الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الهونة» قرية .. بلا مدرسة أومركز صحي .. ومياهها من نبع يتشارك فيه أهلها مع الدواب

تم نشره في السبت 29 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 مـساءً
«الهونة» قرية .. بلا مدرسة أومركز صحي .. ومياهها من نبع يتشارك فيه أهلها مع الدواب

 

* جرش - حسني العتوم



لا ادري اذا كان اسم اكتشاف يصلح ان يطلق على قرية الهونة وقاطنيها ، فهي الاقرب الى مشهد يعود الى الوراء لاكثر من نصف قرن على الاقل ، واذا اردت ان ترى مشهدا متكاملا من الفه الى يائه عن طبيعة المكان وطبائع ساكنيه وعاداتهم وحياتهم اليومية فما عليك الا ان تشد الرحال من مدينة جرش مستقلا سيارتك متجاوزا مخيم جرش وقرى دبين والمجدل والجزازة وهمتا وعليمون ومن ثم بلدة برما مركز القضاء تم تتجاوز ذلك عبر الشارع باتجاه قرى الخشيبات المطلة على دير علا وقبل وصولك الى هذا التجمع السكاني الكبير بنحو 5 كم عليك ان تنعطف يمينا عبر مساحة منفرجة قليلا بين جبلين وتواصل مسيرك عبر شارع زراعي ضيق لينتهي بك المسير الى شارع ترابي بعده تطالعك قرية الهونة وادعو الله سبحانه ان يهون على اهلها لما يواجهونه من ضنك الحياة وفقدان الخدمات الاساسية عندهم .

قطعنا تلك المسافة وكان برفقتي كل من رئيس بلدية برما الاستاذ المحامي عقاب البرماوي ومدير مركز تنمية المجتمع المحلي السيد مروان الشبلي ولاول وهلة تطالعك اجواء القرية بسحر طبيعتها فمزارع الزيتون تحيط بك من كل جانب وهناك اساسات لمشاريع بيوت بلاستيكية و"صيرة"للاغنام ما ينبيك ان القاطنين فيها هم مزارعون احترفوا مهنة الزراعة ابا عن جد .

وعلى يمين الشارع الترابي المؤدي الى القرية وبين ازقة المباني السكنية تطالعك اشجار الصبار او الصبر وكأن هذه الشجرة صارت رمزا لاهل القرية وعنوانا لصبرهم وصمودهم في هذا المكان الذي نؤكد على افتقاره لادنى الخدمات اذا ما تجاوزنا سلك الكهرباء .

دخلنا بين المنازل والتقينا عددا من القاطنين هناك ومنهم مفلح عبدالله حسن ابو عبدالله وام زيد وعقله الحسن العفيف وعليان محمد احمد الراجحي وغيرهم تحدثنا اليهم وتحدثوا بكل بساطة تمليها عليهم طبيعة الانسان الريفي .

وبدأنا المشوار والحديث فكانت البداية بالمياه :

فقالوا ان مواسير السلطة موجودة من حيث الشكل لكنها صدئة ولا تعمل وربما تمر بها المياه مرتين في العام فاضطروا الى شراء برابيش ومدها من عين الحايك الواقعة قبالة القرية من الجهة الغربية وخزاناتهم عبارة عن سلسلة طويلة من الجالونات تجدها امام كل بيت .

وتابعنا المسير الى راس النبع وهناك وجدنا ما يشبه الخزان الاسمنتي تنساب منه قناة مياه مكشوفة تشرب منها الدواب والخنازير البرية كما يروي اهل القرية ويتفرع من هذه القناة قناة اخرى تصل الى حافة البربيش الناقل للمياه الى وسط القرية .

وعندما سألناهم عن مدى سلامة هذه المياه للشرب قالوا "المهم ان نحصل على الماء ونشرب وتشرب معنا الدواب والطيور .. ليس مهما فكل ما هو مهم ان نجد الماء ".

سالنا عن المدرسة فقالوا لا يوجد لدينا مدرسة والاطفال يذهبون الى المدارس القريبة من القرية والتي تبعد ما بين 3 - 5 كم سيرا على الاقدام ذهابا وايابا وليس غريبا ان يتعرض الاطفال في رحلتي الذهاب والاياب الى مواجهة الكلاب الضالة او الخنازير او حتى الضباع واشاروا الى مشاهدتهم لحيوانات مفترسة اكثر من مرة في المنطقة .

اما المركز الصحي فلهم معه قصة اخرى فالامر لا يتعلق بعدم وجود مركز صحي ولو اولي في قريتهم لكن المريض منهم يحتاج الى ان يقطع مسافة 9 كم سيرا على الاقدام ليصل اليه ان لم يجد سيارة تنقله مثلما عليه ان يقطع نفس المسافة في رحلة العودة الى منزله .

هم لا يطلبون اكثر من غرفتين تستخدمان كمدرسة للاطفال الصغار للاول والثاني والثالث الاساسي وربما وجود مركبة كفيلة بحل المشكلة من اصلها تعين هؤلاء الاطفال الذين يقطعون تلك المسافة ذهابا وايابا في البرد القارص او تحت اشعة الشمس الحارقة صيفا ، وكل شئ يهون كما يقولون لكن المسألة تغدو كبيرة عندما يصل هؤلاء الابناء الى نهاية المرحلة الثانوية وتغدو المسألة اصعب بالنسبة للاناث لعدم توفر المواصلات التي تخدمهم في الوصول الى العالم الاخر من الجامعات .

وكان الطفل عدي في الصف الثالث الاساسي ممن رافقنا في الجولة ، وقال علي : كل يوم اقطع مسافة 5كم للوصول الى قرية المنصورة حيث مدرستي هناك . وتحدث عن معاناته في رحلتي الذهاب والاياب فقال : ان الطريق وما يحيط بها من طبيعة برية مليئة بالافاعي والقوارض وقد اعتدنا على مشاهدة هذه الافات ولكن لا سبيل امامنا الا التعامل معها .

وقالت ام زيد ولها ولدان يدرسان في مدارس القرى المجاورة ان معاناتنا كبيرة ، حيث لا خدمات صحية ولا تعليمية ولا حتى شوارع معبدة وكل يومنا نعيشه في معاناة تتلوها معاناة . وقالت اننا ولعدم وصول المياه الى منازلنا اضطررنا الى مد خط بلاستيكي من عين"الحايك"ونقوم بملء المياه بالجركانات ونستخدمها لغايات الشرب والطهي وسقاية الماشية . ويرى اهل القرية ان كثيرين من ابناء القرية اضطروا الى تركها والرحيل منها طلبا لتعليم ابنائهم وبحثا عن توفر الخدمات ، مؤكدين ان القرية لو حظيت بالخدمات لكان عدد سكانها اضعافا مضاعفة للسكان الحاليين الذي يتجاوز عدده مئتي نسمة ، واشاروا الى ان جميع ابناء القرية يعملون في الزراعة والوظائف الحكومية ، ولفت احد المزارعين الى قيامه بتقطيع الزيتون في هذه الاونة لسببين الاول شح مياه النبع والثاني العمل على استبدال الشجر القائم بنوعية اخرى .

يعتبر اهل القرية ان ابرز مصادر دخلهم ياتى من اعمال الزراعة اضافة الى المعونات النقدية المتكررة وطرود الخير الهاشمية.

واوضح مدير مركز تنمية المجتمع المحلي مروان الشبلي في قضاء برما ان القرية من اشد المناطق فقرا ولذلك فان غالبية المساعدات توجه الى هذه الاسر واشار ان المعيق الذي يحول دون استفاده القاطنين في هذه المنطقة من المساعدات هو عدم توفر مواصلات حيث يوجد باص وحيد على الخط الذي يمر بالقرية ويخدم القرى المجاورة ، فضلا عن عدم قدرة غالبية الاسر في القرية على دفع اجور الباص بشكل متكرر وكل يوم .

وقال رئيس البلدية ان العديد من ابناء القرية اضطروا الى تركها والبحث عن اماكن اخرى ، واشار الى ان رب الاسرة لا يتمكن من متابعة تدريس ابنائه في المراحل الدراسية الجامعية بسبب ضيق ذات اليد ولعدم توفر المواصلات بشكل مستمر ، مؤكدا ان الهجرة من القرية الى مدن المحافظة باتت امرا طبيعيا بحثا عن توفر الخدمات .

واشار الى حاجة القرية الى العديد من الخدمات الاساسية وفي مقدمتها انشاء مركز صحي ومدرسة صغيرة لحماية الاطفال من جراء التنقل اليومي ، داعيا ادارة سلطة المياه الى معالجة الوضع القائم في القرية من حيث الكشف على نبع المياه ومعرفة مدى صلاحية المياه التي يشربونها من عين الحايك وكذلك تامين ضخ المياه اليهم .

بقي شيء لا ادري مدى اهميته واشير اليه انه سوق المشتريات ياتي الى سكان هذه القرية فهم يعرفونه وهو يعرفهم جيدا ويعرف حاجاتهم انه صاحب"البقجة"او الدواج ياتي اليهم بين الحين والاخر وياتي لهم بما يطلبونه من ملابس واقمشة للاطفال وكأنه سوقا متنقلا فيجدون عنده حاجتهم وراحتهم من عناء التنقل عبر حافلة لا تمر الا مرتين في رحلة الصباح والمساء كما يقولون عبر الشارع الذي يمر بالقرب من قريتهم على بعد نحو كلم .

عدنا من القرية والمشهد بقي عالقا بالذهن اكبر من ان ترسمه كلمات وكأننا امام اكتشاف جديد لقرية نكتشفها حديثا اناسها طيبون ورائعون يكتفون بالقليل حتى صار عليهم هذا القليل عزيزا ، عدنا نعم لكن للحكاية بقية .





التاريخ : 29-01-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش