الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شاعريّة الحنين في «وجع الهديل» لسرحان النمري

تم نشره في الخميس 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 09:08 مـساءً
د. عماد الضمور *

يحملنا ديوان «وجع الهديل» للشاعر الأردني سرحان النمري إلى أشواق الشاعر المهجري لوطنه العربي الكبير، والأردن قلبه النابض بالحياة، فأيّ وجع ذلك الذي جعل الهديل يبعث ألماً، وحزناً؟ وأيّ وجع هذا الذي تمنحه الحياة للحمام؟ وأيّ وجع ومنطق يحكم إضافة الوجع للهديل؟.
سرحان النمري صوت مهجري يحن للوطن العربي بأسره، فشوقه يصل إلى الخليل ويعانق العراق دون أن ينسى مسقط رأسه عجلون، حنين ممزوج بألم وحلم مكمم بالحزن، لما آل إليه حاله كما في قوله ( ص 10 ـ 11):

يا راصد الحدودْ
يا جاحداً حَقودْ
كلّ اللذينَ هاجَروا
عَادوا وَلن أعودْ
عادوا وَلن أعودْ
لعلّ محبة الوطن والحنين إليه واضحة، في ديوان» وجع الهديل» ممّا سمح ببعث عواطف الشاعر وارتداده إلى جذوره التي يعتز بها جاعلاً منها قوة باعثة للحياة، لما يبعثه ابتعاد الشاعر عن وطنه من حنين حاد ومؤرق يزخر بحبّ نبيل تشعله أحداث الحياة القاسية.
الشاعر أسير غربته وحبيس أحزانه، بعدما أوقدت الغربة وجده، وغلفت شعره سحابة من الحزن واليأس والإحباط إمعاناً بفقدان الهديل لفاعليته وطغيان الوجع وانتشاره بفعل الغربة، فكيف يمكن قراءة العنوان جماليّاً؟.
عند تفكيك العنوان، نجد أن كلمة( وجع) تشكّل بؤرة مركزيّة في قصائد الديوان بوصفها تعبيراً عن مكنون نفسي ذي وقع لا يمكن تجاوزه، لكن صدمة التلقي تبدو واضحة بإضافة الوجع إلى كلمة ( الهديل) وهو صوت الحمام رمز الحبّ والسلام، ممّا يصعّد من حالة التلقي، وتجعلها أكثر بحثاً عن إيجاد موائمة معنوية تحمل هذا التركيب اللغوي الصادم للفكر الباعث للوجدان.
لا تلبث هذه الصدمة الطارئة أن تتلاشى تدريجياً مع البدء بقراءة قصائد الديوان، لما يلمسه المتلقي من حالة نزف وجداني، وحزن مقيم نتيجة غربة قاتلة يحياها الشاعر.
يقوم عنوان «وجع الهديل» على تضاد لغوي فضلاً عن انزياح إضافي؛ فالوجع يتعرّف بالمضاف إليه ( الهديل) ليغدو من لوازم الهديل متخليّاً عن دلالته المعجمية تعبيراً عن فقدان الهديل لفاعليته.
إنّ ديوان «وجع الهديل» صرخة مدويّة في فضاء الشعر، عميقة الجذور؛ لفداحة أثر الغربة وشدة فتكها بالروح والجسد معاً، فبقدر وجود الوجع وانتشاره في الجسد الحيّ، فإنّه عندما يرتبط بالهديل يرصد انتكاسة الكينونة وانسحابها من الوجود، ليحلّ الحزن بوصفه نشيد الموت وعنوان الضياع.
لقد وفّر سرحان النمري من خلال عنوانه فاعلية نصيّة عالية للمتلقي فضلاً عن الوظيفة الشعريّة وهيمنتها من خلال انزياح إضافي يُضفي لحالة عشقيّة لوطن لا يكاد يُفارق وجدان الشاعر وخياله؛ ليلوذ بالفضاء الجمالي، ممّا جعل عنوانات الشاعر لقصائده تتسم بالحداثة ، وتفيض بالوجد الصادق.
لعلّ الوجد الصادق للوطن الذي يبعثه الديوان جعل الصور الشعريّة تتفجّر شوقاً له، وسمح بحدوث انزياحات لغوية تقود إلى عناق أبدي لوطن لا يفارقه، كما في قصيدة (زائرة المساء) التي يقول فيها( ص13):
أرْوي رِمالَ الفؤاد الضّامئاتِ ولا
تُروى الرّمالُ بِنَزْفِ العِشْقِ والسّمَرِ
قَسَتْ عَليّ الغَوالي غَيْرَ حَانيةٍ
وَحْدي أُسامِرُ ليلي، لَيْلَ مُنْكَسِرِ
يا نَجْمَةً في مساءِ الرّوحِ هَائَِمةً
ألسْتِ وَعْداً وخَطُّ البدءِ في القدرِ
هذا الشوق المؤجج للوطن أسهم في إنتاج( رسائل مؤجلة) تُرسخ قيم الحبّ النبيل، وتذكي لوعة العشق المعتق، وكأنّ الشاعر يخط في رسائله من فيض وجده الصادق كلمات حبّ لا ينتهي، حيث يقول( ص17 ـ 18):
تربّعي فوق عرشِ القلب وانسحبي
في الروح حتّى نُواري الخوف والقَلقا
طغى الصدودُ، طريقَ الخائبينَ فما
كان التسامح ُإلا دينَ مَنْ صَدقا
مَنْ فات عشقاً سيُمضي العُمرَ في أسفٍ
خدُّ الحبيبِ بدمعِ العين قَدْ شَرِقا
إنْ تقرأي رُسُلي لولاكِ مَا كُتَبتُ
وما لِساني بغير الصدقِ قد نَطَقِا
لا يمكن إنكار تأثيرات المكان الوجدانية، وانبعاثاته في شعر سرحان النمري وهذه سمة تكاد تلازم الشعر المهجري بشكل عام، فهو يعكس إحساساً عاطفياً يجسّد الحنين إلى المكان، ويبعث عواطف المبدع تجاه وطنه.
لعلّ الألم والحزن لفراق الوطن هو رفيق الشاعر في ديوانه، فكانت الطبيعة ملاذ الشاعر في قصائده لبث رؤيته الفكرية، واستقاء صوره الفنية، كما في قوله في قصيدة( أقسم أنك القمر) ( ص 63):
دنتْ شمسُ الأصيلِ
وقد خلى القنديلُ من زيتِ الهوى
فتهيَّئي للّيل إن لم تبرحي هذا السكونَ
وتمنحي القلبين إكسيرَ الحنينِ
فإننا حتماً سنمضي للهلاكِ،
مصيرُنا الحُفَرُ
تتميّز عنوانات قصائد الديوان الداخلية بتوافقها الفكري والانفعالي مع عنوان الديوان الرئيس» وجع الهديل» فكلها وجع يبعثه الحنين لوطن لا يغيب عن فكره وخياله.
نقرأ في قصيدة «جرح الغياب» حزناً عميقاً يبعثه شوق نبيل لوطن مقدس، فكأنما الغياب أصبح جسداً لعظمة شأنه، وشدة وقعه في نفسه، ممّا أحدث جرحاً عميقاً في هذا الجسد العظيم.
إنّها المشاعر والتجربة الحياتية القاسية التي تشكّل اللغة في قوالب فنية مناسبة مما سمح بحدوث انزياحات لغوية غير مألوفة في اللغة المعجمية، لكنها مقبولة ومذهلة في اللغة الإبداعية التي تجعل المتلقي أكثر قرباً من وجدان الشاعر وأشواقه، حيث يقول( ص 65ـ 66):
يا خَازنَ الدَنِّ هاتَ الكأسَ واملأها
وغيّب الروحَ في الأحزان والكمدِ
داوي جُروحي فقد حنّت لفاتحها
عُذري بأني خَلُّي الصبرِ والجَلَدِ
عَنيدةٌ غُربتي بالويل أعبُرُها
وضَيْعتي في تنائي الأهلِ والبلدِ
تنعدم أفراح الشاعر في غربته، حتى العيد يتحوّل إلى مصدر حزن وألم، إنّه البعد عن الوطن، يفعل ما يفعل في الجسد ويسلب الروح قدرتها على الحياة، ممّا يؤجج المشاعر، ويلغي الأحلام، ويجعل الشاعر يعيش في ظلام مقيم، كما في قصيدته( العيد) التي يقول فيها(ص91):
لا العيدُ عيدُ ولا الأفراح أفراحُ
والعيدُ بالقهرِ للمحرومِ فَضّاحُ
ليلي كوابيسُ أحلامٍ مُشَفَّرةٍ
وغربتي نفقٌ ما فيه مصباحُ
تناسلت محنتي واشتدَّ ساعدها
سِجنٌ وأسوارهُ قيدٌ ومفتاحُ
وفي تراجُع أحبابٍ يطيبُ لهُمُ
ذَبحي بنُكرانِهم والهجْرُ ذَبّاحُ
هو الوجع خلاصة تجربة الشاعر في حياته، وبؤرة أفكاره في قصائده، ممّا أحال هذه الكلمة إلى نشيد خالد أطلقه الشاعر في فضاء الغربة باعثاً الأشجان في كلّ ممن يسمعه.
إنّ عشق الشاعر للأردن عشق معتّق ووجد صادق يعكس فيض مشاعر جياشة لوطن لا يغيب عن وجدانه، وهذا يذكرنا بشعراء أردنيين مهجريين لا يمكن إنكار ثراء تجربتهم الشعريّة من الناحيتين الفكرية والفنية، من أمثال حسن بكر العزازي الذي تغنى في ديوانه» عيون سلمى» بعمان واستحضرها أنثى ملهمة، كذلك الشاعر عيسى قنصل الذي استحضر مادبا في أشعره بإرثها الخالد، ولا ننسى الشاعر عيسى بطارسة وعدنان الشبول ، وأمجد ناصر، وغيرهم من أبناء الوطن الذين هاجروا إلى بقاع شتى من العالم سنين طويلة لكنهم احتفظوا بالوطن في قلوبهم فكان فيض شعر خالد.
وهذا يحتم على الجهات الرسمية والخاصة المعنية بالشأن الثقافي ضرورة الالتفات للأدب الأردني في المهجر، وإنشاء رابطة لهم تُعنى بإبداعهم وترصد كتاباتهم وتحتضنهم بكلّ حبّ، يوازي حنينهم وشوقهم للوطن.

* أكاديمي وناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش