الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الكل مأزوم فمن يصمد في لعبة الأصابع ؟

ياسر الزعاترة

الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000.
عدد المقالات: 1809

لا شك أن جميع المحاور المتصارعة في المنطقة، تشعر بثقل وطأة الأزمة، فيما تبدو بعض محاور الوضع الدولي أكثر ارتياحا، وربما جنيا للمكاسب، طبعا إلى جانب الكيان الصهيوني الذي لم يكن يتخيل في أجمل أحلامه أن يحصل على هذا الحريق الذي طال الكل إلاه، وإن بدا خائفا مرتبكا من تداعياته التي يصعب الجزم بطبيعتها، فضلا عن حقيقة أن الصراع معه سيبقى مركزيا في الأمة، حتى لو جرى تهميشه لبعض الوقت، الأمر الذي سيتغير في حال تواصلت الانتفاضة وتصاعدت.
وإذا لخصنا المحاور المتصارعة في أهمها ممثلة في إيران وتركيا والسعودية ومعها بعض دول الخليج، إلى جانب روسيا التي دخلت على الخط، فإنها جميعا مأزومة بما يجري، من دون أن ننسى بالطبع الشعوب والدول التي أصابها الحريق الذي أشعلته إيران، وهي العراق وسوريا واليمن، وانضم إليها لبنان أيضا.
في المنطقة أزمات أخرى دون شك، كما هي الحال في مصر أو ليبيا، لكنها ليست جزءا أساسيا من الصراع الرئيس ممثلا في الحرب الساخنة بين المشروع الإيراني وبين من يتصدون له في المنطقة.
واللافت أن عنصرا بالغ الأهمية قد دخل على خط زيادة التأزم لكل المحاور المذكورة، وهو المتمثل في تدهور أسعار النفط، والذي لم يعد بالإمكان لجمه بشكل واقعي، فيما لا يُستبعد أن يواصل التدهور، لا سيما أن أكثر المحاور المذكورة تعتمد عليه بشكل كبير كمصدر أساسي للدخل، وفي مقدمتها روسيا وإيران والسعودية والخليج.
وخلافا لما تحاول الإيحاء به، ورغم عوائد رفع العقوبات، فإن إيران في أزمة كبيرة، ولم يزدها التدخل الروسي في سوريا إلا تأزما، وإن أثمر تقدما على الصعيد الميداني، لأن مخاوفها من التهديد الروسي لنفوذها في سوريا لا يخفى على أحد، لكن النزيف يبدو أكبر مما يمكن أن يتخيله البعض، فهي تدفع كلفة حربين كاملتين، في سوريا واليمن، وهي دخلت في مزاج عداء شامل مع غالبية الأمة الإسلامية، أقله في الإطار الشعبي، وهذا أمر لا يمكن تجاهله تداعياته.
إلى النزيف المالي والبشري، هناك مخاوف الأمن الداخلي في ظل حراك داخلي لا يخفى من قبل الأقليات، وإن جرى لجم أكثره بقوة الأمن، لكن التهديد يبقى قائما، أما الهاجس الأكبر الذي يسيطر على عقل المحافظين حاليا، فهو الداخلي ممثلا في صراعهم مع الإصلاحيين، وخوفهم من نجاح استراتيجية واشنطن في الحرب الناعمة الداخلية التي تؤدي إلى صعود الإصلاحيين على حسابهم بعد اتفاق النووي.
والمشكلة أن آفاق الانتصار في الصراعات المذكورة ليست كبيرة، فإذا كان بالإمكان الحديث عن بقايا نفوذ في سوريا في أحسن الأحوال، لأن الوضع لن يعود إلى ما كان عليه بأي حال، فإن الأفق شبه مسدود في اليمن، أما العراق فإن الوضع سيتغير فيه نسبيا على نحو لن يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل 2010، مع أنه لن يستقر من دون تسوية، والعالم الذي يساعد الجيش والحكومة هناك لن يقبل هذه المرة بإعادة البلد للهيمنة الإيرانية الكاملة.
روسيا أيضا في أزمة، فمخاوف التداعيات الداخية وفي المحيط الإسلامي تهيمن عليها، والوضع الاقتصادي الصعب لا يسمح بنزيف طويل في سوريا، وهي تدرك أنهم في أمريكا والغرب يريدون ذلك، ويرتاحون إليه، وستتواصل سياسة الباب الموارب في سوريا لإطالة النزيف بالسماح بتحسين شروط دعم الثوار. ودليل الأزمة أن 3 شهور من التدخل، لم تغير سوى القليل في موازين القوى على الأرض.
السعودية والخليج في حالة تأزم أيضا، فالحرب في اليمن طالت، وكلفتها عالية، وعوائد النفط تراجعت بشكل مذهل، ودعم الثورة السورية ضرورة لا مناص منها، مع ضرورة التنويه إلى أن إمكانية الصمود لفترة أطول تبدو متوافرة، ولكنها ليست سهلة.
تركيا في حالة تأزم أيضا، بخاصة بعد الأزمة الكبيرة مع روسيا، والتي لا يمكن إنكار تداعياتها الاقتصادية، وهناك أزمة اللاجئين السوريين الصعبة، بل بالغة الصعوبة، ويُضاف إلى ذلك حالة التأزم الداخلية المكلفة مع الأكراد.
من مصلحة الجميع والحالة هذه أن يكون هناك حل، لكن السؤال يبقى متعلقا بطبيعته، وأي تنازلات ينبغي لكل طرف أن يقدمها؟ والحق أن المعتدي هو الذي ينبغي أن يقدم التنازل الأكبر، والمعتدي هنا هي إيران في سوريا واليمن، وقبل ذلك في العراق، والآخرون جاهزون لقبول صفقة متوازنة، إذ يمكن يمكن أن يكون لمن تدعي الحرص عليهم دور أول في العراق، وسيكون لهم وضع مناسب في اليمن وسوريا ولبنان ضمن معادلة عادلة للطوائف والمذاهب، أما إذا اعتقدت أنها ستضمن هيمنة الأغلبية في العراق مع هيمنة الأقلية في سوريا واليمن، فلن يعني ذلك غير استمرار النزيف إلى أمد لا يعرف مداه، وأي انتصارات آنية لن تغير الكثير، لأن الغالبية لن تستكين بحال مهما كان الثمن.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش