الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غصن..

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000. 02:00 مـساءً

حليمة الدرباشي *

بعد أن أتممت ضبط إيقاع لوحة المفاتيح في جهاز المحول خاصتي، وبعد أن تجرعت القهوة بالحليب، مضيت في الكتابة...
ذات مساء وقع في قلبي غصن، متنه قوي، عروقه بادية بالظهور الخفيف، يتفرع منه عوالم متعددة الألوان، وله رائحة العاشق المخذول، فقد تعلم قلبي تمييز الروائح، فقط الروائح! حيث أن الأشياء، الأشخاص، والحوادث، لكل منها روائح متعددة، تفوح منها ولا يمكن السيطرة عليها، فمن الممكن أن تكذب أو تسرق أو أن تتجمل وتخفي كل عيوبك، لكنك بالتأكيد ليس بامكانك أن تَبعثَ منك الرائحة التي تريد، فالرائحة حرة قوية وقد تكون نفاثة أيضًا...
المهم.. أن ذلك الغصن الأربعيني أو الثمانيني أو ربما العشريني وقع في قلبي وخدش بُطينه الأيمن خدشًا خفيفًا أتاح لشعيراته الدقيقة أن تنمو فيه، وتنمو وتنمو، إلى أن أصبح له ساق شامخة، وجذور مَهيبة، وغصون صغيرة يافعة، وحيث أنها بدأت تضايق ناصية قلبي، قررت أن أقلمها، وأن أنزع من كل واحدة منها ثلاث عقد، وأجمعها وأشعلها في مدفئة قلبي، فقد كنّا صغارًا عندما كانت تأتي عمتي الكبرى لتقليم دالية بيتنا التي هي في قلبه أيضًا، كنت أتألم في كل مرة كان يعض فيها المقص على غصنها، الآن فهمت أهمية التقليم، وعرفت أنه كان لا بد منه!.
أعود إلى قلبي.. قلبي الذي أصبح مرتعًا للغصن إياه، فقد راح ينفرد أفقيًا وعموديًا، ويترترع وينمو ويكبر، فتراه حينًا في البُطين الأيسر، وتارة في الأُذين الأيمن، وحيث أن للبُطينين أهمية تفوق الأُذينين، فهما المسؤولان عن ضخ الدم إلى الشرايين، فقد تربع فيهما، ونثر في أرجائهما ذكرياته وأحلامه وأمنياته ورجاءاته الكثيرات، وأخذ يعلق صورته قبل عشر سنين هنا، ويبني رفوفًا ليسند عليها همومه هناك، ويمخر عباب قلبي بقصيدة قديمة شراعها مصنوع من قلم «باركر» ثمين، ووشاح وردي سُلب من عنق فتاة ذات مرة، ويروح ويجيء في لجة الليل وضوء الصباح، حتى أنشأ مستعمرته، وسوّرها بالقرنفل.
لا بد أن مطرحي في ذلك القلب آخذ بالانكماش، حتى أنه لم يعد يتضح على خارطة قلبي، عندها أيقنت أن قلبي لم يعد لي، فتركته ورحت أجري في حقول الغيب...

* أديبة من الأردن

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش