير الأساسي الثالث في السياسة العالمية بشكل النزاع الطاغي. كان النصف الأوّل من القرن العشرين عصر الحروب العالميّة، والنصف الثاني عصر الحرب الباردة. أما القرن الحادي والعشرون فيبدأ كعصر الحروب الأهلية والفئوية. في التسعينات، وقعت 110 حروب. كانت كلّ هذه الحروب ما عدا سبع فقط، حروباً أهلية ضمن الدولة الواحدة وكان سبعون في المئة من هذه الحروب الأهلية حروباً فئوية بين مجموعات إتنية ودينية. وغالباً ما كان للمسلمين دور فيها. يتقاتل المسلمون في ما بينهم ويقاتلون غير المسلمين أكثر بكثير مما تفعل الشعوب المنتمية إلى الحضارات الأخرى.
في التسعينات، دارت أعمال عنف قويّة بين المسلمين وغير المسلمين في البوسنة وكوسوفو ومقدونية والشيشان وأذربيجان وطاجيكستان وكشمير والهند والفلبين وأندونيسيا وفلسطين والسودان ونيجيريا. في منتصف التسعينات، كان حوالى نصف النزاعات الإتنية في العالم يدور بين المسلمين أنفسهم أو بين مسلمين وغير مسلمين. بحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كان هناك 32 نزاعاً مسلّحاً أساسياً عام ،2000 وكان للمسلمين دور في 23 منها، أي نحو الثلثين، على الرغم من أنّهم لا يشكّلون سوى خُمس سكّان العالم. ليست أسباب هذا العنف الإسلامي متأصّلة في طبيعة الإسلام كديانة، بل هي وليدة صعود الوعي والهويّة الإسلاميَّين من جديد. علاوةً على ذلك، هناك شعور عميق في العالم الإسلامي بأسره لا سيّما في أوساط العرب، بالضيم والاستياء والحسد والعداوة تجاه الغرب وفي شكل خاص الولايات المتحدة. ومن الأسباب وراء هذا الأمر إمبريالية الغرب وسيطرته على العالم الإسلامي في الجزء الأكبر من القرن العشرين، وكذلك سياسات غربيّة معيّنة مثل العلاقة الوثيقة المستمرّة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى نطاق أوسع، إنّه ردّ فعل من الشعوب الإسلامية على حكوماتها الفاسدة والقمعية وغير الفاعلة، وعلى الحكومات الغربية التي يعتبرون أنّها تدعم هذه الأنظمة.
الإسلام أقلّ توحّداً من أيّ حضارة أخرى. تحفّز الانقسامات القبلية والدينية والسياسية والثقافية العنف بين المسلمين أنفسهم، وبين المسلمين وغير المسلمين لأنّ مجموعات وحكومات إسلامية مختلفة، كما في السعودية وإيران، تتنافس في ما بينها لترويج نسختها الخاصّة من الإسلام، كما أنّها دعمت المجموعات الإسلامية التي تقاتل غير المسلمين من البوسنة إلى الفلبين. عندما تسيطر دولة أو دولتان على العالم الإسلامي، كما هي الحال مع حضارات أخرى وذلك خلافاً لما يحصل مع الإسلام منذ نهاية الأمبراطورية العثمانية، سيصبح العنف أقلّ بين المسلمين، وعلى الأرجح بين المسلمين وغير المسلمين. عندما كان هنري كيسينجر وزيراً للخارجية، قال ذات مرّة بغضب »إذا أردت التكلّم مع أوروبا، فأيّ رقم أطلب؟« المشلكة الإسلامية أشدّ خطورة حتى. إذا أردت التكلّم مع الإسلام، فهل تتّصل بالقاهرة أم الرياض أم طهران أم أنقره أم إسلام أباد أم جاكرتا؟ كلّ من هذه البلدان خيار منطقي لكن لا يستطيع أيّ منها التحدّث بكلام ذي معنى باسم الإسلام كمجموعة.
أخيراً وربما الأهم، تزامن صعود الإسلام من جديد مع ارتفاع معدّلات الولادة في معظم المجتمعات الإسلامية وتعزّز بفعل هذا الأمر الذي أنتج »فورة شابّة« بوجود أعداد كبيرة من الأشخاص الذين تراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والثلاثين. غالباً ما يكون الذكور في هذه الفئة من العمر قد أتمّوا تعليمهم الثانوي أو التقني أو العالي وعاطلين عن العمل في جزء كبير منهم، فيهاجرون إلى الغرب وينضمّون إلى منظّمات أصولية وأحزاب سياسية وإلى المجموعات الإسلامية المقاتلة والشبكات الإرهابية. الشبّان الذكور هم المرتكبون الأساسيون لأعمال العنف في كلّ المجتمعات، وهم موجودون بأعداد وفيرة جداً في المجتمعات الإسلامية. في المستقبل القريب، على الأرجح انّ العلاقات بين الإسلام والآخرين ستكون في أفضل الأحوال باردة وجافّة وفي أسوئها خِلافية وعنيفة.

الخيارات المتاحة أمام تركيا
في السياسة العالمية الجديدة
في الحرب الباردة، كانت مواقع البلدان في السياسة العالمية مستقرّة نسبياً كأعضاء في الكتلة السوفياتية أو »العالم الحرّ« الغربي أو العالم الثالث الذي كان يضمّ بلداناً أقلّ تقدّماً بكثير. ولم تكن البلدان تنتقل من مجموعة إلى أخرى سوى في حالات نادرة كما حصل مع الصين ومصر. علاوة على ذلك، وعقب أزمة الصواريخ الكوبية، التزم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بحذر بقواعد مهمّة إن لم يكن رسميّة تنظّم المنافسة في ما بينهما في وقت حاولت بلدان العالم الثالث التنافس على المساعدة الاقتصادية وغيرها من أشكال المساعدات عبر تأليب قوّة عظمى على الأخرى. في منتصف الثمانينات، كان نموذج العلاقات هذا قد أصبح ثابتاً وتركّزت العلاقات بين القوّتَين العظمَيين إلى حدّ كبير على التفاوض بشأن تفاصيل الاتفاقات المحتملة حول ضبط الأسلحة التي نادراً ما كان يتمّ توقيعها وتبقى في كلّ الحالات تقريباً بدون تصديق عليها.
السياسة العالمية الجديدة التي أطلقتها نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي مختلفة جداً. نظراً إلى الاختلافات في النفوذ والثقافة، التحالفات الوثيقة والمستمرّة نادرة (ثمّة استثناء لافت يتمثّل في النادي الإنكليزي المؤلّف من المملكة المتّحدة والولايات المتحدة وأوستراليا وأحياناً كندا). لكن في شكل عام، السياسة أقلّ قابلية للتوقّع، لا سيّما بوجود شبكة عالمية من الإسلاميين المتطرّفين الذين يستطيعون أن ينفّذوا ضربتهم في أيّ بلد تقريباً وفي أيّ وقت. في هيكلية النفوذ العالمية هذه، تدور العداوات على الأكثر بين بلدان من حضارات مختلفة وذات مستويات متقاربة من النفوذ. واحتمال تورّط البلدان الإسلامية في النزاعات أكبر منه لدى البلدان غير الإسلامية. وبالنسبة إلى تركيا، يطرح هذا الوضع العديد من التحدّيات والفرص. على الأرجح أنّها ستتبع مساراً حذراً وبراغماتياً في تعاملها مع البلدان الأخرى لكن من الممكن أن نحدّد على الأقل ثلاثة بدائل واسعة النطاق يمكن أن تساهم في صوغ السياسة التركية.
أولاً، هناك الخيار »الأوروبي« الذي تعتمده الحكومات التركية بدعم من النخب التركية منذ عقود. لا شكّ في أنّ العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي ستولّد منافع اقتصادية مهمّة لتركيا. ومن شأنها، كما قال جيسكار ديستان، أن تحدث تغييراً جذرياً في طبيعة ذلك الاتحاد وتقود على الأرجح إلى أشكال ومستويات مختلفة من العضويّة. ومن شأن تركّز النفوذ في بروكسل أن يحدّ كثيراً من حرية تركيا في التحرّك في المجال الاقتصادي وسواه من المجالات. وسيكون على تركيا أيضاً أن تتكيّف مع العضوية في نادٍ اعتبر كثر أنّها لا تنتمي إليه. وستنعدم قدرة تركيا على تنفيذ سياسة خارجية مستقلّة في الشرق الأوسط أو أيّ مكان آخر. في شكل عام، الاحتمال كبير جداً بأن ينتهي الأمر بتركيا في الاتحاد الأوروبي، لكن ليس منه، بحيث ستكون كياناً مسلماً كبيراً في مجموعة تحدّد نفسها أكثر فأكثر انطلاقاً من إرثها المسيحي. في العديد من البلدان الأوروبية، برز المزيد من الشكوك العامّة حول منافع الاتحاد ومستقبله، الأمر الذي انعكس في الجدل حول التصديق على مسودّة الدستور. ومن المحتمل جداً أن تنخفض مع مرور الوقت المنافع الصافية التي تحقّقها تركيا من عضويّتها في الاتحاد الأوروبي.
البديل الثاني هو الخيار »الإسلامي«. كما أشرت سابقاً، الإسلام في حالة فوضى وهو أشدّ انقساماً بكثير من أيّ حضارة أخرى وينتشر أكثر من سواه من الحضارات في مناطق متنوّعة جداً من العالم. لا يغذّي غياب دولة أو دولتين قياديّتَين معترف بهما عامةً في الإسلام الانقسامات الداخليّة والنزاعات الخارجية وحسب بل يحدّ أيضاً وفي شكل كبير من تأثير الإسلام في شؤون العالم. تشمل »ديناميكيّات السياسة العالمية« خمسة بلدان إسلامية بدون تركيا، لكن ليس لهذه البلدان الإسلامية المهمّة تأثير الدول القياديّة في الحضارات الأخرى. تتّفق الاقتراحات الأخيرة لإصلاح العضويّة الدائمة في مجلس الأمن على الرغبة في إضافة اليابان وألمانيا والهند والبرازيل. وتأتي أيضاً على ذكر جنوب أفريقيا كممثّلة محتملة عن أفريقيا. لكن من الممكن أن تؤدّي نيجيريا هذا الدور فتضيف على الأقلّ صوتاً مسلماً في جزء منه إلى العضوية الدائمة. لا شكّ في أنّ المليار ومئتين وخمسين مليون مسلم في العالم يستحقّون على الأقلّ عضواً دائماً في مجلس الأمن.
كما شرحت في كتابي عن »صِدام الحضارات«، وجود دولة قيادية في الإسلام أمر جيّد للإسلام وللعالم على حدّ سواء. ويبدو لي أنّ تركيا أنسب من غيرها لتأدية هذا الدور. لكنّ هذا الأمر يطرح مشكلتين. الأولى هي أنّ إرث أتاتورك يحدّد تركيا كدولة عصريّة وعلمانية وغربية (أي أوروبية). وضع أتاتورك مبادئه الستّة حول تركيا قبل ثلاثة أرباع القرن، ولا شكّ في أنّ الوقت حان لإعادة النظر في هذه الخطوط العريضة وربما تعديلها وتنقيحها. لست خبيراً في موضوع أتاتورك لكن بالاستناد إلى ما قرأته عنه، أظنّ أنه كان براغماتياً بعيد النظر وأنّه كان ليوافق على أنّ الوقت حان كي تعيد تركيا تحديد دورها في عالم القرن الحادي والعشرين المختلف جداً. في أميركا، نعيد باستمرار تفسير حكمة آبائنا المؤسّسين واشنطن وجيفرسون وهاملتون وأدامس وفرانكلين لتكييفها مع ظروف واقعنا المختلفة كلّ الاختلاف. ويبدو لي أنّ أتاتورك يتوقّع معاملة مماثلة ويستحقّها.
ثمّة عائق محتمل آخر إنمّا أقلّ جدّية أمام تولّي تركيا دوراً قيادياً في الإسلام. كان معظم جيران تركيا في مرحلة معيّنة جزءاً من الامبراطورية العثمانية، وكان على عدد كبير منهم، بما في ذلك العرب، النضال للحصول على استقلالهم. ما زال التاريخ يخلّف مخاوف لديهم، ويجب أن توضّح تركيا لهم أنّها لن تهدّد استقلالهم وأنّ أيّ قيادة تمارسها سترتكز على مشاورات مكثّفة مع الأطراف المعنيّين. إذا نجحت تركيا في ذلك فستكون في موقع جيّد يسمح لها بالحدّ من النزاعات بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين وسواهم.
أخيراً، هناك ما يمكن تسميته الخيار »القومي« لتركيا الذي يعني التخلّي عن الخيارين السابقين وعدم محاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو قيادة المسلمين. بدلاً من ذلك ستركّز تركيا على أمنها وتطوّرها. كما ذكرت، تقع تركيا في محيط خطر. ففي مرحلة ما في العقد المقبل، ستمتلك الدول الخمس الكبرى غير العربية في هذا المحيط إسرائيل وروسيا وإيران وباكستان والهند أسلحة نووية. ومن المحتمل أن تسير دولة عربية أو أكثر السعودية، مصر، سوريا، ليبيا، الجزائر في هذا الاتّجاه أيضاً. غالباً ما تظهر الدولة تساهلاً وعدم كفاية في ضبطها للأسلحة النووية، لذا من الممكن جداً وحتى من المرجّح أن تمتلك مجموعة إرهابية إسلامية متطرّفة أو أكثر التكنولوجيا أو حتى الأسلحة بذاتها من واحدة أو أكثر من هذه الدولة النووية من خلال السرقة أو القرار الواعي الصادر عن الحكومة أو الممارسات المارقة من قبل المسؤولين فيها لأسباب تجارية و/أو سياسية. في هذه الحالة، سيكون على تركيا أن تواجه حتماً السؤال الآتي: هل يجدر بها هي أيضاً امتلاك هذه الأسلحة؟ وللتصدّي أيضاً لهذه المخاطر، سينبغي على تركيا تعزيز علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومحاولة تكييف الحلف الاطلسي ليكون أكثر ملاءمة مع حاجاتها الأمنية.
طوال عقود، بقيت السياسات الخارجية والأمنية التركية مجمّدة في نمط من أنماط الحرب الباردة كان يخدم مصالح البلاد جيداً. لكن في هذه السياسة العالمية الجديدة، ليس أمام تركيا من خيار سوى التخلّي عن عقائد الماضي وتكييف سياساتها لمواجهة المخاطر والتحدّيات والأمور غير القابلة للتوقّع، وعدم الاستقرار وتعقيدات هذا العالم الجديد حيث تجد تركيا والولايات المتحدة والآخرون أنفسهم.
شكراً جزيلاً على إصغائكم بصبر لهذه الكلمة المتشائمة لكنّني آمل أن تكون أيضاً واقعيّة بطريقة بنّاءة.
صموئيل هنتنغتون
ترجمة نسرين ناضر
عن »النهار«
() محاضرة ألقيت بدعوة من مصرف AKBANK
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش