الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الناس والسياسة: جردة حساب خطابات الثقة: ارتقاء في مستوى تشخيص المشاكل، وغياب للحلول البديلة!

تم نشره في الخميس 21 تموز / يوليو 2005. 03:00 مـساءً
الناس والسياسة: جردة حساب خطابات الثقة: ارتقاء في مستوى تشخيص المشاكل، وغياب للحلول البديلة!

 

 
* تطور محلوظ في الخطاب النيابي من حيث تشخيص المشاكل الاقتصادية ونقد مباشر للاوضاع الخاصة بالحريات العامة ومكافحة الفساد وتحميل الحكومة مسؤولية هذا التراجع
* تعرضت الحكومة الى نقد مبني على ثلاثة محاور: غياب البرامج ورفع اسعار المشتقات النفطية والارتباك في العلاقة مع »النواب«
- باتر محمد علي وردم
من المتوقع ان يصل ماراثون خطابات جلسة الثقة إلى نهايته اليوم، حيث يتم التصويت على الثقة للحكومة، وهي العملية النهائية لجلسة الثقة والتي تعتبرها الحكومة بيت القصيد. لقد كانت هناك مستويات عالية من التوقعات والأمل في أوساط الناس وكذلك الاعلاميين والسياسيين في أن تكون جلسات مناقشة البيان الوزاري فرصة مناسبة لمراجعة وتحليل البرنامج الحكومي ومجمل السياسات العامة للحكومة الاردنية، وتقديم بدائل وحلول منطقية ومعتمدة على الخصائص السياسية والاقتصادية والتنموية للاردن، ولكن النتيجة لم تكن على مستوى التوقعات.
وكما هو متوقع فقد تعرضت الحكومة إلى نقد شديد من النواب. نسبة عالية من هذا النقد لم تكن مرتبطة بالحكومة الحالية بل متوارثة من أداء عدة حكومات، وخاصة السياسات الاقتصادية الليبرالية والمتهمة بايصال الوضع الاقتصادي للمواطنين إلى حالة سلبية، بالرغم من زيادة نسبة مؤشرات النمو الاقتصادي العام للدولة. ولكن الحكومة تعرضت إلى نقد خاص بها، مبني على ثلاثة محاور رئيسية هي: غياب البرامج والخطط الملموسة عن البيان الوزاري، ورفع أسعار المشتقات النفطية والارتباك في علاقة الحكومة مع مجلس النواب، وقد تكررت هذه المحاور من النقد في الغالبية العظمى من خطابات النواب.
والواقع أن دراسة متأنية لمضمون خطابات السادة النواب منذ يوم الاحد وحتى مساء الثلاثاء، والمنشورة في الصحف اليومية تعطي انطباعا بوجود تطور نوعي ملحوظ في مستوى تشخيص المشاكل الاقتصادية في الاردن والتي تسببت بها سياسات الحكومات السابقة منذ منتصف التسعينات، كما كان هناك نقد مباشر للاوضاع الخاصة بالحريات العامة ومكافحة الفساد وتحميل الحكومة مسؤولية هذا التراجع. وبدا واضحا أن فهما مشتركا بدأ ينشأ في مجلس النواب لمخاطر السياسات الاقتصادية الانفتاحية على فئات عديدة في المجتمع الاردني، كما أن هناك لغة مشتركة في التحذير من مخاطر الفساد، والمطالبة بالتركيز على الفئات المهمشة من أصحاب الدخل المنخفض. وحتى في حال كان هذا الكلام لاستهلاك الناخبين كما يدعي البعض، فإن مستوى التشخيص للواقع السياسي والاقتصادي قد ارتفع، وتكفي مقارنة ما بين خطابات النواب في الدورة الثالثة والدورة الاولى لمعرفة الفرق. ولكن إذا كان الامر قد تطلب ثلاث سنوات لرفع سوية تشخيص المشاكل، فكم نحتاج إلى الوقت حتى يتسنى لمجلس النواب امتلاك القدرة على تقديم سياسات وحلول وبرامج بديلة يمكن أن تنافس خيارات الحكومة من ناحية علمية دقيقة؟
لقد انتقد كل النواب خلو بيان الحكومة من برامج وحلول وآليات تنفيذية مرتبطة بأهداف منظمة زمنيا، وأكد النواب أنه من الصعب تقييم أداء الحكومة بدون وجود معايير وبرامج وآليات يمكن متابعتها. وكما قلنا في مقالة سابقة، فإن سوء طالع الحكومة الحالية كان يتمثل في أن البرامج والاليات الوطنية التي ستنشأ عن الاجندة الوطنية ستكون هي البرامج الفعلية التي ستطبقها الحكومة، وعلى افتراض رغبة الحكومة في عدم »طبخ« برامج سيتم تغييرها، فإن غياب البرامج كان سببه الرئيسي انتظار مخرجات الاجندة الوطنية.
ولكن غياب البرامج والاليات عن البيان الوزاري كان يجب أن يشكل فرصة للكتل البرلمانية لتقديم آلياتها وبرامجها الخاصة، وهذا ما لم يتم استثماره بكل أسف. ومما يزيد في أهمية هذه الفرصة، أن لجان الاجندة الوطنية لا تشهد تمثيلا مؤثرا لمجلس النواب، وكان يمكن للنواب بذل جهد علمي وبحثي لتطوير أفكار وآليات خاصة بهم وبكتلهم البرلمانية لتقديم البدائل عن برامج الحكومة، الغائبة أصلا عن البيان الوزاري! معظم النواب انتقدوا غياب الاحصائيات الخاصة بالفقر والبطالة عن البيان الوزاري، وهذا ما يجعل من الصعب تقييم البيان من وجهة نظرهم. ولكن المعلومات والاحصائيات الخاصة بالفقر والبطالة وكل المؤشرات الاقتصادية موجودة في دائرة الاحصاءات العامة وفي كل الوزارات، ويمكن لكل نائب الحصول عليها ودراستها علميا وتقديم البدائل عن سياسات الحكومة.
وعلى سبيل المثال، فإن القضية المحورية حاليا هي رفع أسعار المشتقات النفطية، وكل النواب أجمعوا على أن هذا القرار لم يكن مدروسا وأنه جاء مستعجلا وتوجد بدائل عنه، ولكن القليل جدا من النواب من حاول التفكير بتقديم بدائل في خطابه. أن تعديل قرار رفع أسعار المشتقات النفطية يتطلب تقديم بدائل حول رفد خزينة الدولة بمبالغ مالية إضافية للتخفيف من الحاجة إلى رفع أسعار النفط، وكذلك التفكير ببدائل وقرارات تحمي الفئات الفقيرة وتوجه رفع الاسعار إلى القطاعات الغنية والقادرة على تحمل التكاليف.
وفي هذا السياق كانت أفكار النواب محدودة. وباستثناء الحديث المتكرر عن ضرورة مكافحة الفساد- ربما بالتخفيف من لوائح تعيينات الفئة الرابعة المقدمة من السادة النواب أنفسهم أو تعيين الاقارب والابناء في مؤسسات الدولة- لم تنشأ أفكار قابلة للتطبيق الا الطلب من الحكومة تطوير وسائل لجني مبالغ مالية لدعم الخزينة من أكبر ساحتين للمال في الاردن وهما تداولات سوق عمان المالي وبيع الاراضي والعقارات، وهي عمليات بمليارات الدنانير لا تدخل في خزينة الدولة أية نسب مؤثرة منها ومن المهم جدا أن تساهم هذه الحركات المالية الهائلة في دولاب التنمية الوطنية.
أما في مجالات سياسات الطاقة وترشيد الاستهلاك وتحديد الدعم لمستحقيه، لم يقدم النواب أية أفكار عملية باستثناء المطالبة بالتنقيب عن الصخر الزيتي، حتى أن مصطلحات مثل أنواع الطاقة المتجددة والتحول إلى الغاز الطبيعي وترشيد استهلاك الطاقة لم تظهر أبدا في خطابات النواب. وكان من المثير للاهتمام أن بعض النواب اتهموا الحكومة بأنها هي السبب في توقف الدعم النفطي للاردن، علما بأن توقف هذه المنح يعود بشكل أساسي إلى أخطاء من الحكومة السابقة- في حالة الكويت- وبعض الحسابات السياسية العربية الخاصة في مناخ التعاون العربي بين الاشقاء ولا يوجد للحكومة الحالية ذنب في هذه القضية بالذات!
وكان السادة النواب دقيقين أيضا في عمليات التشخيص لسوء السياسات الاقتصادية، ومنها عدم القدرة على ضبط ارتفاع أسعار مواد أساسية غير نفطية، وعدم استثمار أموال التخاصية في مشاريع ومبادرات تخدم المجتمع وتساهم في مواجهة الفقر والبطالة، وتخفيض أسعار السيارات ذات المحركات الكبيرة والذي اتخذته الحكومة السابقة، ولكن أيضا لم يتمكن السادة النواب من قطع الخطوة الحاسمة ما بين التشخيص الدقيق لواقع الحال، وتطوير آليات وأفكار وحلول بديلة وعملية.
نتمنى من أمانة مجلس النواب أن تجمع كل المبادرات والافكار العملية التي تقدم بها النواب على قلتها، في وثيقة تمثل رأي مجلس النواب في مجمل السياسات والبرامج العملية في قطاعات التنمية الاقتصادية والتنمية السياسية، وهذا ما سيجعل من خطاب النواب مركزا على الابعاد العملية وتقديم بدائل وحلول ولا يقع في فخ الانشاء الذي يتم اتهام الحكومة به حاليا.
اذا لم تحدث مفاجآت، فإن الرئيس بدران سوف يتلقى التهاني مساء اليوم بثقة متوسطة المجموع لا تتجاوز 75 صوتا، تبقي الحكومة في حالة ترقب دائم لكل تطورات العملية السياسية والاقتصادية الداخلية، وفي انتظار مقلق لنتائج الاجندة الوطنية والتغيرات الاقتصادية المقبلة. ولكن نؤكد مرة أخرى بأن مجلس النواب الذي نقدر له ارتقاء مستوى خطابه النقدي التشخيصي بحاجة ماسة إلى العمل المنهجي لتقديم البدائل والحلول العملية والبرامج التنفيذية المبنية على نقاط الضعف في الاداء الحكومي في السنوات الماضية ولا يكتفي بمجرد النقد الانشائي للبيانات الانشائية!
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش